3 أسباب… لماذا فشلت خطة “الإلهاء” التي اعتمدها “الحزب”؟

مع اندلاع المواجهة الأميركية – الإيرانية، عاد “حزب الله” إلى خيار “الإسناد 2” بإطلاق صواريخ أعاد عبرها فتح الجبهة، على رغم تحذيرات مسبقة بأن أي إطلاق سيستجلب حرباً شاملة. يرى محللون أن خطة “إلهاء” إسرائيل عبر لبنان فشلت لأن الحزب أضعف مما كان، ولأن إسرائيل قادرة على إدارة جبهات عدة وتملك تفوقاً استخبارياً. بالتوازي، توسعت المواجهة إلى ضرب المنظومة المالية عبر استهداف “القرض الحسن”، ومع أوامر إخلاء عشرات القرى يرتفع خطر توغل بري وتوسيع العمليات إلى ما بعد نهر الليطاني.
لم يكن وقف إطلاق النار الذي أعلن في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 نهاية للحرب بقدر ما كان تعليقاً موقتاً لمسار لم يقفل أصلاً. يومها لم يبالغ اللبنانيون في التفاؤل، لكنهم تمسكوا بالهدنة كفرصة لالتقاط الأنفاس في بلد أنهكته الجبهات المفتوحة والانهيار الاقتصادي المتراكم، غير أن الوقائع التي تلت ذلك التاريخ سرعان ما بددت أي التباس: ما بعد الحرب لم يكن سلاماً، بل مرحلة مراقبة دقيقة، ومنعاً استباقياً، وصراعاً منخفض الوتيرة.
خلال الأشهر التي أعقبت الهدنة، تبين أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يكن سوى إطار مرن يسمح باستكمال الحرب تحت عنوان “حرية الحركة” للتصدي لأي هدف يصنف تهديداً استراتيجياً. الضربات التي نفذت في هذه المرحلة لم تكن كثيفة، لكنها كانت نوعية، موجهة، ومبنية على تراكم استخباري واضح. في المقابل لم ينفذ البند المتعلق بنزع سلاح “حزب الله” وغرقت القوى السياسية اللبنانية بالتفسيرات والتأويلات والتمييز بين شمال وجنوب نهر الليطاني، في حين تبلغت الدولة اللبنانية من جهات دولية خطورة إطلاق أي صاروخ من الأراضي اللبنانية، ما سيعتبر إعلان حرب. هذه الرسائل لم تكن مبهمة ولا سرية، وقد جرى التعبير عنها علناً من أكثر من مسؤول رسمي، غير أن المعضلة لم تكن في نقص المعرفة، بل في غياب القدرة، فقرار الحرب والسلم بقي خارج يد الدولة، مما جعل الهدنة أقرب إلى غلاف سياسي هش يغطي واقعاً قابلاً للاشتعال عند أول اختبار إقليمي جدي.
قرار الإسناد
مع انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مستوى غير مسبوق، دخل لبنان مرحلة حبس أنفاس جماعي، السؤال لم يكن إن كانت الساحة اللبنانية ستستخدم، بل متى؟ التجربة السابقة لم تترك هامشاً واسعاً للرهان على تحييد لبنان، خصوصاً في ظل التزامات “حزب الله” السياسية والعقائدية ضمن ما يعرف بـ”محور الممانعة”.
إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان شكل لحظة الانتقال الفعلي من حرب الاستنزاف إلى حرب إسرائيلية ثانية، رفعت لها تسمية “الإسناد 2”. وفق معطيات دبلوماسية وتحليلية متقاطعة، لم يكن القرار محلياً صرفاً، بل جاء في سياق حسابات إقليمية هدفت إلى تشتيت الجهد الإسرائيلي وإشغاله شمالاً لتخفيف الضغط عن طهران، غير أن هذا القرار اصطدم سريعاً بواقع ميداني مغاير للتوقعات.
الرد الإسرائيلي جاء سريعاً وواسعاً، مما عكس جهوزية كاملة وخططاً معدة سلفاً. خلال ساعات، انتقلت إسرائيل من منطق الرد الموضعي إلى حملة مركزة استهدفت مواقع عسكرية، وطرق إمداد، وشخصيات نوعية، في إشارة واضحة إلى أن كسر الخط الأحمر كان كافياً لإطلاق بنك الأهداف. في هذه اللحظة، تبين أن الهدنة لم تكن عائقاً أمام العمل الإسرائيلي، بل مرحلة استخدمت لاستكمال التحضير.
فشل “الإلهاء”
في الحسابات النظرية، تقوم خطة الإلهاء على فتح جبهة إضافية لإرباك الخصم واستنزافه، إلا أن محللين عسكريين يرون أن هذه الاستراتيجية لم تعد صالحة في الظروف الراهنة، وأول أسباب الفشل يتعلق بواقع “حزب الله” نفسه. الحزب الذي خاض حرب الإسناد الأولى لم يعد يمتلك هامش القوة ذاته، والخسائر البشرية والتنظيمية، إضافة إلى اختراق استخباري متقدم، قلصت قدرته على المبادرة والمناورة.
نمط الاغتيالات، ودقة الضربات، وسرعة تحديد الأهداف، كلها مؤشرات إلى أن إسرائيل لم تعد تتفاعل مع الحدث، بل تسبقه. أي محاولة لإشغالها عبر جبهة لبنان لم تؤد إلى تشتيت، بل إلى تسريع الضربات المركزة ضد البنية الأضعف.
السبب الثاني للفشل يرتبط بإسرائيل نفسها، والوقائع الميدانية خلال العامين الأخيرين أظهرت أنها قادرة على إدارة حروب متزامنة. ففي وقت استمرت فيه العمليات في غزة، لم تتوقف الضربات في لبنان، ولم تعلق الهجمات على الحوثيين في اليمن، كما واصلت إسرائيل غاراتها في سوريا ضد أهداف إيرانية وممرات لوجيستية، والتفوق الجوي والتكنولوجي منحها قدرة توزيع الجهد العسكري بدل الاضطرار إلى الاختيار بين الجبهات.
أما السبب الثالث فهو أن خيار “الإلهاء” الذي لم يخفف الضغط عن إيران تحول على الأرض اللبنانية إلى حرب كاملة: دمار، ونزوح، وازدياد العزلة الدولية، والنتيجة كانت واضحة: إسرائيل لم تستنزف كما كان متوقعاً، وإيران لم تعف من الضغط، بينما انكشف الحزب أكثر، ودخل لبنان مرحلة أشد خطورة.
بنك الاغتيالات
في هذا السياق برزت الاغتيالات كأداة مركزية لإدارة الحرب، اغتيال مسؤول الاستخبارات العسكرية في “حزب الله”، إذ إن استهداف رأس استخباري يعني ضرب القدرة على إدارة المعلومات، وحماية الشبكات، وضبط الإيقاع الميداني تحت الضغط.
تتابع هذه الاغتيالات عزز فرضية وجود لائحة أهداف جاهزة كانت تنتظر لحظة الصفر. التوقيت، والدقة، والترابط بين الضربات وإطلاق الصواريخ، كلها مؤشرات إلى أن إسرائيل كانت تنفذ خطة معدة سلفاً. في هذا الإطار، ربط محللون بين الأشخاص المستهدفين وبين الوحدات أو الخلايا التي أعطت أو نفذت أوامر إطلاق الصواريخ والمسيرات، مما يعكس سعياً منهجياً إلى ضرب حلقة الوصل بين القرار والتنفيذ.
لكن الحرب لم تتوقف عند هذا الحد، فبالتوازي مع استهداف البنية العسكرية، انتقلت المواجهة إلى مستوى آخر: ضرب المنظومة المالية.
في هذا السياق، يبرز استهداف جمعية “القرض الحسن” كحلقة مفصلية، بحسب مصادر دبلوماسية غربية، لم يكن هذا الاستهداف خطوة رمزية، بل جزءاً من مسار يهدف إلى تجفيف البنية المالية التي يقوم عليها الحزب خارج النظام المصرفي الشرعي. هذه المصادر تشير إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت انهياراً متدرجاً في قدرة الحزب المالية، انعكس مباشرة في تعثره عن دفع تعويضات المتضررين من الحرب، وهو ما كان سابقاً أحد أعمدة تماسكه الاجتماعي.
مع تراجع الدعم الإيراني بفعل الضغوط غير المسبوقة على طهران، بات واضحاً أن الحزب يواجه اختناقاً مالياً بنيوياً. هنا، تكتسب مؤسسة “القرض الحسن” أهمية استثنائية، ليس بوصفها خدماتية، بل باعتبارها الذراع المالية الأهم للحزب خارج الإطار الشرعي. هذه المؤسسة، التي أعلنها المجتمع الدولي غير شرعية منذ عام 2007، تخضع لعقوبات عدة، وينظر إليها في الدوائر المالية الغربية كأحد أبرز أسباب عزل لبنان عن النظام المالي العالمي.
استمرار عملها لا يعرض لبنان فقط لمزيد من العقوبات، بل يهدد أي مسار تفاوضي مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يفترض أن يكون لهما دور محوري في إعادة الإعمار، إضافة إلى ذلك فإن أي نشاط مالي غير قانوني يبقي لبنان عالقاً في القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF، ويضعف فرص خروجه منها، مما يعني عملياً إغلاق أبواب الاستثمار وتعميق العزلة الاقتصادية.
من هذا المنطلق، لا يقرأ استهداف “القرض الحسن” كجزء ثانوي من الصراع، بل كضربة في قلب اقتصاد الظل الذي نما على حساب الدولة. في المقابل، ترى هذه المصادر أن اللحظة الحالية قد تشكل فرصة نادرة للبنان للانتقال إلى مسار جديد، يبدأ بتطهير الاقتصاد من أي مؤسسة غير قانونية، وهو موقف عبر عنه صراحة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في أول خطاب له، حين شدد على أن “أي مؤسسة غير قانونية تعمل في لبنان يجب إغلاقها”.
شبح الاجتياح
وسط القصف والاغتيالات والاستهدافات المالية، برز المؤشر الأخطر: الإخلاء الجماعي. طلب إسرائيل إخلاء 53 قرية جنوبية، ثم توجيه إنذارات إضافية إلى قرى الحافة الأمامية، لم يكن إجراء روتينياً. استخدام تعبير “النداء الأخير” يحمل دلالة عسكرية واضحة، إذ يسبق عادة عمليات واسعة، سواء لتكثيف النيران أو للتمهيد لتوغل بري.
محللون يرون أن احتمال الاجتياح لم يعد فرضية بعيدة، فإسرائيل، التي تعتبر أن بقاء تهديد فعال جنوب الليطاني غير مقبول، قد تسعى إلى توسيع عمقها الأمني داخل الأراضي اللبنانية. في هذا السيناريو لا يعود الليطاني خطاً أحمر نهائياً، بل محطة ضمن مسار قد يمتد شمالاً ليشمل كامل الجنوب، وربما يصل إلى تخوم صيدا ونهر الأولي، مما يعني عملياً وضع الجنوب اللبناني برمته داخل دائرة العمليات.
الجانب الإنساني لهذا الاحتمال بالغ الخطورة. إخلاء عشرات القرى يعني تهجير عشرات الآلاف في بلد يعاني أصلاً أزمات اقتصادية وخدماتية خانقة. الجنوب، الذي لم يتعاف بعد من حرب عام 2024، يواجه خطر التحول إلى منطقة مفرغة من سكانها، تعاد هندسة واقعها الأمني بالقوة.
“حرب التوريط المزدوجة”
في السياق اعتبر الأكاديمي والكاتب السياسي شارل شرتوني أن لبنان وقع بالمحظور، “وأن قرار ’حزب الله‘ تبني إطلاق الصواريخ تحت عنوان إسناد إيران لم يكن مفاجئاً لا في مضمونه ولا في تداعياته”، ورأى شرتوني أن ما حصل نتيجة تراكم سياسي ممتد منذ أعوام، بلغ ذروته خلال العام الماضي، “حين تحولت سياسة الدولة اللبنانية إلى مظلة واقعية لمسار الحزب بدلاً من أن تكون سياسة احتواء ومنع. ومن هنا، يدفع اللبنانيون ثمن مغامرات عسكرية لم يختاروها، فيما تتحول البلاد إلى ساحة تستثمر في صراعات إقليمية أكبر منها وأقسى عليها”.
في تفسيره لجدوى إطلاق الصواريخ، طرح شرتوني مفهوم “حرب التوريط المزدوجة”، والهدف الأول، بحسب قراءته، “هو إدخال لبنان في دوامة نزاعية تخدم أجندة الحزب الانقلابية في الداخل أكثر مما تخدم أي هدف إقليمي فعال، خصوصاً أن التحولات الجيوسياسية الكبرى تتجاوز الحزب وتتجاوز قدرته على التأثير فيها، أما الهدف الثاني فهو توسيع نطاق الاشتباك ليشمل الخليج وصولاً إلى لبنان، على أساس وهم تخفيف الضغط عن إيران عبر فتح الجبهات”، غير أن شرتوني اعتبر أن هذه الحسابات خاطئة ووهمية ولن تحدث تعديلاً جوهرياً في المشهد العسكري والاستراتيجي العام، “لأن إسرائيل والولايات المتحدة تعملان ضمن استراتيجية موضوعة سلفاً وبالتنسيق، وأنهما قادرتان على إدارة المعركة بوتيرة سريعة وبقدرات تفوق بكثير ما يملكه الطرف المقابل”.
في موازاة ذلك، قرأ شرتوني سلوك إيران الإقليمي، بما يشمل استهداف مواقع أميركية والضغط على دول الخليج، “على أنه سياسة بلا أفق، عبثية تعكس فراغات أمنية وعسكرية داخل الساحة الإيرانية نفسها. لم تعد طهران تتحرك ضمن مقاربة قابلة للضبط أو الاحتواء، بل ضمن ردود فعل فوضوية لمراكز قوى تحاول استعادة المبادرة عبر توسيع دائرة الاستهدافات، حتى لو قادت إلى مزيد من العزلة والتصعيد ضدها”.
وفي الشق اللبناني قدم شرتوني تقييماً بالغ القسوة لخطاب الحكومة بعد جلسة مجلس الوزراء وإعلان حظر أنشطة “حزب الله” العسكرية والأمنية وإلزامه تسليم السلاح. وبرأيه “هذا الخطاب جاء متأخراً، ويقع في خانة الإنشاء السياسي بعد وقوع الحرب، لا في خانة السياسة الاستباقية التي كان يفترض أن تمنع الوصول إلى هذه اللحظة”، وذهب إلى القول إن التمييز بين “حزب الله السياسي” و”حزب الله العسكري” هو تمييز مضلل لا يعكس الواقع، لأن البنية واحدة، والقرار واحد، والوظيفة واحدة. ومن هذا المنطلق، لفت إلى أن أي رهان على الفصل بين الذراعين ليس إلا محاولة لغوية لشراء الوقت بعد انتهاء الوقت.
وفي قراءة لتوسع بنك الأهداف، رأى شرتوني أن الاستهدافات الإسرائيلية لن تقتصر على البنية العسكرية، وأن فكرة تحييد القيادات السياسية في الحزب ليست واقعية إذا كانت إسرائيل تعتبر أن المنظومة واحدة، وأضاف أن الدولة اللبنانية، إذا لم تتكيف سريعاً مع المرحلة الجديدة، قد تعرض نفسها، وفق تقديره، إلى توسيع دائرة الاستهدافات لتطاول بنى تحتية أساسية، مع ما يحمله ذلك من خطر الانزلاق إلى تدمير شامل. وفي هذا السياق، قدم شرتوني خلاصة حادة مفادها “بأن وقف النزف لن يكون ممكناً بالبيانات، بل بتغيير جذري في موازين القرار الداخلي”، معتبراً أن إنهاء الدور العسكري للحزب شرط تأسيسي لأي انتقال نحو مرحلة سياسية جديدة، بما في ذلك فتح باب التفاوض لوضع حد لمسار الحرب على الأرض اللبنانية.
حظر “حزب الله”
في موازاة هذا المشهد، برز النقاش الداخلي حول قرار الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله” واعتبارها خارجة عن القانون، وما إذا كان هذا القرار قابلاً للتنفيذ عملياً أم سيبقى في إطار المواقف السياسية. في هذا السياق، قدم العميد المتقاعد وهبي قاطيشا، قراءة لطبيعة القرار وحدوده التنفيذية، معتبراً أن ما صدر عن الحكومة يشكل موقفاً تصعيدياً واضحاً تجاه الحزب، يضاف إلى سلسلة قرارات سابقة، لكنه يتميز هذه المرة بأنه يضع التنفيذ مباشرة في عهدة السلطة التنفيذية.
وشدد على أن الحكومة “بحكم موقعها الدستوري، هي الجهة المخولة إعطاء الأوامر للجيش اللبناني، وأن صدور القرار يعني بالضرورة إصدار أوامر عسكرية صريحة بالتنفيذ. المرحلة المقبلة، إذا ما أخذ القرار على محمل الجد، تفرض تعاوناً كاملاً بين الجيش وبقية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بهدف تحديد أماكن وجود السلاح والذخائر التابعة للحزب ومداهمتها، لا الاكتفاء ببيانات أو إجراءات شكلية”.
وفي معرض رده على فرضية رفض “حزب الله” الامتثال أو مواجهة الجيش ميدانياً، كان موقف قاطيشا قاطعاً “استخدام القوة يصبح واجباً، فالجيش لا يتحرك كطرف سياسي، بل بصفته ممثلاً شرعياً للدولة اللبنانية. وهو يستمد قوته، أولاً، من شرعيته القانونية، وثانياً من تأييد غالبية اللبنانيين، والمجلس النيابي، والحكومة، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي واضح وأصدقاء لبنان في المجتمع الدولي”. من هذا المنطلق رفض قاطيشا توصيف الجيش بالعاجز، مؤكداً أنه “قادر وأكثر من قادر” عندما تعطى له الأوامر الواضحة. وذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن أي مواجهة من جانب “حزب الله” ضد الجيش اللبناني ستسقط عنه نهائياً أي ادعاء سياسي أو مقاوم، وتضعه في خانة المنظمة الخارجة عن القانون التي تقاتل الدولة نفسها. في هذه الحال لا يعود الصراع خلافاً سياسياً أو جدلاً حول السلاح، بل مواجهة مباشرة بين الدولة ومجموعة مسلحة، وهو توصيف له تبعات داخلية ودولية خطرة على الحزب.
أما في ما يتعلق بإمكان المماطلة أو تأجيل التنفيذ تحت عناوين “المراحل” أو “التدرج”، فرفض قاطيشا هذا الطرح بالكامل، “فالجيش مؤسسة تنفيذية، وإذا أعطي الأمر بالتنفيذ، لا يملك خيار التأجيل أو التلكؤ، لأن الأوامر العسكرية تنفذ مهما كانت الكلفة”، ورأى أن التجارب السابقة، “حيث صدرت قرارات ولم تنفذ، كانت نتيجة غياب الإرادة السياسية، لا ضعف المؤسسة العسكرية”.
وفي رده على تصريحات الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم التي تؤكد رفض تسليم السلاح، قلل قاطيشا من وزنها العملي، معتبراً أنها مواقف إعلامية لا تغير في معادلة التنفيذ شيئاً، “فحين تتخذ الحكومة قراراً واضحاً وتعطي الجيش أوامره، يصبح ما يقال في الإعلام بلا قيمة ميدانية”، وختم بالتأكيد أن أي مواجهة جدية بين الجيش و”حزب الله” ستؤدي، خلافاً لما يشاع، إلى التفاف غالبية اللبنانيين، وربما جزء واسع من البيئة الحاضنة للحزب نفسه، حول الجيش، “لأن المزاج العام بات يميل بوضوح إلى خيار الدولة، والتحرر من تنظيم يرى فيه كثر أداة تعمل لمصلحة إيران على حساب لبنان”.
3 أسباب… لماذا فشلت خطة “الإلهاء” التي اعتمدها “الحزب”؟

مع اندلاع المواجهة الأميركية – الإيرانية، عاد “حزب الله” إلى خيار “الإسناد 2” بإطلاق صواريخ أعاد عبرها فتح الجبهة، على رغم تحذيرات مسبقة بأن أي إطلاق سيستجلب حرباً شاملة. يرى محللون أن خطة “إلهاء” إسرائيل عبر لبنان فشلت لأن الحزب أضعف مما كان، ولأن إسرائيل قادرة على إدارة جبهات عدة وتملك تفوقاً استخبارياً. بالتوازي، توسعت المواجهة إلى ضرب المنظومة المالية عبر استهداف “القرض الحسن”، ومع أوامر إخلاء عشرات القرى يرتفع خطر توغل بري وتوسيع العمليات إلى ما بعد نهر الليطاني.
لم يكن وقف إطلاق النار الذي أعلن في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 نهاية للحرب بقدر ما كان تعليقاً موقتاً لمسار لم يقفل أصلاً. يومها لم يبالغ اللبنانيون في التفاؤل، لكنهم تمسكوا بالهدنة كفرصة لالتقاط الأنفاس في بلد أنهكته الجبهات المفتوحة والانهيار الاقتصادي المتراكم، غير أن الوقائع التي تلت ذلك التاريخ سرعان ما بددت أي التباس: ما بعد الحرب لم يكن سلاماً، بل مرحلة مراقبة دقيقة، ومنعاً استباقياً، وصراعاً منخفض الوتيرة.
خلال الأشهر التي أعقبت الهدنة، تبين أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يكن سوى إطار مرن يسمح باستكمال الحرب تحت عنوان “حرية الحركة” للتصدي لأي هدف يصنف تهديداً استراتيجياً. الضربات التي نفذت في هذه المرحلة لم تكن كثيفة، لكنها كانت نوعية، موجهة، ومبنية على تراكم استخباري واضح. في المقابل لم ينفذ البند المتعلق بنزع سلاح “حزب الله” وغرقت القوى السياسية اللبنانية بالتفسيرات والتأويلات والتمييز بين شمال وجنوب نهر الليطاني، في حين تبلغت الدولة اللبنانية من جهات دولية خطورة إطلاق أي صاروخ من الأراضي اللبنانية، ما سيعتبر إعلان حرب. هذه الرسائل لم تكن مبهمة ولا سرية، وقد جرى التعبير عنها علناً من أكثر من مسؤول رسمي، غير أن المعضلة لم تكن في نقص المعرفة، بل في غياب القدرة، فقرار الحرب والسلم بقي خارج يد الدولة، مما جعل الهدنة أقرب إلى غلاف سياسي هش يغطي واقعاً قابلاً للاشتعال عند أول اختبار إقليمي جدي.
قرار الإسناد
مع انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مستوى غير مسبوق، دخل لبنان مرحلة حبس أنفاس جماعي، السؤال لم يكن إن كانت الساحة اللبنانية ستستخدم، بل متى؟ التجربة السابقة لم تترك هامشاً واسعاً للرهان على تحييد لبنان، خصوصاً في ظل التزامات “حزب الله” السياسية والعقائدية ضمن ما يعرف بـ”محور الممانعة”.
إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان شكل لحظة الانتقال الفعلي من حرب الاستنزاف إلى حرب إسرائيلية ثانية، رفعت لها تسمية “الإسناد 2”. وفق معطيات دبلوماسية وتحليلية متقاطعة، لم يكن القرار محلياً صرفاً، بل جاء في سياق حسابات إقليمية هدفت إلى تشتيت الجهد الإسرائيلي وإشغاله شمالاً لتخفيف الضغط عن طهران، غير أن هذا القرار اصطدم سريعاً بواقع ميداني مغاير للتوقعات.
الرد الإسرائيلي جاء سريعاً وواسعاً، مما عكس جهوزية كاملة وخططاً معدة سلفاً. خلال ساعات، انتقلت إسرائيل من منطق الرد الموضعي إلى حملة مركزة استهدفت مواقع عسكرية، وطرق إمداد، وشخصيات نوعية، في إشارة واضحة إلى أن كسر الخط الأحمر كان كافياً لإطلاق بنك الأهداف. في هذه اللحظة، تبين أن الهدنة لم تكن عائقاً أمام العمل الإسرائيلي، بل مرحلة استخدمت لاستكمال التحضير.
فشل “الإلهاء”
في الحسابات النظرية، تقوم خطة الإلهاء على فتح جبهة إضافية لإرباك الخصم واستنزافه، إلا أن محللين عسكريين يرون أن هذه الاستراتيجية لم تعد صالحة في الظروف الراهنة، وأول أسباب الفشل يتعلق بواقع “حزب الله” نفسه. الحزب الذي خاض حرب الإسناد الأولى لم يعد يمتلك هامش القوة ذاته، والخسائر البشرية والتنظيمية، إضافة إلى اختراق استخباري متقدم، قلصت قدرته على المبادرة والمناورة.
نمط الاغتيالات، ودقة الضربات، وسرعة تحديد الأهداف، كلها مؤشرات إلى أن إسرائيل لم تعد تتفاعل مع الحدث، بل تسبقه. أي محاولة لإشغالها عبر جبهة لبنان لم تؤد إلى تشتيت، بل إلى تسريع الضربات المركزة ضد البنية الأضعف.
السبب الثاني للفشل يرتبط بإسرائيل نفسها، والوقائع الميدانية خلال العامين الأخيرين أظهرت أنها قادرة على إدارة حروب متزامنة. ففي وقت استمرت فيه العمليات في غزة، لم تتوقف الضربات في لبنان، ولم تعلق الهجمات على الحوثيين في اليمن، كما واصلت إسرائيل غاراتها في سوريا ضد أهداف إيرانية وممرات لوجيستية، والتفوق الجوي والتكنولوجي منحها قدرة توزيع الجهد العسكري بدل الاضطرار إلى الاختيار بين الجبهات.
أما السبب الثالث فهو أن خيار “الإلهاء” الذي لم يخفف الضغط عن إيران تحول على الأرض اللبنانية إلى حرب كاملة: دمار، ونزوح، وازدياد العزلة الدولية، والنتيجة كانت واضحة: إسرائيل لم تستنزف كما كان متوقعاً، وإيران لم تعف من الضغط، بينما انكشف الحزب أكثر، ودخل لبنان مرحلة أشد خطورة.
بنك الاغتيالات
في هذا السياق برزت الاغتيالات كأداة مركزية لإدارة الحرب، اغتيال مسؤول الاستخبارات العسكرية في “حزب الله”، إذ إن استهداف رأس استخباري يعني ضرب القدرة على إدارة المعلومات، وحماية الشبكات، وضبط الإيقاع الميداني تحت الضغط.
تتابع هذه الاغتيالات عزز فرضية وجود لائحة أهداف جاهزة كانت تنتظر لحظة الصفر. التوقيت، والدقة، والترابط بين الضربات وإطلاق الصواريخ، كلها مؤشرات إلى أن إسرائيل كانت تنفذ خطة معدة سلفاً. في هذا الإطار، ربط محللون بين الأشخاص المستهدفين وبين الوحدات أو الخلايا التي أعطت أو نفذت أوامر إطلاق الصواريخ والمسيرات، مما يعكس سعياً منهجياً إلى ضرب حلقة الوصل بين القرار والتنفيذ.
لكن الحرب لم تتوقف عند هذا الحد، فبالتوازي مع استهداف البنية العسكرية، انتقلت المواجهة إلى مستوى آخر: ضرب المنظومة المالية.
في هذا السياق، يبرز استهداف جمعية “القرض الحسن” كحلقة مفصلية، بحسب مصادر دبلوماسية غربية، لم يكن هذا الاستهداف خطوة رمزية، بل جزءاً من مسار يهدف إلى تجفيف البنية المالية التي يقوم عليها الحزب خارج النظام المصرفي الشرعي. هذه المصادر تشير إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت انهياراً متدرجاً في قدرة الحزب المالية، انعكس مباشرة في تعثره عن دفع تعويضات المتضررين من الحرب، وهو ما كان سابقاً أحد أعمدة تماسكه الاجتماعي.
مع تراجع الدعم الإيراني بفعل الضغوط غير المسبوقة على طهران، بات واضحاً أن الحزب يواجه اختناقاً مالياً بنيوياً. هنا، تكتسب مؤسسة “القرض الحسن” أهمية استثنائية، ليس بوصفها خدماتية، بل باعتبارها الذراع المالية الأهم للحزب خارج الإطار الشرعي. هذه المؤسسة، التي أعلنها المجتمع الدولي غير شرعية منذ عام 2007، تخضع لعقوبات عدة، وينظر إليها في الدوائر المالية الغربية كأحد أبرز أسباب عزل لبنان عن النظام المالي العالمي.
استمرار عملها لا يعرض لبنان فقط لمزيد من العقوبات، بل يهدد أي مسار تفاوضي مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يفترض أن يكون لهما دور محوري في إعادة الإعمار، إضافة إلى ذلك فإن أي نشاط مالي غير قانوني يبقي لبنان عالقاً في القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF، ويضعف فرص خروجه منها، مما يعني عملياً إغلاق أبواب الاستثمار وتعميق العزلة الاقتصادية.
من هذا المنطلق، لا يقرأ استهداف “القرض الحسن” كجزء ثانوي من الصراع، بل كضربة في قلب اقتصاد الظل الذي نما على حساب الدولة. في المقابل، ترى هذه المصادر أن اللحظة الحالية قد تشكل فرصة نادرة للبنان للانتقال إلى مسار جديد، يبدأ بتطهير الاقتصاد من أي مؤسسة غير قانونية، وهو موقف عبر عنه صراحة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في أول خطاب له، حين شدد على أن “أي مؤسسة غير قانونية تعمل في لبنان يجب إغلاقها”.
شبح الاجتياح
وسط القصف والاغتيالات والاستهدافات المالية، برز المؤشر الأخطر: الإخلاء الجماعي. طلب إسرائيل إخلاء 53 قرية جنوبية، ثم توجيه إنذارات إضافية إلى قرى الحافة الأمامية، لم يكن إجراء روتينياً. استخدام تعبير “النداء الأخير” يحمل دلالة عسكرية واضحة، إذ يسبق عادة عمليات واسعة، سواء لتكثيف النيران أو للتمهيد لتوغل بري.
محللون يرون أن احتمال الاجتياح لم يعد فرضية بعيدة، فإسرائيل، التي تعتبر أن بقاء تهديد فعال جنوب الليطاني غير مقبول، قد تسعى إلى توسيع عمقها الأمني داخل الأراضي اللبنانية. في هذا السيناريو لا يعود الليطاني خطاً أحمر نهائياً، بل محطة ضمن مسار قد يمتد شمالاً ليشمل كامل الجنوب، وربما يصل إلى تخوم صيدا ونهر الأولي، مما يعني عملياً وضع الجنوب اللبناني برمته داخل دائرة العمليات.
الجانب الإنساني لهذا الاحتمال بالغ الخطورة. إخلاء عشرات القرى يعني تهجير عشرات الآلاف في بلد يعاني أصلاً أزمات اقتصادية وخدماتية خانقة. الجنوب، الذي لم يتعاف بعد من حرب عام 2024، يواجه خطر التحول إلى منطقة مفرغة من سكانها، تعاد هندسة واقعها الأمني بالقوة.
“حرب التوريط المزدوجة”
في السياق اعتبر الأكاديمي والكاتب السياسي شارل شرتوني أن لبنان وقع بالمحظور، “وأن قرار ’حزب الله‘ تبني إطلاق الصواريخ تحت عنوان إسناد إيران لم يكن مفاجئاً لا في مضمونه ولا في تداعياته”، ورأى شرتوني أن ما حصل نتيجة تراكم سياسي ممتد منذ أعوام، بلغ ذروته خلال العام الماضي، “حين تحولت سياسة الدولة اللبنانية إلى مظلة واقعية لمسار الحزب بدلاً من أن تكون سياسة احتواء ومنع. ومن هنا، يدفع اللبنانيون ثمن مغامرات عسكرية لم يختاروها، فيما تتحول البلاد إلى ساحة تستثمر في صراعات إقليمية أكبر منها وأقسى عليها”.
في تفسيره لجدوى إطلاق الصواريخ، طرح شرتوني مفهوم “حرب التوريط المزدوجة”، والهدف الأول، بحسب قراءته، “هو إدخال لبنان في دوامة نزاعية تخدم أجندة الحزب الانقلابية في الداخل أكثر مما تخدم أي هدف إقليمي فعال، خصوصاً أن التحولات الجيوسياسية الكبرى تتجاوز الحزب وتتجاوز قدرته على التأثير فيها، أما الهدف الثاني فهو توسيع نطاق الاشتباك ليشمل الخليج وصولاً إلى لبنان، على أساس وهم تخفيف الضغط عن إيران عبر فتح الجبهات”، غير أن شرتوني اعتبر أن هذه الحسابات خاطئة ووهمية ولن تحدث تعديلاً جوهرياً في المشهد العسكري والاستراتيجي العام، “لأن إسرائيل والولايات المتحدة تعملان ضمن استراتيجية موضوعة سلفاً وبالتنسيق، وأنهما قادرتان على إدارة المعركة بوتيرة سريعة وبقدرات تفوق بكثير ما يملكه الطرف المقابل”.
في موازاة ذلك، قرأ شرتوني سلوك إيران الإقليمي، بما يشمل استهداف مواقع أميركية والضغط على دول الخليج، “على أنه سياسة بلا أفق، عبثية تعكس فراغات أمنية وعسكرية داخل الساحة الإيرانية نفسها. لم تعد طهران تتحرك ضمن مقاربة قابلة للضبط أو الاحتواء، بل ضمن ردود فعل فوضوية لمراكز قوى تحاول استعادة المبادرة عبر توسيع دائرة الاستهدافات، حتى لو قادت إلى مزيد من العزلة والتصعيد ضدها”.
وفي الشق اللبناني قدم شرتوني تقييماً بالغ القسوة لخطاب الحكومة بعد جلسة مجلس الوزراء وإعلان حظر أنشطة “حزب الله” العسكرية والأمنية وإلزامه تسليم السلاح. وبرأيه “هذا الخطاب جاء متأخراً، ويقع في خانة الإنشاء السياسي بعد وقوع الحرب، لا في خانة السياسة الاستباقية التي كان يفترض أن تمنع الوصول إلى هذه اللحظة”، وذهب إلى القول إن التمييز بين “حزب الله السياسي” و”حزب الله العسكري” هو تمييز مضلل لا يعكس الواقع، لأن البنية واحدة، والقرار واحد، والوظيفة واحدة. ومن هذا المنطلق، لفت إلى أن أي رهان على الفصل بين الذراعين ليس إلا محاولة لغوية لشراء الوقت بعد انتهاء الوقت.
وفي قراءة لتوسع بنك الأهداف، رأى شرتوني أن الاستهدافات الإسرائيلية لن تقتصر على البنية العسكرية، وأن فكرة تحييد القيادات السياسية في الحزب ليست واقعية إذا كانت إسرائيل تعتبر أن المنظومة واحدة، وأضاف أن الدولة اللبنانية، إذا لم تتكيف سريعاً مع المرحلة الجديدة، قد تعرض نفسها، وفق تقديره، إلى توسيع دائرة الاستهدافات لتطاول بنى تحتية أساسية، مع ما يحمله ذلك من خطر الانزلاق إلى تدمير شامل. وفي هذا السياق، قدم شرتوني خلاصة حادة مفادها “بأن وقف النزف لن يكون ممكناً بالبيانات، بل بتغيير جذري في موازين القرار الداخلي”، معتبراً أن إنهاء الدور العسكري للحزب شرط تأسيسي لأي انتقال نحو مرحلة سياسية جديدة، بما في ذلك فتح باب التفاوض لوضع حد لمسار الحرب على الأرض اللبنانية.
حظر “حزب الله”
في موازاة هذا المشهد، برز النقاش الداخلي حول قرار الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله” واعتبارها خارجة عن القانون، وما إذا كان هذا القرار قابلاً للتنفيذ عملياً أم سيبقى في إطار المواقف السياسية. في هذا السياق، قدم العميد المتقاعد وهبي قاطيشا، قراءة لطبيعة القرار وحدوده التنفيذية، معتبراً أن ما صدر عن الحكومة يشكل موقفاً تصعيدياً واضحاً تجاه الحزب، يضاف إلى سلسلة قرارات سابقة، لكنه يتميز هذه المرة بأنه يضع التنفيذ مباشرة في عهدة السلطة التنفيذية.
وشدد على أن الحكومة “بحكم موقعها الدستوري، هي الجهة المخولة إعطاء الأوامر للجيش اللبناني، وأن صدور القرار يعني بالضرورة إصدار أوامر عسكرية صريحة بالتنفيذ. المرحلة المقبلة، إذا ما أخذ القرار على محمل الجد، تفرض تعاوناً كاملاً بين الجيش وبقية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بهدف تحديد أماكن وجود السلاح والذخائر التابعة للحزب ومداهمتها، لا الاكتفاء ببيانات أو إجراءات شكلية”.
وفي معرض رده على فرضية رفض “حزب الله” الامتثال أو مواجهة الجيش ميدانياً، كان موقف قاطيشا قاطعاً “استخدام القوة يصبح واجباً، فالجيش لا يتحرك كطرف سياسي، بل بصفته ممثلاً شرعياً للدولة اللبنانية. وهو يستمد قوته، أولاً، من شرعيته القانونية، وثانياً من تأييد غالبية اللبنانيين، والمجلس النيابي، والحكومة، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي واضح وأصدقاء لبنان في المجتمع الدولي”. من هذا المنطلق رفض قاطيشا توصيف الجيش بالعاجز، مؤكداً أنه “قادر وأكثر من قادر” عندما تعطى له الأوامر الواضحة. وذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن أي مواجهة من جانب “حزب الله” ضد الجيش اللبناني ستسقط عنه نهائياً أي ادعاء سياسي أو مقاوم، وتضعه في خانة المنظمة الخارجة عن القانون التي تقاتل الدولة نفسها. في هذه الحال لا يعود الصراع خلافاً سياسياً أو جدلاً حول السلاح، بل مواجهة مباشرة بين الدولة ومجموعة مسلحة، وهو توصيف له تبعات داخلية ودولية خطرة على الحزب.
أما في ما يتعلق بإمكان المماطلة أو تأجيل التنفيذ تحت عناوين “المراحل” أو “التدرج”، فرفض قاطيشا هذا الطرح بالكامل، “فالجيش مؤسسة تنفيذية، وإذا أعطي الأمر بالتنفيذ، لا يملك خيار التأجيل أو التلكؤ، لأن الأوامر العسكرية تنفذ مهما كانت الكلفة”، ورأى أن التجارب السابقة، “حيث صدرت قرارات ولم تنفذ، كانت نتيجة غياب الإرادة السياسية، لا ضعف المؤسسة العسكرية”.
وفي رده على تصريحات الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم التي تؤكد رفض تسليم السلاح، قلل قاطيشا من وزنها العملي، معتبراً أنها مواقف إعلامية لا تغير في معادلة التنفيذ شيئاً، “فحين تتخذ الحكومة قراراً واضحاً وتعطي الجيش أوامره، يصبح ما يقال في الإعلام بلا قيمة ميدانية”، وختم بالتأكيد أن أي مواجهة جدية بين الجيش و”حزب الله” ستؤدي، خلافاً لما يشاع، إلى التفاف غالبية اللبنانيين، وربما جزء واسع من البيئة الحاضنة للحزب نفسه، حول الجيش، “لأن المزاج العام بات يميل بوضوح إلى خيار الدولة، والتحرر من تنظيم يرى فيه كثر أداة تعمل لمصلحة إيران على حساب لبنان”.








