قاسم يتحدّى الحكومة ويتّهمها بـ”التّماهي” مع العدو

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
5 آذار 2026

أقّل ما يُقال في كلام الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم إنه جاء في الشكل والمضمون لينسف قرارات الحكومة في جلسة 2 آذار، والتي لاقت ترحيبًا واسعًا، داخليًا وعربيًا ودوليًا، خصوصًا أن ما قاله عن هذه القرارات كان تحدّيًا للدولة بكل مؤسساتها الشرعية. وعندما تحدّث عن عمل ” المقاومة الإسلامية” جزم بأن “المقاومة وسلاحها حق مشروع إنسانياً وقانونياً ودولياً، وبموجب اتفاق الطائف وكل الشرائع السماوية، وحتى في خطاب القسم وبيان الحكومة. وهذا الكلام، في رأي أكثر من مرجعية سياسية وحقوقية، يتناقض مع مقدمة القرارات الحكومية، وفيها “وبعد رفضه وإدانته عملية اطلاق الصواريخ التي تبناها “حزب الله” بالأمس (1 آذار) بما يتناقض مع حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية وحدها دون سواها، كما يتناقض مع رفض زج لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة، ويشكّل خروجاً على مقررات مجلس الوزراء وتخطياً لإرادة أكثرية اللبنانيين بما يُقوّض صدقية الدولة اللبنانية”.

وفي اتهام مباشر للحكومة بخدمة المصالح الإسرائيلية قال أكد قاسم أن الحكومة اللبنانية بدلًا من أن تتصدى لإدانة العدوان الإسرائيلي – الاميركي والبحث عن سبل المواجهة، اتجهت إلى المقاومة لتكمل خطيئتها وتتماهى مع المطالب الإسرائيلية، معتبراً أن هذا موقف غير مقبول تجاه السيادة اللبنانية والقرى اللبنانية التي يتعرض أهلها للعدوا، مكررًا أن قرارات الخامس والسابع من آب “كانت خطيئة كبرى، لأنها أضعفت موقع الدولة اللبنانية وشرعنت حرية العدوان الإسرائيلي”. وحمّل الحكومة مسؤولية استعادة سيادة لبنان والدفاع عن شعبها وحماية حق المقاومة حتى إيقاف العدوان وانسحابه من أرض الوطن”.

وفي رأي هذه المراجع السياسية أن موقف قاسم تجاه تحميل الحكومة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع المأسوية في البلد ليس جديدًا، خصوصًا أنه ترداد لمواقف سابقة عندما اتخذ قرار رئاسي بانتهاج سياسة النأي بالنفس، فكان الردّ أن “بلّوه واشربو من ميتو، وهكذا هي الحال في كل مرّة كانت الدولة تقدم على أي خطوة من شأنها تعزيز سلطتها الشرعية وبسطها على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء.
وهكذا هي الحال في كلّ مرّة كانت الدولة تقدم على أي خطوة من شأنها تعزيز سلطتها الشرعية وبسطها على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء.

الجديد هذه المرّة ليس في مضمون الموقف الرسمي لـ “حزب الله” فحسب، بل في توقيته ودلالاته. فالحكومة حاولت من خلال قرارات 2 آذار أن ترسم حدًا أدنى من الانضباط الوطني، وأن تعيد تثبيت بديهيّة دستورية تقول إن قرار الحرب والسلم ليس وجهة نظر، بل هو صلاحية حصرية لمجلس الوزراء مجتمعًا. فجاء ردّ قاسم ليقول بوضوح إن هذه البديهيّة لا تعنيه، وإن للحزب مرجعيته الخاصة في تحديد متى يقاتل ومتى يهدّئ، ومتى يجرّ البلد إلى مواجهة لا قدرة له على تحمّل تبعاتها.

المفارقة أن قاسم استند إلى اتفاق الطائف لتبرير “شرعية” سلاحه، فيما ينصّ الاتفاق نفسه على حصرية السلاح بيد الدولة، وعلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. فكيف يستقيم الاستشهاد بنصّ لإثبات عكس مضمونه، وأي قراءة انتقائية هذه التي تُبقي من الطائف ما يخدم السلاح، وتُسقط منه ما يعيد الاعتبار إلى الدولة؟

الأخطر ما في الخطاب ليس فقط تبرير السلاح، بل اتهام الحكومة بالخضوع للمطالب الإسرائيلية. هنا يصبح النقاش خارج إطار السياسة وداخل منطق التخوين. فكلّ من يطالب بحصر قرار الحرب بالدولة يُصنَّف تلقائيًا في خانة خدمة العدو. وهذا المنطق، الذي استُخدم على مدى سنوات لإسكات أي اعتراض، لم يعد يقنع أكثرية اللبنانيين الذين دفعوا أثمان الحروب المتكررة من أمنهم واقتصادهم ووجودهم.
ثم إن تحميل الحكومة مسؤولية “حماية حق المقاومة” يطرح سؤالًا جوهريًا: هل وظيفة الدولة حماية سلاح خارج مؤسساتها، أم حماية شعبها من تداعيات قرارات لا تشارك في اتخاذها؟ الدولة، أي دولة، وُجدت لتكون المرجعية النهائية، لا لتكون صندوق بريد يتلقى نتائج قرارات تُتخذ في مكان آخر.

إن قرارات 2 آذار، مهما كانت محدودة، شكّلت محاولة لاستعادة شيء من هيبة الدولة في لحظة إقليمية شديدة الخطورة. ونسفها بهذا الشكل العلني لا يضعف الحكومة فحسب، بل يوجّه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن السلطة الفعلية لا تزال خارج المؤسسات. وهذه الرسالة، في ظل الانهيار المالي والمؤسساتي غير المسبوق، تعني عمليًا تكريس ازدواجية قاتلة، وهي أن الدولة هي على الورق فقط، فيما القرار الفعلي في مكان آخر.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستكتفي الحكومة بالصمت تجنّبًا للاشتباك السياسي، أم ستتمسّك بقراراتها وتؤكد أن ما صدر عنها ليس حبرًا على ورق؟ لأن التراجع، أو الاكتفاء بردود خجولة، سيعني ببساطة أن خطاب قاسم لم ينسف قرارات 2 آذار فحسب، بل نسف ما تبقّى من مفهوم الدولة نفسها.

فالنقاش هنا، حول سلاح “المقاومة” لم يعد نقاشًا نظريًا أو أيديولوجيًا، بل أصبح سؤال بقاء، وهو: هل لبنان دولة واحدة بقرار واحد، أم ساحتان بمرجعيتين؟ الجواب لن تحدده الخطب، بل قدرة المؤسسات على الدفاع عن صلاحياتها. وإن عجزت، فلن يكون الانهيار مجرد أزمة عابرة، بل مسار مفتوح على مزيد من التفكك.

قاسم يتحدّى الحكومة ويتّهمها بـ”التّماهي” مع العدو

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
5 آذار 2026

أقّل ما يُقال في كلام الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم إنه جاء في الشكل والمضمون لينسف قرارات الحكومة في جلسة 2 آذار، والتي لاقت ترحيبًا واسعًا، داخليًا وعربيًا ودوليًا، خصوصًا أن ما قاله عن هذه القرارات كان تحدّيًا للدولة بكل مؤسساتها الشرعية. وعندما تحدّث عن عمل ” المقاومة الإسلامية” جزم بأن “المقاومة وسلاحها حق مشروع إنسانياً وقانونياً ودولياً، وبموجب اتفاق الطائف وكل الشرائع السماوية، وحتى في خطاب القسم وبيان الحكومة. وهذا الكلام، في رأي أكثر من مرجعية سياسية وحقوقية، يتناقض مع مقدمة القرارات الحكومية، وفيها “وبعد رفضه وإدانته عملية اطلاق الصواريخ التي تبناها “حزب الله” بالأمس (1 آذار) بما يتناقض مع حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية وحدها دون سواها، كما يتناقض مع رفض زج لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة، ويشكّل خروجاً على مقررات مجلس الوزراء وتخطياً لإرادة أكثرية اللبنانيين بما يُقوّض صدقية الدولة اللبنانية”.

وفي اتهام مباشر للحكومة بخدمة المصالح الإسرائيلية قال أكد قاسم أن الحكومة اللبنانية بدلًا من أن تتصدى لإدانة العدوان الإسرائيلي – الاميركي والبحث عن سبل المواجهة، اتجهت إلى المقاومة لتكمل خطيئتها وتتماهى مع المطالب الإسرائيلية، معتبراً أن هذا موقف غير مقبول تجاه السيادة اللبنانية والقرى اللبنانية التي يتعرض أهلها للعدوا، مكررًا أن قرارات الخامس والسابع من آب “كانت خطيئة كبرى، لأنها أضعفت موقع الدولة اللبنانية وشرعنت حرية العدوان الإسرائيلي”. وحمّل الحكومة مسؤولية استعادة سيادة لبنان والدفاع عن شعبها وحماية حق المقاومة حتى إيقاف العدوان وانسحابه من أرض الوطن”.

وفي رأي هذه المراجع السياسية أن موقف قاسم تجاه تحميل الحكومة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع المأسوية في البلد ليس جديدًا، خصوصًا أنه ترداد لمواقف سابقة عندما اتخذ قرار رئاسي بانتهاج سياسة النأي بالنفس، فكان الردّ أن “بلّوه واشربو من ميتو، وهكذا هي الحال في كل مرّة كانت الدولة تقدم على أي خطوة من شأنها تعزيز سلطتها الشرعية وبسطها على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء.
وهكذا هي الحال في كلّ مرّة كانت الدولة تقدم على أي خطوة من شأنها تعزيز سلطتها الشرعية وبسطها على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء.

الجديد هذه المرّة ليس في مضمون الموقف الرسمي لـ “حزب الله” فحسب، بل في توقيته ودلالاته. فالحكومة حاولت من خلال قرارات 2 آذار أن ترسم حدًا أدنى من الانضباط الوطني، وأن تعيد تثبيت بديهيّة دستورية تقول إن قرار الحرب والسلم ليس وجهة نظر، بل هو صلاحية حصرية لمجلس الوزراء مجتمعًا. فجاء ردّ قاسم ليقول بوضوح إن هذه البديهيّة لا تعنيه، وإن للحزب مرجعيته الخاصة في تحديد متى يقاتل ومتى يهدّئ، ومتى يجرّ البلد إلى مواجهة لا قدرة له على تحمّل تبعاتها.

المفارقة أن قاسم استند إلى اتفاق الطائف لتبرير “شرعية” سلاحه، فيما ينصّ الاتفاق نفسه على حصرية السلاح بيد الدولة، وعلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. فكيف يستقيم الاستشهاد بنصّ لإثبات عكس مضمونه، وأي قراءة انتقائية هذه التي تُبقي من الطائف ما يخدم السلاح، وتُسقط منه ما يعيد الاعتبار إلى الدولة؟

الأخطر ما في الخطاب ليس فقط تبرير السلاح، بل اتهام الحكومة بالخضوع للمطالب الإسرائيلية. هنا يصبح النقاش خارج إطار السياسة وداخل منطق التخوين. فكلّ من يطالب بحصر قرار الحرب بالدولة يُصنَّف تلقائيًا في خانة خدمة العدو. وهذا المنطق، الذي استُخدم على مدى سنوات لإسكات أي اعتراض، لم يعد يقنع أكثرية اللبنانيين الذين دفعوا أثمان الحروب المتكررة من أمنهم واقتصادهم ووجودهم.
ثم إن تحميل الحكومة مسؤولية “حماية حق المقاومة” يطرح سؤالًا جوهريًا: هل وظيفة الدولة حماية سلاح خارج مؤسساتها، أم حماية شعبها من تداعيات قرارات لا تشارك في اتخاذها؟ الدولة، أي دولة، وُجدت لتكون المرجعية النهائية، لا لتكون صندوق بريد يتلقى نتائج قرارات تُتخذ في مكان آخر.

إن قرارات 2 آذار، مهما كانت محدودة، شكّلت محاولة لاستعادة شيء من هيبة الدولة في لحظة إقليمية شديدة الخطورة. ونسفها بهذا الشكل العلني لا يضعف الحكومة فحسب، بل يوجّه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن السلطة الفعلية لا تزال خارج المؤسسات. وهذه الرسالة، في ظل الانهيار المالي والمؤسساتي غير المسبوق، تعني عمليًا تكريس ازدواجية قاتلة، وهي أن الدولة هي على الورق فقط، فيما القرار الفعلي في مكان آخر.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستكتفي الحكومة بالصمت تجنّبًا للاشتباك السياسي، أم ستتمسّك بقراراتها وتؤكد أن ما صدر عنها ليس حبرًا على ورق؟ لأن التراجع، أو الاكتفاء بردود خجولة، سيعني ببساطة أن خطاب قاسم لم ينسف قرارات 2 آذار فحسب، بل نسف ما تبقّى من مفهوم الدولة نفسها.

فالنقاش هنا، حول سلاح “المقاومة” لم يعد نقاشًا نظريًا أو أيديولوجيًا، بل أصبح سؤال بقاء، وهو: هل لبنان دولة واحدة بقرار واحد، أم ساحتان بمرجعيتين؟ الجواب لن تحدده الخطب، بل قدرة المؤسسات على الدفاع عن صلاحياتها. وإن عجزت، فلن يكون الانهيار مجرد أزمة عابرة، بل مسار مفتوح على مزيد من التفكك.

مزيد من الأخبار