البقاع على طريق النزوح مجدّدًا

على عجل، لملم المئات من الناس في دورس وبعلبك ما تيسّر لهم، وآخرون خرجوا بما عليهم من ثياب، فالتقت العائلات بعضها البعض في الشوارع والساحات. فالناس خلال الإنذارات كانوا نيامًا، وحده صوت الرصاص الذي بدأ المواطنون يطلقونه قرابة الرابعة فجرًا، كان كفيلًا بإيقاظهم للحفاظ على أرواحهم. الوجهة كانت معروفة وغير معروفة، البعض بدأ التوجّه نحو دير الأحمر التي استقبلت خلال الحرب الماضية عشرات الآلاف من النازحين، والبعض الآخر توجّه نحو زحلة، فيما خرج كثيرون إلى الطرقات بسياراتهم على أن يجدوا أماكن آمنة لهم.
لم يكن إطلاق “حزب اللّه” الصواريخ حادثًا عابرًا، كان قرارًا أحاديًا بإدخال منطقة كاملة في قلب مواجهة إقليمية مفتوحة، وفي لحظة واحدة، تحوّل معها البقاع إلى صندوق بريد لصراع أكبر منه، وتحوّل أهله إلى رهائن لرسائل بالنار لا يملكون حق الاعتراض عليها.
في محيط بلدة دورس التي كانت من ضمن البلدات التي حدّدها الجيش الإسرائيلي، بدت الطرقات كأنها تفرغ من أهلها، وسيارات متلاصقة تبحث عن وجهة، ووجوه شاحبة، وأطفال يبكون من دون أن يفهموا لماذا يُنتزعون من أسرّتهم قبل الفجر.
أمّا في دورس فكان المشهد أكثر قسوة، إذ تسابق الناس مع الوقت خوفًا من أن تسبق الضربات إمكان خروجهم.
استعدّت دير الأحمر بدورها لدور لم تختره، استقبال موجة جديدة من النازحين من احتمالات النار، وفي زحلة ازدحمت المداخل بسيارات تحمل عائلات لا تعرف إن كانت ستعود بعد ساعات أم بعد شهور.
السؤال الذي تردّد في الشوارع لم يكن سياسيًا بقدر ما كان وجوديًا: ماذا بعد؟ هل يحتمل البقاع حربًا جديدة وهو الذي لم يخرج بعد من آثار حرب الإسناد عام 2024؟ آلاف المنازل التي تضرّرت لم تُرمَّم بالكامل، مؤسّسات أقفلت ولم تُفتح، شباب هاجروا ولم يعودوا، اقتصاد هش بالكاد يقف على قدميه، وزراعة مهدّدة بأي تصعيد، وفوق ذلك كلّه، ذاكرة مثقلة بصور القصف والدمار.
الغضب هذه المرّة لم يكن همسًا، كان واضحًا في العيون وفي الكلمات، كثيرون رأوا في إطلاق الصواريخ خطوة رمزية الثمن سياسيًا، لكنها باهظة الثمن بشريًا. ماذا تغيّر في موازين القوى بإطلاق ستة صواريخ؟ وأي رسالة تستحق أن تُكتب على حساب استقرار منطقة كاملة؟ إذا كان الهدف إسنادًا أو تضامنًا أو تثبيت معادلة، فهل يُعقل أن يكون الثمن تهجير الناس مجدّدًا وتعريضهم لمصير مجهول؟
ما حدث فجرًا ليس تفصيلًا، بل محطة مفصلية في علاقة الناس بالحرب وبمن يقرّرها، فالبقاع الذي تعب من دفن شبابه ومن ترميم بيوته ومن انتظار التعويضات، لم يعد يرى في تكرار المشهد بطولة، بات يرى فيه استنزافًا مفتوحًا، والهوة تكبر بين خطاب يتحدّث عن معادلات استراتيجية، وناس يريدون فقط أن يناموا من دون أن توقظهم صافرات الإنذار أو رصاص التحذير.
البقاع على طريق النزوح مجدّدًا

على عجل، لملم المئات من الناس في دورس وبعلبك ما تيسّر لهم، وآخرون خرجوا بما عليهم من ثياب، فالتقت العائلات بعضها البعض في الشوارع والساحات. فالناس خلال الإنذارات كانوا نيامًا، وحده صوت الرصاص الذي بدأ المواطنون يطلقونه قرابة الرابعة فجرًا، كان كفيلًا بإيقاظهم للحفاظ على أرواحهم. الوجهة كانت معروفة وغير معروفة، البعض بدأ التوجّه نحو دير الأحمر التي استقبلت خلال الحرب الماضية عشرات الآلاف من النازحين، والبعض الآخر توجّه نحو زحلة، فيما خرج كثيرون إلى الطرقات بسياراتهم على أن يجدوا أماكن آمنة لهم.
لم يكن إطلاق “حزب اللّه” الصواريخ حادثًا عابرًا، كان قرارًا أحاديًا بإدخال منطقة كاملة في قلب مواجهة إقليمية مفتوحة، وفي لحظة واحدة، تحوّل معها البقاع إلى صندوق بريد لصراع أكبر منه، وتحوّل أهله إلى رهائن لرسائل بالنار لا يملكون حق الاعتراض عليها.
في محيط بلدة دورس التي كانت من ضمن البلدات التي حدّدها الجيش الإسرائيلي، بدت الطرقات كأنها تفرغ من أهلها، وسيارات متلاصقة تبحث عن وجهة، ووجوه شاحبة، وأطفال يبكون من دون أن يفهموا لماذا يُنتزعون من أسرّتهم قبل الفجر.
أمّا في دورس فكان المشهد أكثر قسوة، إذ تسابق الناس مع الوقت خوفًا من أن تسبق الضربات إمكان خروجهم.
استعدّت دير الأحمر بدورها لدور لم تختره، استقبال موجة جديدة من النازحين من احتمالات النار، وفي زحلة ازدحمت المداخل بسيارات تحمل عائلات لا تعرف إن كانت ستعود بعد ساعات أم بعد شهور.
السؤال الذي تردّد في الشوارع لم يكن سياسيًا بقدر ما كان وجوديًا: ماذا بعد؟ هل يحتمل البقاع حربًا جديدة وهو الذي لم يخرج بعد من آثار حرب الإسناد عام 2024؟ آلاف المنازل التي تضرّرت لم تُرمَّم بالكامل، مؤسّسات أقفلت ولم تُفتح، شباب هاجروا ولم يعودوا، اقتصاد هش بالكاد يقف على قدميه، وزراعة مهدّدة بأي تصعيد، وفوق ذلك كلّه، ذاكرة مثقلة بصور القصف والدمار.
الغضب هذه المرّة لم يكن همسًا، كان واضحًا في العيون وفي الكلمات، كثيرون رأوا في إطلاق الصواريخ خطوة رمزية الثمن سياسيًا، لكنها باهظة الثمن بشريًا. ماذا تغيّر في موازين القوى بإطلاق ستة صواريخ؟ وأي رسالة تستحق أن تُكتب على حساب استقرار منطقة كاملة؟ إذا كان الهدف إسنادًا أو تضامنًا أو تثبيت معادلة، فهل يُعقل أن يكون الثمن تهجير الناس مجدّدًا وتعريضهم لمصير مجهول؟
ما حدث فجرًا ليس تفصيلًا، بل محطة مفصلية في علاقة الناس بالحرب وبمن يقرّرها، فالبقاع الذي تعب من دفن شبابه ومن ترميم بيوته ومن انتظار التعويضات، لم يعد يرى في تكرار المشهد بطولة، بات يرى فيه استنزافًا مفتوحًا، والهوة تكبر بين خطاب يتحدّث عن معادلات استراتيجية، وناس يريدون فقط أن يناموا من دون أن توقظهم صافرات الإنذار أو رصاص التحذير.










