هل هي آخر الحروب؟

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: هنا لبنان
8 آذار 2026

لا يبدو أنّ المنطقة تقف أمام “الحرب الأخيرة” بقدر ما تقف أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات. فالصراع بين إسرائيل والحزب مرتبط بقضايا أوسع تتعلق بالنفوذ الإقليمي، وبمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. وربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه آخر الحروب، بل ما إذا كان لبنان قادرًا في مرحلة ما على استعادة قرار الحرب والسلم داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تبقى البلاد ساحة دائمة لصراعات الآخرين

 

منذ اندلاع المواجهات المتكرّرة بين حزب الله وإسرائيل، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة في كل جولة تصعيد: هل نحن أمام آخر الحروب في لبنان؟ وهل يمكن أن تكون هذه المواجهة نهاية الدور العسكري والسياسي للحزب الذي شكّل خلال العقود الماضية أحد أبرز الفاعلين في المعادلة اللبنانية والإقليمية؟
لفهم هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى طبيعة الصراع نفسه. فمنذ تأسيس حزب الله في مطلع ثمانينات القرن الماضي، قدّم الحزب نفسه بصفته حركة مقاومة. وقد تعزّز هذا الدور بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم بعد حرب عام 2006 التي شكّلت محطة مفصلية في توازن الردع بين الطرفين. لكن ما تغيّر منذ ذلك الحين هو السياق الإقليمي والداخلي الذي يعمل ضمنه الحزب.
إقليميًا، بات حزب الله جزءًا من شبكة نفوذ يقودها المرشد الراحل علي خامنئي عبر الحرس الثوري الإيراني. هذا الارتباط جعل الحزب لاعبًا يتجاوز الساحة اللبنانية إلى ساحات أخرى مثل سوريا والعراق واليمن. لكن في المقابل، أدى ذلك إلى تحويله أيضًا إلى هدف مباشر للضغوط الإقليمية والدولية، خصوصًا من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الاميركية. لذلك فإنّ أي حرب جديدة لا تُقرأ فقط في إطار الصراع اللبناني الإسرائيلي، بل ضمن مواجهة أوسع بين إيران ومحورها من جهة، وخصومها من جهة أخرى.
في الداخل اللبناني، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، فلبنان يعيش منذ سنوات أزمة اقتصادية وسياسية عميقة، أدّت إلى تآكل مؤسسات الدولة وتراجع قدرة المجتمع على تحمّل صدمات إضافية. وفي هذا السياق، تزداد الأصوات التي تسأل عن كلفة استمرار الصراع المفتوح مع إسرائيل، وعن مدى قدرة البلاد على تحمّل حرب شاملة جديدة. هذه الأسئلة لا تستهدف حزب الله وحده، لكنها تضع سلاحه ودوره العسكري في قلب النقاش الوطني.
مع ذلك، القول إنّ أي حرب مقبلة ستكون “الأخيرة” قد يكون مبالغة تحليلية. فالتجارب التاريخية في المنطقة تُظهر أنّ التنظيمات العقائدية التي تمتلك قاعدة اجتماعية وشبكات دعم إقليمية لا تختفي بسهولة بسبب حرب واحدة، حتى لو كانت مدمّرة. فحزب الله لا يقتصر على جناح عسكري، بل يمتلك أيضًا بنية سياسية واجتماعية واسعة داخل لبنان، من تمثيل نيابي وحضور في الحكومة إلى مؤسسات اجتماعية وخدماتية.
لكن ما يمكن أن تغيّره حرب كبرى هو شكل الحزب ودوره. فإذا تعرّضت قدراته العسكرية لضربات قاسية، أو إذا تبدّلت المعادلات الإقليمية، خصوصًا في العلاقة بين إيران والغرب، فقد يجد الحزب نفسه مضطرًا إلى إعادة تعريف موقعه، وربما الانتقال تدريجيًا من تنظيم عسكري شبه مستقل إلى قوة سياسية أكثر اندماجًا في الدولة اللبنانية. مثل هذا التحوّل ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى ظروف داخلية وإقليمية معقّدة.
في المقابل، ترى إسرائيل أنّ أي مواجهة مقبلة يجب أن تهدف إلى تغيير جذري في الواقع الأمني على حدودها الشمالية. فبعد حرب 2006، رسّخ الطرفان نوعًا من الردع المتبادل، لكن التطور الكبير في ترسانة حزب الله الصاروخية جعل إسرائيل تعتبره تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. لذلك، فإنّ هدفها في أي حرب مقبلة قد يتجاوز الردع إلى محاولة تقليص قدرات الحزب بشكل كبير.
في النهاية، لا يبدو أنّ المنطقة تقف أمام “الحرب الأخيرة” بقدر ما تقف أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات. فالصراع بين إسرائيل وحزب الله مرتبط بقضايا أوسع تتعلق بالنفوذ الإقليمي، وبمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. وربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه آخر الحروب، بل ما إذا كان لبنان قادرًا في مرحلة ما على استعادة قرار الحرب والسلم داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تبقى البلاد ساحة دائمة لصراعات الآخرين.

هل هي آخر الحروب؟

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: هنا لبنان
8 آذار 2026

لا يبدو أنّ المنطقة تقف أمام “الحرب الأخيرة” بقدر ما تقف أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات. فالصراع بين إسرائيل والحزب مرتبط بقضايا أوسع تتعلق بالنفوذ الإقليمي، وبمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. وربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه آخر الحروب، بل ما إذا كان لبنان قادرًا في مرحلة ما على استعادة قرار الحرب والسلم داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تبقى البلاد ساحة دائمة لصراعات الآخرين

 

منذ اندلاع المواجهات المتكرّرة بين حزب الله وإسرائيل، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة في كل جولة تصعيد: هل نحن أمام آخر الحروب في لبنان؟ وهل يمكن أن تكون هذه المواجهة نهاية الدور العسكري والسياسي للحزب الذي شكّل خلال العقود الماضية أحد أبرز الفاعلين في المعادلة اللبنانية والإقليمية؟
لفهم هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى طبيعة الصراع نفسه. فمنذ تأسيس حزب الله في مطلع ثمانينات القرن الماضي، قدّم الحزب نفسه بصفته حركة مقاومة. وقد تعزّز هذا الدور بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم بعد حرب عام 2006 التي شكّلت محطة مفصلية في توازن الردع بين الطرفين. لكن ما تغيّر منذ ذلك الحين هو السياق الإقليمي والداخلي الذي يعمل ضمنه الحزب.
إقليميًا، بات حزب الله جزءًا من شبكة نفوذ يقودها المرشد الراحل علي خامنئي عبر الحرس الثوري الإيراني. هذا الارتباط جعل الحزب لاعبًا يتجاوز الساحة اللبنانية إلى ساحات أخرى مثل سوريا والعراق واليمن. لكن في المقابل، أدى ذلك إلى تحويله أيضًا إلى هدف مباشر للضغوط الإقليمية والدولية، خصوصًا من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الاميركية. لذلك فإنّ أي حرب جديدة لا تُقرأ فقط في إطار الصراع اللبناني الإسرائيلي، بل ضمن مواجهة أوسع بين إيران ومحورها من جهة، وخصومها من جهة أخرى.
في الداخل اللبناني، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، فلبنان يعيش منذ سنوات أزمة اقتصادية وسياسية عميقة، أدّت إلى تآكل مؤسسات الدولة وتراجع قدرة المجتمع على تحمّل صدمات إضافية. وفي هذا السياق، تزداد الأصوات التي تسأل عن كلفة استمرار الصراع المفتوح مع إسرائيل، وعن مدى قدرة البلاد على تحمّل حرب شاملة جديدة. هذه الأسئلة لا تستهدف حزب الله وحده، لكنها تضع سلاحه ودوره العسكري في قلب النقاش الوطني.
مع ذلك، القول إنّ أي حرب مقبلة ستكون “الأخيرة” قد يكون مبالغة تحليلية. فالتجارب التاريخية في المنطقة تُظهر أنّ التنظيمات العقائدية التي تمتلك قاعدة اجتماعية وشبكات دعم إقليمية لا تختفي بسهولة بسبب حرب واحدة، حتى لو كانت مدمّرة. فحزب الله لا يقتصر على جناح عسكري، بل يمتلك أيضًا بنية سياسية واجتماعية واسعة داخل لبنان، من تمثيل نيابي وحضور في الحكومة إلى مؤسسات اجتماعية وخدماتية.
لكن ما يمكن أن تغيّره حرب كبرى هو شكل الحزب ودوره. فإذا تعرّضت قدراته العسكرية لضربات قاسية، أو إذا تبدّلت المعادلات الإقليمية، خصوصًا في العلاقة بين إيران والغرب، فقد يجد الحزب نفسه مضطرًا إلى إعادة تعريف موقعه، وربما الانتقال تدريجيًا من تنظيم عسكري شبه مستقل إلى قوة سياسية أكثر اندماجًا في الدولة اللبنانية. مثل هذا التحوّل ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى ظروف داخلية وإقليمية معقّدة.
في المقابل، ترى إسرائيل أنّ أي مواجهة مقبلة يجب أن تهدف إلى تغيير جذري في الواقع الأمني على حدودها الشمالية. فبعد حرب 2006، رسّخ الطرفان نوعًا من الردع المتبادل، لكن التطور الكبير في ترسانة حزب الله الصاروخية جعل إسرائيل تعتبره تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. لذلك، فإنّ هدفها في أي حرب مقبلة قد يتجاوز الردع إلى محاولة تقليص قدرات الحزب بشكل كبير.
في النهاية، لا يبدو أنّ المنطقة تقف أمام “الحرب الأخيرة” بقدر ما تقف أمام مرحلة إعادة رسم للتوازنات. فالصراع بين إسرائيل وحزب الله مرتبط بقضايا أوسع تتعلق بالنفوذ الإقليمي، وبمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. وربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه آخر الحروب، بل ما إذا كان لبنان قادرًا في مرحلة ما على استعادة قرار الحرب والسلم داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تبقى البلاد ساحة دائمة لصراعات الآخرين.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار