لماذا تعمّد بري التسريب؟ وهل المقصود “الخماسية” أم “الحزب”؟

يُدرك الرئيس نبيه بري جيدًا أن الدول الكبرى تفضل إبقاء نقاشاتها مع المسؤولين طيّ الكتمان، خصوصًا أن بعض هذه النقاشات يكون في إطار استقاء المعلومات، والاطلاع على وجهات النظر، وحتى الدردشة السياسية. فلماذا تعمّد تسريب أنه أُبلغ من “اللجنة الخماسية” بفكرة التمديد للمجلس النيابي، ثم عاد، بعد معاتبته، إلى إصدار بيان توضيحي قال فيه إن ما صدر عنه كان استنتاجًا وليس طلبًا أو تمنيًا بالتمديد؟
الهدف من هذا التسريب كان التأكيد أنه مع إجراء الانتخابات في موعدها، وضد تأجيلها، وأنه وقف في وجه “الخماسية” مجتمعة رافضًا التمديد. لكن هل هذه الرسالة موجّهة إلى “الخماسية”؟ الأرجح لا، إذ كان بإمكانه الاكتفاء بمداولاته معها من دون تسريب. وبالتالي، لمن أراد توجيه هذه الرسالة؟ المرجّح أنها موجّهة إلى “حزب الله”، وتحديدًا لتجنب تحميله مسؤولية التمديد، بما قد يؤدي إلى مزيد من توتير العلاقة بينهما، خصوصًا أن “الحزب” يفضل تقريب موعد الانتخابات وليس فقط إتمامها في مواعيدها، لا خوفًا من تراجع شعبيته، بل احتياطًا وتحسّبًا لتطورات كبرى تعيد رسم المشهد السياسي.
في المقابل، يدرك “حزب الله” أن بري يفضل التمديد لسنتين. وقد نُقل إليه، عبر أحد الدبلوماسيين، أن بري، عندما طُرحت أمامه فكرة التمديد لسنة واحدة، من زاوية تزامن الانتخابات مع احتمال حصول ضربة أو اتفاق بين واشنطن وطهران، وما قد يرافق ذلك من تحولات إقليمية كبرى، قال صراحة إنه يفضل التمديد لسنتين.
لكن لماذا سنتان تحديدًا؟ لأن بري يفضل أن يختتم مسيرته البرلمانية من دون خوض انتخابات جديدة، في مرحلة بدأ فيها “حزب الله” نفسه التفكير بما بعد بري، وما قد تحمله هذه المرحلة من مفاجآت، سواء على الأرض أو داخل المجلس النيابي. كما يسعى، خلال هذه الفترة، إلى إدارة انتقال الطائفة الشيعية من مرحلة هيمنة “الحزب” إلى مرحلة مختلفة تفرضها التحولات الإقليمية والداخلية.
وعندما شعر “حزب الله” بأن أمرًا ما يُحضَّر في الكواليس، سارع إلى طلب لقاء عاجل مع بري. العنوان الظاهر كان “تنقية الأجواء”، لكن المضمون كان أعمق بكثير، بعدما بلغت العلاقة بين الطرفين مرحلة حساسة من التباعد السياسي، وإن بقي هذا التباعد بعيدًا من العلن.
وكان ان زاد من حساسية العلاقة جملة مؤشرات: موقف بري المعارض للحرب الأخيرة، اختلاف طبيعة علاقته بالقيادة الحالية لـ “الحزب” مقارنة بالسابقة، قراءته المختلفة لموازين القوى، تهنئته رئيس الجمهورية بمناسبة الذكرى الأولى لانتخابه بكلام تجاوز سقف خطاب القسم، تغطيته تسمية ممثل سياسي في “الميكانيزم”، وصولًا إلى السجال مع النائب علي فياض تحت قبة البرلمان. كل ذلك أعطى انطباعًا بأن بري يتموضع سياسيًا بطريقة مختلفة.
خلال اللقاء، لم يكتفِ “الحزب” بمناقشة فكرة التمديد، بل سعى إلى ربطها عمدًا بشروط تعجيزية، عبر طرح مقايضة تقوم على معادلة: لا تمديد من دون أثمان. وشملت هذه الشروط وقف الاستهدافات الإسرائيلية، إطلاق الأسرى، إعادة الإعمار، انسحاب إسرائيل من النقاط التي تتمركز فيها، تجميد قرار نزع سلاح “الحزب”، تعديل وزاري(…).
يعلم “الحزب” أن هذه الشروط شبه مستحيلة التحقيق، لكنه أراد من خلالها إحراج بري، وقطع الطريق على أي تفاهم محتمل بينه وبين “الخماسية”. فالحزب يفضل إجراء الانتخابات على تمديد لا يملك السيطرة على شروطه، فيما يرى بري في التمديد فرصة لضبط الانتقال السياسي وحماية موقعه في مرحلة انتقالية دقيقة.
لكن المشكلة الأساسية أن ميزان القوى تغيّر، والسوق السياسية لم تعد كما كانت. لم يعد هناك من هو مستعد لمقايضة “الحزب” على سلاحه، ولا من يرغب في دفع أثمان سياسية لإنقاذ دوره الإقليمي الذي انتفى. كما إن إسرائيل نفسها غير معنية بمسار الانتخابات أو التمديد، بقدر ما تركز على هدف واحد: إنهاء البنية العسكرية لـ “الحزب”.
من هنا، يبدو أن بري يقف أمام خيار استراتيجي: هل يرضي “الحزب” أم ينسجم مع التحولات الدولية والإقليمية التي تواكبها “الخماسية”؟ المؤشرات، منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون وتكليف الرئيس نواف سلام، وصولًا إلى مواقف بري الأخيرة، توحي بأنه يميل إلى التموضع بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة، لا مع المرحلة الماضية، ما يعني أنه سيرضي “الخماسية” لا “الحزب”.
وإذا كانت “الخماسية”، أو بعض أطرافها، مصمّمة على خيار التمديد، فإن بري سيعمل على إخراجه، وسيجد، بمساعدة “الخماسية”، من يضع اقتراح تمديد وازنًا على الطاولة. فهل يكون التمديد النقطة التي تُفيض الكأس بينه وبين “حزب الله”؟ وما الثمن الذي قد يقبضه من “الخماسية”؟
لماذا تعمّد بري التسريب؟ وهل المقصود “الخماسية” أم “الحزب”؟

يُدرك الرئيس نبيه بري جيدًا أن الدول الكبرى تفضل إبقاء نقاشاتها مع المسؤولين طيّ الكتمان، خصوصًا أن بعض هذه النقاشات يكون في إطار استقاء المعلومات، والاطلاع على وجهات النظر، وحتى الدردشة السياسية. فلماذا تعمّد تسريب أنه أُبلغ من “اللجنة الخماسية” بفكرة التمديد للمجلس النيابي، ثم عاد، بعد معاتبته، إلى إصدار بيان توضيحي قال فيه إن ما صدر عنه كان استنتاجًا وليس طلبًا أو تمنيًا بالتمديد؟
الهدف من هذا التسريب كان التأكيد أنه مع إجراء الانتخابات في موعدها، وضد تأجيلها، وأنه وقف في وجه “الخماسية” مجتمعة رافضًا التمديد. لكن هل هذه الرسالة موجّهة إلى “الخماسية”؟ الأرجح لا، إذ كان بإمكانه الاكتفاء بمداولاته معها من دون تسريب. وبالتالي، لمن أراد توجيه هذه الرسالة؟ المرجّح أنها موجّهة إلى “حزب الله”، وتحديدًا لتجنب تحميله مسؤولية التمديد، بما قد يؤدي إلى مزيد من توتير العلاقة بينهما، خصوصًا أن “الحزب” يفضل تقريب موعد الانتخابات وليس فقط إتمامها في مواعيدها، لا خوفًا من تراجع شعبيته، بل احتياطًا وتحسّبًا لتطورات كبرى تعيد رسم المشهد السياسي.
في المقابل، يدرك “حزب الله” أن بري يفضل التمديد لسنتين. وقد نُقل إليه، عبر أحد الدبلوماسيين، أن بري، عندما طُرحت أمامه فكرة التمديد لسنة واحدة، من زاوية تزامن الانتخابات مع احتمال حصول ضربة أو اتفاق بين واشنطن وطهران، وما قد يرافق ذلك من تحولات إقليمية كبرى، قال صراحة إنه يفضل التمديد لسنتين.
لكن لماذا سنتان تحديدًا؟ لأن بري يفضل أن يختتم مسيرته البرلمانية من دون خوض انتخابات جديدة، في مرحلة بدأ فيها “حزب الله” نفسه التفكير بما بعد بري، وما قد تحمله هذه المرحلة من مفاجآت، سواء على الأرض أو داخل المجلس النيابي. كما يسعى، خلال هذه الفترة، إلى إدارة انتقال الطائفة الشيعية من مرحلة هيمنة “الحزب” إلى مرحلة مختلفة تفرضها التحولات الإقليمية والداخلية.
وعندما شعر “حزب الله” بأن أمرًا ما يُحضَّر في الكواليس، سارع إلى طلب لقاء عاجل مع بري. العنوان الظاهر كان “تنقية الأجواء”، لكن المضمون كان أعمق بكثير، بعدما بلغت العلاقة بين الطرفين مرحلة حساسة من التباعد السياسي، وإن بقي هذا التباعد بعيدًا من العلن.
وكان ان زاد من حساسية العلاقة جملة مؤشرات: موقف بري المعارض للحرب الأخيرة، اختلاف طبيعة علاقته بالقيادة الحالية لـ “الحزب” مقارنة بالسابقة، قراءته المختلفة لموازين القوى، تهنئته رئيس الجمهورية بمناسبة الذكرى الأولى لانتخابه بكلام تجاوز سقف خطاب القسم، تغطيته تسمية ممثل سياسي في “الميكانيزم”، وصولًا إلى السجال مع النائب علي فياض تحت قبة البرلمان. كل ذلك أعطى انطباعًا بأن بري يتموضع سياسيًا بطريقة مختلفة.
خلال اللقاء، لم يكتفِ “الحزب” بمناقشة فكرة التمديد، بل سعى إلى ربطها عمدًا بشروط تعجيزية، عبر طرح مقايضة تقوم على معادلة: لا تمديد من دون أثمان. وشملت هذه الشروط وقف الاستهدافات الإسرائيلية، إطلاق الأسرى، إعادة الإعمار، انسحاب إسرائيل من النقاط التي تتمركز فيها، تجميد قرار نزع سلاح “الحزب”، تعديل وزاري(…).
يعلم “الحزب” أن هذه الشروط شبه مستحيلة التحقيق، لكنه أراد من خلالها إحراج بري، وقطع الطريق على أي تفاهم محتمل بينه وبين “الخماسية”. فالحزب يفضل إجراء الانتخابات على تمديد لا يملك السيطرة على شروطه، فيما يرى بري في التمديد فرصة لضبط الانتقال السياسي وحماية موقعه في مرحلة انتقالية دقيقة.
لكن المشكلة الأساسية أن ميزان القوى تغيّر، والسوق السياسية لم تعد كما كانت. لم يعد هناك من هو مستعد لمقايضة “الحزب” على سلاحه، ولا من يرغب في دفع أثمان سياسية لإنقاذ دوره الإقليمي الذي انتفى. كما إن إسرائيل نفسها غير معنية بمسار الانتخابات أو التمديد، بقدر ما تركز على هدف واحد: إنهاء البنية العسكرية لـ “الحزب”.
من هنا، يبدو أن بري يقف أمام خيار استراتيجي: هل يرضي “الحزب” أم ينسجم مع التحولات الدولية والإقليمية التي تواكبها “الخماسية”؟ المؤشرات، منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون وتكليف الرئيس نواف سلام، وصولًا إلى مواقف بري الأخيرة، توحي بأنه يميل إلى التموضع بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة، لا مع المرحلة الماضية، ما يعني أنه سيرضي “الخماسية” لا “الحزب”.
وإذا كانت “الخماسية”، أو بعض أطرافها، مصمّمة على خيار التمديد، فإن بري سيعمل على إخراجه، وسيجد، بمساعدة “الخماسية”، من يضع اقتراح تمديد وازنًا على الطاولة. فهل يكون التمديد النقطة التي تُفيض الكأس بينه وبين “حزب الله”؟ وما الثمن الذي قد يقبضه من “الخماسية”؟










