التمديد حاصل… ويبقى التوافق السياسي على “التخريجة”

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
27 شباط 2026

على رغم الأجواء المتوترة، التي يعيشها اللبنانيون على خلفية التهديدات الإسرائيلية بعدم الاكتفاء بضرب البيئة الحاضنة لـ “حزب الله”، بل باستهداف البنى التحية للدولة اللبنانية، فإن ملف الانتخابات النيابية لا يزال يحظى باهتمام واسع، داخليًا وخارجيًا، خصوصًا أنه لم يبقَ سوى شهرين على موعد هذا الاستحقاق الدستوري. وهذه المدّة الفاصلة بين الواقع اليومي للتحرّك النشط للأحزاب والقوى السياسية على خطّ التحالفات وتشكيل اللوائح تبدو غير كافية لإتمام الاستعداد اللوجستي والتقني والسياسي تحضيرًا لانتخابات يعتبرها كثيرون حاسمة ومفصلية في زمن المتغيّرات الاقليمية.

المعطيات الميدانية تشير بما لا يقبل الجدل إلى أن جميع القوى، باستثناء قلّة، قد أصبحت في جو تأجيل هذا الاستحقاق إلى أجل غير مسمّى. وحده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حتى الآن يصرّ على إجراء هذه الانتخابات في مواعيدها، أي في 1 و3 و10 أيار المقبل، إلاّ إذا حدث ما هو خارج الإرادة اللبنانية، وذلك حرصًا منه على احترام المواعيد الدستورية من جهة، وتأكيدًا منه على عدم تسجيل سابقة غير دستورية في عهده، الأمر الذي من شأنه أن تكون له انعكاسات سلبية على مسيرته، التي تصبّ باعتراف الجميع، في خانة ترسيخ أسس الدولة القوية والمتفاعلة مع الدولي والعربي.

وعلى رغم هذا الإصرار من قِبل الرئيس عون وقلّة من القوى السياسية، التي ترى مصلحة مباشرة لها في إجراء الانتخابات النيابية في مواقيتها، فإن الاتجاه العام لدى أغلبية الكتل السياسية يتركّز حاليًا على كيفية إيجاد مخرج سياسي للتمديد لمجلس النواب الحالي، من دون اتضاح شكل ومدة هذا التمديد، وذلك من خلال تقدّم أحد النواب، بتوافق سياسي ضمني، باقتراح قانون للتمديد، يكون معلّلًا بأسبابه الموجبة، بما يتيح للهيئة العامة إقراره من دون تسجيل بطولات وهمية، بعد التنسيق التام بين الرئاسات الثلاث.

إذًا فإن المسألة لم تعد محصورة بسؤال عن التمديد أو عدمه، بل أصبح واقعًا مفروغًا منه، حتى أن النقاش بلغ مرحلة متقدمة بالنسبة إلى إمكانية التوافق السياسي بشبه الاجماع على موضوع التمديد، على أن يبقى التفتيش عن الجهة المؤهلة لتبنّي اقتراح قانون التمديد أو تأجيل الانتخابات، خصوصًا أن فكرة أن يأتي مشروع قانون من الحكومة إلى مجلس النواب قد سقطت كليًا بعد رفض الرئيس عون السير بها. وبذلك قد يتحول هذا الاستحقاق بالتدرج من كونه قرارًا سياسيًا تنفيذيًا إلى مبادرة تشريعية نيابية.

إلاّ أن إرادة الداخل بالتمديد او التأجيل لن تصبح سارية المفعول إن لم تقترن بإرادة خارجية مطابقة، خصوصًا في ضوء إصرار المجتمع الدولي على ألاّ يكون ملف حصرية السلاح مرتبطًا بأي ملف داخلي آخر، مع إعطاء كل ملف على حدة أهمية خاصة، ولكن ليس على حساب الحصرية، وذلك لما لهذا الملف من أولوية تتقدّم سائر الأولويات.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل هذه الثابتة، وهي أن المقاربة الدولية للاستحقاق النيابي تختلف جذريًا عن المقاربة المحلية. ففي حين تنظر غالبية القوى الداخلية إلى الانتخابات من زاوية موازين القوى والتحالفات ونتائجها المحتملة على التمثيل النيابي، يتعامل الخارج معها بوصفها اختبارًا مزدوجًا، أولًا لمدى التزام الدولة اللبنانية بقواعد اللعبة الديموقراطية، وثانيًا لاختبار قدرتها على الفصل بين الاستحقاقات الدستورية وبين تعقيدات الملفات الأمنية، وفي مقدمها ملف السلاح غير الشرعي.

فالمجتمع الدولي، الذي واكب انتخاب الرئيس عون على قاعدة إعادة الانتظام إلى المؤسسات، لا يرغب في رؤية عهده يبدأ بسابقة تمديد جديدة، حتى لو جرى إخراجها بإطار تقني أو أمني. وهو، وإن كان يدرك حجم المخاطر الأمنية القائمة، يميّز بين التعذّر الفعلي لإجراء الانتخابات وبين التوظيف السياسي للمخاوف. ومن هنا يصبح أي قرار بالتمديد بحاجة إلى “تسويق” خارجي لا يقل صعوبة عن تمريره داخليًا.
فهذا الأمر لا يتصل فقط بشكل النظام الدستوري، بل أيضًا برسائل الثقة المطلوبة من لبنان في هذه المرحلة الدقيقة. فالدول المعنية بالملف اللبناني، سواء ضمن اللجنة الخماسية أو عبر قنواتها الثنائية، تعتبر أن احترام المهل الانتخابية يشكّل مؤشرًا إلى جدّية السلطة في استعادة المبادرة. وفي المقابل، فإن أي انزلاق نحو التمديد، مهما كانت مبرراته، سيُقرأ على أنه عجز إضافي عن إدارة الاستحقاقات، وقد يُربط مباشرة بملف حصرية السلاح، ولو حاول الداخل الفصل بينهما.

من هنا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما يُروَّج. فالتمديد ليس مجرد إجراء تقني يمدّد عمر مجلس قائم، بل قرار سياسي له أثمان داخلية وخارجية. داخليًا، لأنه سيعيد إنتاج طبقة سياسية في لحظة تشهد تحولات كبرى في الإقليم. وخارجيًا، لأنه قد يُفسَّر على أنه تراجع عن تعهّدات ضمنية قُطعت بإعادة تفعيل الحياة الدستورية.

وبين إصرار رئيس الجمهورية على احترام المواعيد، وسعي أكثرية الكتل إلى إيجاد مخارج آمنة للتمديد، يبقى العامل الحاسم مرتبطًا بتطورات الأسابيع القليلة المقبلة. فهل تتجه المنطقة إلى مزيد من التصعيد بما يجعل التأجيل أمرًا واقعًا لا نقاش فيه، أم أن الضغوط الدولية ستدفع نحو إجراء الانتخابات ولو في الحد الأدنى من الجهوزية؟

في المحصلة، لم يعد السؤال ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى أو ستُؤجَّل فحسب، بل أي رسالة يريد لبنان أن يوجّهها إلى نفسه أولًا، وإلى العالم ثانيًا. فهل هي رسالة تقوم على أسس الدولة التي تحترم استحقاقاتها على رغم المخاطر، أم رسالة نظام يتكيّف مع الأزمات عبر تمديد عمر أزماته.

التمديد حاصل… ويبقى التوافق السياسي على “التخريجة”

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
27 شباط 2026

على رغم الأجواء المتوترة، التي يعيشها اللبنانيون على خلفية التهديدات الإسرائيلية بعدم الاكتفاء بضرب البيئة الحاضنة لـ “حزب الله”، بل باستهداف البنى التحية للدولة اللبنانية، فإن ملف الانتخابات النيابية لا يزال يحظى باهتمام واسع، داخليًا وخارجيًا، خصوصًا أنه لم يبقَ سوى شهرين على موعد هذا الاستحقاق الدستوري. وهذه المدّة الفاصلة بين الواقع اليومي للتحرّك النشط للأحزاب والقوى السياسية على خطّ التحالفات وتشكيل اللوائح تبدو غير كافية لإتمام الاستعداد اللوجستي والتقني والسياسي تحضيرًا لانتخابات يعتبرها كثيرون حاسمة ومفصلية في زمن المتغيّرات الاقليمية.

المعطيات الميدانية تشير بما لا يقبل الجدل إلى أن جميع القوى، باستثناء قلّة، قد أصبحت في جو تأجيل هذا الاستحقاق إلى أجل غير مسمّى. وحده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حتى الآن يصرّ على إجراء هذه الانتخابات في مواعيدها، أي في 1 و3 و10 أيار المقبل، إلاّ إذا حدث ما هو خارج الإرادة اللبنانية، وذلك حرصًا منه على احترام المواعيد الدستورية من جهة، وتأكيدًا منه على عدم تسجيل سابقة غير دستورية في عهده، الأمر الذي من شأنه أن تكون له انعكاسات سلبية على مسيرته، التي تصبّ باعتراف الجميع، في خانة ترسيخ أسس الدولة القوية والمتفاعلة مع الدولي والعربي.

وعلى رغم هذا الإصرار من قِبل الرئيس عون وقلّة من القوى السياسية، التي ترى مصلحة مباشرة لها في إجراء الانتخابات النيابية في مواقيتها، فإن الاتجاه العام لدى أغلبية الكتل السياسية يتركّز حاليًا على كيفية إيجاد مخرج سياسي للتمديد لمجلس النواب الحالي، من دون اتضاح شكل ومدة هذا التمديد، وذلك من خلال تقدّم أحد النواب، بتوافق سياسي ضمني، باقتراح قانون للتمديد، يكون معلّلًا بأسبابه الموجبة، بما يتيح للهيئة العامة إقراره من دون تسجيل بطولات وهمية، بعد التنسيق التام بين الرئاسات الثلاث.

إذًا فإن المسألة لم تعد محصورة بسؤال عن التمديد أو عدمه، بل أصبح واقعًا مفروغًا منه، حتى أن النقاش بلغ مرحلة متقدمة بالنسبة إلى إمكانية التوافق السياسي بشبه الاجماع على موضوع التمديد، على أن يبقى التفتيش عن الجهة المؤهلة لتبنّي اقتراح قانون التمديد أو تأجيل الانتخابات، خصوصًا أن فكرة أن يأتي مشروع قانون من الحكومة إلى مجلس النواب قد سقطت كليًا بعد رفض الرئيس عون السير بها. وبذلك قد يتحول هذا الاستحقاق بالتدرج من كونه قرارًا سياسيًا تنفيذيًا إلى مبادرة تشريعية نيابية.

إلاّ أن إرادة الداخل بالتمديد او التأجيل لن تصبح سارية المفعول إن لم تقترن بإرادة خارجية مطابقة، خصوصًا في ضوء إصرار المجتمع الدولي على ألاّ يكون ملف حصرية السلاح مرتبطًا بأي ملف داخلي آخر، مع إعطاء كل ملف على حدة أهمية خاصة، ولكن ليس على حساب الحصرية، وذلك لما لهذا الملف من أولوية تتقدّم سائر الأولويات.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل هذه الثابتة، وهي أن المقاربة الدولية للاستحقاق النيابي تختلف جذريًا عن المقاربة المحلية. ففي حين تنظر غالبية القوى الداخلية إلى الانتخابات من زاوية موازين القوى والتحالفات ونتائجها المحتملة على التمثيل النيابي، يتعامل الخارج معها بوصفها اختبارًا مزدوجًا، أولًا لمدى التزام الدولة اللبنانية بقواعد اللعبة الديموقراطية، وثانيًا لاختبار قدرتها على الفصل بين الاستحقاقات الدستورية وبين تعقيدات الملفات الأمنية، وفي مقدمها ملف السلاح غير الشرعي.

فالمجتمع الدولي، الذي واكب انتخاب الرئيس عون على قاعدة إعادة الانتظام إلى المؤسسات، لا يرغب في رؤية عهده يبدأ بسابقة تمديد جديدة، حتى لو جرى إخراجها بإطار تقني أو أمني. وهو، وإن كان يدرك حجم المخاطر الأمنية القائمة، يميّز بين التعذّر الفعلي لإجراء الانتخابات وبين التوظيف السياسي للمخاوف. ومن هنا يصبح أي قرار بالتمديد بحاجة إلى “تسويق” خارجي لا يقل صعوبة عن تمريره داخليًا.
فهذا الأمر لا يتصل فقط بشكل النظام الدستوري، بل أيضًا برسائل الثقة المطلوبة من لبنان في هذه المرحلة الدقيقة. فالدول المعنية بالملف اللبناني، سواء ضمن اللجنة الخماسية أو عبر قنواتها الثنائية، تعتبر أن احترام المهل الانتخابية يشكّل مؤشرًا إلى جدّية السلطة في استعادة المبادرة. وفي المقابل، فإن أي انزلاق نحو التمديد، مهما كانت مبرراته، سيُقرأ على أنه عجز إضافي عن إدارة الاستحقاقات، وقد يُربط مباشرة بملف حصرية السلاح، ولو حاول الداخل الفصل بينهما.

من هنا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما يُروَّج. فالتمديد ليس مجرد إجراء تقني يمدّد عمر مجلس قائم، بل قرار سياسي له أثمان داخلية وخارجية. داخليًا، لأنه سيعيد إنتاج طبقة سياسية في لحظة تشهد تحولات كبرى في الإقليم. وخارجيًا، لأنه قد يُفسَّر على أنه تراجع عن تعهّدات ضمنية قُطعت بإعادة تفعيل الحياة الدستورية.

وبين إصرار رئيس الجمهورية على احترام المواعيد، وسعي أكثرية الكتل إلى إيجاد مخارج آمنة للتمديد، يبقى العامل الحاسم مرتبطًا بتطورات الأسابيع القليلة المقبلة. فهل تتجه المنطقة إلى مزيد من التصعيد بما يجعل التأجيل أمرًا واقعًا لا نقاش فيه، أم أن الضغوط الدولية ستدفع نحو إجراء الانتخابات ولو في الحد الأدنى من الجهوزية؟

في المحصلة، لم يعد السؤال ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى أو ستُؤجَّل فحسب، بل أي رسالة يريد لبنان أن يوجّهها إلى نفسه أولًا، وإلى العالم ثانيًا. فهل هي رسالة تقوم على أسس الدولة التي تحترم استحقاقاتها على رغم المخاطر، أم رسالة نظام يتكيّف مع الأزمات عبر تمديد عمر أزماته.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار