“الحزب” في القفص الإيراني!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
5 آذار 2026

سيقود استسلام “الحزب” للخيار الإيراني بلا تردّد، وقيام طهران بدفعه إلى وضعية الهجوم اليائس على إسرائيل، والذي لا أفق له أبدًا، إلى حشر لبنان كلّه في خيارات خطرة جدًّا. فصواريخ “الحزب” التي أُطلقت تعني أنه تخطّى الخطوط الحمر الإسرائيلية، وأقفل باب الدبلوماسية، وهذا ما سيحوّل الردود الإسرائيلية “المضبوطة” نسبيًّا حتّى الآن إلى عملية تدمير شامل.

 

“حزب الله” الذي يتحرك اليوم في لبنان ليس هو نفسه الحزب الذي خاض حرب 2024. لقد تبدّل جذريًّا. قبلها كان واحدًا من أذرع إيران في الشرق الأوسط بقيادة لبنانية، لكنّه بعدها صار جزءًا عضويًّا من ترسانة إيران، وهي تديره مباشرة بواسطة ضباط من الحرس الثوري، كما أظهرت المعطيات الأخيرة. ويقول بعض المعنيين إنّ هذا ما يفسر التناقض الذي وقع بين تعهّد قيادات الحزب بعدم التورط في الحرب، ثم انخراط الأجنحة العسكرية فيها، وبكل قوة.

هذا الواقع يُدركه المسؤولون في لبنان، كما تدركه اللجنة الخماسية ومعها إسرائيل التي ركزت ضرباتها الأخيرة على العسكر الإيراني في لبنان، ونفّذت تصفيات لأبرز أركانه، وأمهلته 24 ساعة للمغادرة.

ولكن، ما يعني الدولة اللبنانية هو أن “حزب الله”، وأيًّا تكن الظروف، كسر معها كل الجسور في اليومين الأخيرين، وقطع خطوط العودة، وقال: “قراراتكم لا تعنينا. وإذا كانت 6 صواريخ أطلقناها فجر الإثنين قد أثارت غضبكم، فنحن سنطلق غيرها الكثير، قريبة المدى ومتوسطة، لتصل إلى عمق إسرائيل، وسنضرب مواقع الجيش الإسرائيلي و”الميركافا” في المطلة ونقاطًا أخرى على الخطوط الأمامية”.

هذا التحدي جنوني فعلًا، لأن وكلاء إيران ورّطوا “الحزب” والشيعة ولبنان في حرب انتحارية، تطبيقًا لاستراتيجية طهران القاضية بإشعال المنطقة بهدف إشغالها وتخفيف الضغط عن المركز. وفي تقدير بعض المطلعين أنّ قطع قناة التواصل بين طهران و”الحزب” يمكن أن يؤدّي تلقائيًّا إلى فكّ ارتباطه بالجبهة الإيرانية وينقذه.

ولكن، سواء حصل هذا الفصل أم لا، يتّجه الواقع اللبناني، والجنوبي خصوصًا، وفي شكل حتمي وسريع، نحو خيارات صعبة. ففي المبدأ، يُفترض أن يقوم الجيش اللبناني بالإمساك بوضع الجنوب، ولكن، إذا تعذّر ذلك كما هو مرجّح، فستقوم “الميكانيزم” بإدارة هذه المهمة بشكل مباشر، من خلال رئاستها الأميركية، وبناء على المعلومات التي توضع بين يديها. وبناء على ذلك، سيتجه لبنان نحو سيناريوهات تتبلور في المدى القريب، وأبرزها ثلاثة، هي:

1 – سيناريو الاستدراج الإسرائيلي لـ”الحزب” والقضاء على قدراته باعتماد أسلوب القضم، وهو المعتمد قبل الانفجار الأخير. ففي الواقع، ما زالت إسرائيل تنفّذ غارات محدّدة الأهداف حتى الآن، لا تشبه الغارات المريعة والشاملة التي أنهت بها الحرب الواسعة قبيل التوقيع على وقف النار في تشرين الثاني 2024، عندما طحنت أبنية سكنية كاملة في غضون بضع ساعات. وهذا يعني أن هدف إسرائيل حاليًّا ما زال يقتصر على العمليات المحدّدة، والهادفة إلى تدمير منصّات الصواريخ التي كشفها الحزب باستخدامها، ومحاولة اصطياد قيادات الصفَّيْن الأول والثاني، ولا سيما ذوي الانتماء أو الارتباط بإيران. فإسرائيل قد تفضّل تفكيك قدرات “الحزب” قطعةً قطعةً بدلًا من التدمير الشامل للأبنية السكنية، الفارغة من أهلها، لإعطاء فرصة للضغط الداخلي اللبناني، ولا سيما بعد قرار الحكومة، لكي يأخذ مفعوله في دفع الحزب إلى وقف التورّط.

​2 – سيناريو التوتّر الداخلي في لبنان نتيجة فشل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، وحدوث نوع من الفوضى السياسية أو ربما الأمنية. فإذا بدأ الجيش اللبناني بالتحرك فعليًّا لعرقلة منصات الصواريخ أو تنفيذ المرحلة الثانية، بالتنسيق مع “الميكانيزم”، وأصرّ “الحزب” على عرقلته، سيكون لبنان أمام مخاطر المواجهة الداخلية الكارثية. وهذا ما يحاول الجميع تجنّبه منذ فترة.

3 – السيناريو المرجّح واقعيًّا، هو انطلاق إسرائيل في عملية برية واسعة تبلغ نهر الليطاني أو تتجاوزه. وهذا ما أعلنه الجيش الإسرائيلي صراحة، وقد بدأت تظهر بوادره فعلًا بتجاوز الجيش الإسرائيلي بلدات عدّة على مسافة كيلومترات من الحدود. فإسرائيل تبدو في مرحلة “تحضير المسرح” لهذا السيناريو من خلال ضربات مركّزة قبل إطلاق العملية البرية، التي ستوسّع خلالها هامش المنطقة العازلة، وتؤسّس لواقع أمني جديد من الأوّلي إلى الحدود مع إسرائيل، مستفيدةً من ظروف سانحة على كل المستويات.

وفي النتيجة، سيقود استسلام “الحزب” للخيار الإيراني بلا تردّد، وقيام طهران بدفعه إلى وضعية الهجوم اليائس على إسرائيل، والذي لا أفق له أبدًا، إلى حشر لبنان كلّه في خيارات خطرة جدًّا. فصواريخ “الحزب” على حيفا وتلّ أبيب ومدن إسرائيلية أخرى تعني أنه تخطّى الخطوط الحمر الإسرائيلية، وأقفل باب الدبلوماسية، وهذا ما سيحوّل الردود الإسرائيلية “المضبوطة” نسبيًّا حتّى الآن إلى عملية تدمير شامل تبدأ بالجنوب ولا تنتهي بالضاحية والبقاع، مع توسيع دائرة السيطرة في الجنوب.

هل هناك مخرج من المأزق؟ واضح أنّ “الحزب” عاجز عن الخروج من القفص الإيراني لأسباب كثيرة. وإذا كانت الإمبراطورية الإيرانية ذاتها، بدءًا من الرأس، على وشك السقوط الحتمي والتفسخ، فأي معنى لـ”حرب المساندة الثانية” التي أطلقها “الحزب” في لبنان، سوى استكمال الانتحار الذي بدأ قبل عامين… وقبل ذلك بسنوات عديدة؟ وهل سيستفيد من انزياح المُناخ الشيعي اللبناني في اتجاه الاستقلالية للإفلات من القفص، أم فات الأوان؟.

“الحزب” في القفص الإيراني!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
5 آذار 2026

سيقود استسلام “الحزب” للخيار الإيراني بلا تردّد، وقيام طهران بدفعه إلى وضعية الهجوم اليائس على إسرائيل، والذي لا أفق له أبدًا، إلى حشر لبنان كلّه في خيارات خطرة جدًّا. فصواريخ “الحزب” التي أُطلقت تعني أنه تخطّى الخطوط الحمر الإسرائيلية، وأقفل باب الدبلوماسية، وهذا ما سيحوّل الردود الإسرائيلية “المضبوطة” نسبيًّا حتّى الآن إلى عملية تدمير شامل.

 

“حزب الله” الذي يتحرك اليوم في لبنان ليس هو نفسه الحزب الذي خاض حرب 2024. لقد تبدّل جذريًّا. قبلها كان واحدًا من أذرع إيران في الشرق الأوسط بقيادة لبنانية، لكنّه بعدها صار جزءًا عضويًّا من ترسانة إيران، وهي تديره مباشرة بواسطة ضباط من الحرس الثوري، كما أظهرت المعطيات الأخيرة. ويقول بعض المعنيين إنّ هذا ما يفسر التناقض الذي وقع بين تعهّد قيادات الحزب بعدم التورط في الحرب، ثم انخراط الأجنحة العسكرية فيها، وبكل قوة.

هذا الواقع يُدركه المسؤولون في لبنان، كما تدركه اللجنة الخماسية ومعها إسرائيل التي ركزت ضرباتها الأخيرة على العسكر الإيراني في لبنان، ونفّذت تصفيات لأبرز أركانه، وأمهلته 24 ساعة للمغادرة.

ولكن، ما يعني الدولة اللبنانية هو أن “حزب الله”، وأيًّا تكن الظروف، كسر معها كل الجسور في اليومين الأخيرين، وقطع خطوط العودة، وقال: “قراراتكم لا تعنينا. وإذا كانت 6 صواريخ أطلقناها فجر الإثنين قد أثارت غضبكم، فنحن سنطلق غيرها الكثير، قريبة المدى ومتوسطة، لتصل إلى عمق إسرائيل، وسنضرب مواقع الجيش الإسرائيلي و”الميركافا” في المطلة ونقاطًا أخرى على الخطوط الأمامية”.

هذا التحدي جنوني فعلًا، لأن وكلاء إيران ورّطوا “الحزب” والشيعة ولبنان في حرب انتحارية، تطبيقًا لاستراتيجية طهران القاضية بإشعال المنطقة بهدف إشغالها وتخفيف الضغط عن المركز. وفي تقدير بعض المطلعين أنّ قطع قناة التواصل بين طهران و”الحزب” يمكن أن يؤدّي تلقائيًّا إلى فكّ ارتباطه بالجبهة الإيرانية وينقذه.

ولكن، سواء حصل هذا الفصل أم لا، يتّجه الواقع اللبناني، والجنوبي خصوصًا، وفي شكل حتمي وسريع، نحو خيارات صعبة. ففي المبدأ، يُفترض أن يقوم الجيش اللبناني بالإمساك بوضع الجنوب، ولكن، إذا تعذّر ذلك كما هو مرجّح، فستقوم “الميكانيزم” بإدارة هذه المهمة بشكل مباشر، من خلال رئاستها الأميركية، وبناء على المعلومات التي توضع بين يديها. وبناء على ذلك، سيتجه لبنان نحو سيناريوهات تتبلور في المدى القريب، وأبرزها ثلاثة، هي:

1 – سيناريو الاستدراج الإسرائيلي لـ”الحزب” والقضاء على قدراته باعتماد أسلوب القضم، وهو المعتمد قبل الانفجار الأخير. ففي الواقع، ما زالت إسرائيل تنفّذ غارات محدّدة الأهداف حتى الآن، لا تشبه الغارات المريعة والشاملة التي أنهت بها الحرب الواسعة قبيل التوقيع على وقف النار في تشرين الثاني 2024، عندما طحنت أبنية سكنية كاملة في غضون بضع ساعات. وهذا يعني أن هدف إسرائيل حاليًّا ما زال يقتصر على العمليات المحدّدة، والهادفة إلى تدمير منصّات الصواريخ التي كشفها الحزب باستخدامها، ومحاولة اصطياد قيادات الصفَّيْن الأول والثاني، ولا سيما ذوي الانتماء أو الارتباط بإيران. فإسرائيل قد تفضّل تفكيك قدرات “الحزب” قطعةً قطعةً بدلًا من التدمير الشامل للأبنية السكنية، الفارغة من أهلها، لإعطاء فرصة للضغط الداخلي اللبناني، ولا سيما بعد قرار الحكومة، لكي يأخذ مفعوله في دفع الحزب إلى وقف التورّط.

​2 – سيناريو التوتّر الداخلي في لبنان نتيجة فشل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، وحدوث نوع من الفوضى السياسية أو ربما الأمنية. فإذا بدأ الجيش اللبناني بالتحرك فعليًّا لعرقلة منصات الصواريخ أو تنفيذ المرحلة الثانية، بالتنسيق مع “الميكانيزم”، وأصرّ “الحزب” على عرقلته، سيكون لبنان أمام مخاطر المواجهة الداخلية الكارثية. وهذا ما يحاول الجميع تجنّبه منذ فترة.

3 – السيناريو المرجّح واقعيًّا، هو انطلاق إسرائيل في عملية برية واسعة تبلغ نهر الليطاني أو تتجاوزه. وهذا ما أعلنه الجيش الإسرائيلي صراحة، وقد بدأت تظهر بوادره فعلًا بتجاوز الجيش الإسرائيلي بلدات عدّة على مسافة كيلومترات من الحدود. فإسرائيل تبدو في مرحلة “تحضير المسرح” لهذا السيناريو من خلال ضربات مركّزة قبل إطلاق العملية البرية، التي ستوسّع خلالها هامش المنطقة العازلة، وتؤسّس لواقع أمني جديد من الأوّلي إلى الحدود مع إسرائيل، مستفيدةً من ظروف سانحة على كل المستويات.

وفي النتيجة، سيقود استسلام “الحزب” للخيار الإيراني بلا تردّد، وقيام طهران بدفعه إلى وضعية الهجوم اليائس على إسرائيل، والذي لا أفق له أبدًا، إلى حشر لبنان كلّه في خيارات خطرة جدًّا. فصواريخ “الحزب” على حيفا وتلّ أبيب ومدن إسرائيلية أخرى تعني أنه تخطّى الخطوط الحمر الإسرائيلية، وأقفل باب الدبلوماسية، وهذا ما سيحوّل الردود الإسرائيلية “المضبوطة” نسبيًّا حتّى الآن إلى عملية تدمير شامل تبدأ بالجنوب ولا تنتهي بالضاحية والبقاع، مع توسيع دائرة السيطرة في الجنوب.

هل هناك مخرج من المأزق؟ واضح أنّ “الحزب” عاجز عن الخروج من القفص الإيراني لأسباب كثيرة. وإذا كانت الإمبراطورية الإيرانية ذاتها، بدءًا من الرأس، على وشك السقوط الحتمي والتفسخ، فأي معنى لـ”حرب المساندة الثانية” التي أطلقها “الحزب” في لبنان، سوى استكمال الانتحار الذي بدأ قبل عامين… وقبل ذلك بسنوات عديدة؟ وهل سيستفيد من انزياح المُناخ الشيعي اللبناني في اتجاه الاستقلالية للإفلات من القفص، أم فات الأوان؟.

مزيد من الأخبار