“حزب الله” ينتحر مرتين إسناد حماس وإسناد إيران

منذ سنوات طويلة، يقدّم “حزب الله” نفسه باعتباره “حامي لبنان” في مواجهة إسرائيل، غير أن الوقائع على الأرض تكشف مسارًا مختلفًا تمامًا: مسارًا يقود البلاد من أزمة إلى أخرى، ومن دمار إلى دمار. يمكن القول إن “الحزب” انتحر مرتين؛ الأولى حين زجّ لبنان في ما سُمّي “حرب الإسناد والمشاغلة”، والثانية حين أطلق الصواريخ على إسرائيل، مستدرجًا ردًا عسكريًا واسعًا، فتح الباب أمام حرب جديدة يدفع ثمنها اللبنانيون وحدهم.
في المرة الأولى، قرر “الحزب” أن يربط مصير لبنان بساحات صراع إقليمية لا طاقة له على تحملها، تحت شعار “وحدة الساحات والجبهات” أدخل البلاد في معادلة عسكرية تتجاوز قدراتها الاقتصادية والسياسية. لبنان يرزح أصلًا تحت أسوأ انهيار مالي في تاريخه، ويعاني تفكك مؤسسات الدولة وهجرة شبابه وانهيار عملته، لم يكن يحتمل ترف المغامرات العسكرية. ومع ذلك، تصرّف “الحزب” وكأن الدولة ملك خاص، وكأن قرار الحرب والسلم شأن داخلي له لا لمؤسسات دستورية تمثل جميع اللبنانيين.
هذه السياسة لم تجلب للبنان سوى مزيد من العزلة. المستثمرون هربوا، والسياحة تراجعت، والجنوب يكاد أن يتحول إلى”غزة ثانية”: قرى بأكملها تحت التهديد بالقصف، ومئات العائلات نزحت من بيوتها، فيما الخطاب الرسمي لـ “الحزب” يتحدث عن “انتصارات” لا تنعكس على حياة الناس إلا خرابًا وفقرًا.
أما الانتحار الثاني، فجاء حين أطلق “الحزب” صواريخ على إسرائيل، وهو يدرك تمامًا أن الرد الإسرائيلي سيكون قاسيًا. هنا لا يعود الأمر مجرد “مساندة” أو “ضغط تكتيكي”، بل مقامرة مفتوحة بمصير وطن. إسرائيل، بطبيعتها العسكرية المعروفة، لا تفوّت فرصة لتوسيع نطاق عملياتها حين يتوفر المبرر. وهكذا وجد لبنان نفسه مجددًا ساحة حرب، في وقت كان بأمسّ الحاجة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار الداخلي.
المشكلة الجوهرية ليست فقط في القرار العسكري، بل في فلسفة هذا القرار. “حزب الله” يتصرف بمنطق الدولة داخل الدولة، متجاوزًا الحكومة والبرلمان والرأي العام. لا استفتاء شعبي، لا نقاش وطني، لا حساب للكلفة الاقتصادية. وكأن دماء اللبنانيين وأرزاقهم وتعبهم مجرد تفاصيل جانبية في معركة أكبر تُرسم خطوطها في إيران .
الأخطر من ذلك أن الحزب يكرّس معادلة خطيرة: كلما اشتد الضغط عليه داخليًا بسبب الأزمة الاقتصادية أو الانتقادات الشعبية، لجأ إلى التصعيد الخارجي لتوحيد الصفوف حول إسرائيل . هذا الأسلوب قد ينجح مرحليًا في شدّ العصب، لكنه يدمّر على المدى الطويل ما تبقى من مؤسسات الدولة ومن ثقة المواطن ببلده.
لبنان ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وليس منصة لإرسال الرسائل العسكرية. هو وطن لملايين البشر الذين يريدون العيش بكرامة، والعمل، وبناء مستقبل لأطفالهم. أي سياسة لا تضع هذه الأولويات في المقدمة هي سياسة مدمّرة، مهما تغلّفت بالشعارات الكبرى.
لقد أثبتت التجربة أن منطق السلاح خارج الدولة لا يحمي لبنان، بل يجعله رهينة. والرهينة لا تبني اقتصادًا، ولا تؤسس استقرارًا، ولا تصنع سلامًا داخليًا. إن استمرار هذه السياسة يعني مزيدًا من الدمار، ومزيدًا من الهجرة، وربما انهيارًا كاملًا لما تبقى من الدولة.
إذا كان هناك من انتحار حقيقي، فهو حين يصرّ طرف لبناني على جرّ وطن كامل إلى حروب لا قرار جماعيًا فيها، ولا أفق واضحًا لنهايتها. وفي الحالتين، الثمن يدفعه لبنان… لا الحزب وحده.
“حزب الله” ينتحر مرتين إسناد حماس وإسناد إيران

منذ سنوات طويلة، يقدّم “حزب الله” نفسه باعتباره “حامي لبنان” في مواجهة إسرائيل، غير أن الوقائع على الأرض تكشف مسارًا مختلفًا تمامًا: مسارًا يقود البلاد من أزمة إلى أخرى، ومن دمار إلى دمار. يمكن القول إن “الحزب” انتحر مرتين؛ الأولى حين زجّ لبنان في ما سُمّي “حرب الإسناد والمشاغلة”، والثانية حين أطلق الصواريخ على إسرائيل، مستدرجًا ردًا عسكريًا واسعًا، فتح الباب أمام حرب جديدة يدفع ثمنها اللبنانيون وحدهم.
في المرة الأولى، قرر “الحزب” أن يربط مصير لبنان بساحات صراع إقليمية لا طاقة له على تحملها، تحت شعار “وحدة الساحات والجبهات” أدخل البلاد في معادلة عسكرية تتجاوز قدراتها الاقتصادية والسياسية. لبنان يرزح أصلًا تحت أسوأ انهيار مالي في تاريخه، ويعاني تفكك مؤسسات الدولة وهجرة شبابه وانهيار عملته، لم يكن يحتمل ترف المغامرات العسكرية. ومع ذلك، تصرّف “الحزب” وكأن الدولة ملك خاص، وكأن قرار الحرب والسلم شأن داخلي له لا لمؤسسات دستورية تمثل جميع اللبنانيين.
هذه السياسة لم تجلب للبنان سوى مزيد من العزلة. المستثمرون هربوا، والسياحة تراجعت، والجنوب يكاد أن يتحول إلى”غزة ثانية”: قرى بأكملها تحت التهديد بالقصف، ومئات العائلات نزحت من بيوتها، فيما الخطاب الرسمي لـ “الحزب” يتحدث عن “انتصارات” لا تنعكس على حياة الناس إلا خرابًا وفقرًا.
أما الانتحار الثاني، فجاء حين أطلق “الحزب” صواريخ على إسرائيل، وهو يدرك تمامًا أن الرد الإسرائيلي سيكون قاسيًا. هنا لا يعود الأمر مجرد “مساندة” أو “ضغط تكتيكي”، بل مقامرة مفتوحة بمصير وطن. إسرائيل، بطبيعتها العسكرية المعروفة، لا تفوّت فرصة لتوسيع نطاق عملياتها حين يتوفر المبرر. وهكذا وجد لبنان نفسه مجددًا ساحة حرب، في وقت كان بأمسّ الحاجة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار الداخلي.
المشكلة الجوهرية ليست فقط في القرار العسكري، بل في فلسفة هذا القرار. “حزب الله” يتصرف بمنطق الدولة داخل الدولة، متجاوزًا الحكومة والبرلمان والرأي العام. لا استفتاء شعبي، لا نقاش وطني، لا حساب للكلفة الاقتصادية. وكأن دماء اللبنانيين وأرزاقهم وتعبهم مجرد تفاصيل جانبية في معركة أكبر تُرسم خطوطها في إيران .
الأخطر من ذلك أن الحزب يكرّس معادلة خطيرة: كلما اشتد الضغط عليه داخليًا بسبب الأزمة الاقتصادية أو الانتقادات الشعبية، لجأ إلى التصعيد الخارجي لتوحيد الصفوف حول إسرائيل . هذا الأسلوب قد ينجح مرحليًا في شدّ العصب، لكنه يدمّر على المدى الطويل ما تبقى من مؤسسات الدولة ومن ثقة المواطن ببلده.
لبنان ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وليس منصة لإرسال الرسائل العسكرية. هو وطن لملايين البشر الذين يريدون العيش بكرامة، والعمل، وبناء مستقبل لأطفالهم. أي سياسة لا تضع هذه الأولويات في المقدمة هي سياسة مدمّرة، مهما تغلّفت بالشعارات الكبرى.
لقد أثبتت التجربة أن منطق السلاح خارج الدولة لا يحمي لبنان، بل يجعله رهينة. والرهينة لا تبني اقتصادًا، ولا تؤسس استقرارًا، ولا تصنع سلامًا داخليًا. إن استمرار هذه السياسة يعني مزيدًا من الدمار، ومزيدًا من الهجرة، وربما انهيارًا كاملًا لما تبقى من الدولة.
إذا كان هناك من انتحار حقيقي، فهو حين يصرّ طرف لبناني على جرّ وطن كامل إلى حروب لا قرار جماعيًا فيها، ولا أفق واضحًا لنهايتها. وفي الحالتين، الثمن يدفعه لبنان… لا الحزب وحده.








