هل يكون المرشد الثالث والأخير ؟

هل يكون المرشد الثالث والأخير ؟
الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
9 آذار 2026

يُعدّ مستقبل القيادة في إيران بعد غياب المرشد الأعلى علي خامنئي أحد أكثر الأسئلة حساسية في السياسة الإقليمية. فمنذ قيام الثورة الإيرانية، أسّس النظام السياسي الإيراني نموذجًا فريدًا يقوم على مبدأ ولاية الفقيه، حيث يتولى رجل دين منصب المرشد الأعلى بوصفه صاحب السلطة العليا في الدولة. ولم تعرف الجمهورية الإسلامية سوى مرشدين: مؤسسها الإمام الخميني، ثم خليفته علي خامنئي منذ عام 1989. لذلك فإن مرحلة “ما بعد خامنئي” تطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل هذا المنصب وطبيعة النظام نفسه.

بحسب الدستور الإيراني، يتولى مجلس الخبراء مهمة اختيار المرشد الأعلى. وتتكون هذه الهيئة من رجال دين منتخبين، وتملك صلاحية تعيين المرشد أو عزله. نظريًا تبدو الآلية واضحة، لكن الواقع السياسي أكثر تعقيدًا، إذ إن منصب المرشد يرتبط بشبكة واسعة من النفوذ داخل المؤسسة الدينية والأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري الذي أصبح لاعبًا أساسيًا في الاقتصاد والسياسة.

صعود مجتبى خامنئي، نجل المرشد الحالي الراحل، طرح جملة من الاستفسارات، ورغم أنه لا يشغل منصبًا رسميًا بارزًا، تشير تقارير كثيرة إلى امتلاكه نفوذًا داخل دوائر القرار، خصوصًا في علاقاته مع الحرس الثوري وبعض رجال الدين المحافظين. هذا السيناريو قد يضمن استمرار الخط السياسي نفسه، لكنه يواجه إشكالية كبيرة تتعلق بشرعية النظام. فالثورة الإيرانية قامت أصلًا ضد الحكم الوراثي الذي مثّله آخر شاه لإيران رضا بهلوي، ولذلك فإن انتقال السلطة من الأب إلى الإبن قد يثير انتقادات داخلية ويعطي الانطباع بأن الجمهورية الإسلامية تتحول إلى شكل من “الوراثة الدينية”.

قبل اختيار نجل الخامنئي، طرح اختيار شخصية دينية أخرى من “حوزة قم” ، المركز الديني الشيعي في إيران. مثل هذا الخيار كان سبحافظ على الطابع التقليدي لمنصب المرشد، ويمنح المؤسسة الدينية دورًا أكبر في عملية الخلافة، بدل تركيز السلطة داخل عائلة واحدة أو داخل الأجهزة الأمنية.

وكان طُرح سيناريو ثالث وهو الأكثر إثارة للنقاش، ويتمثل في تعديل بنية القيادة نفسها. فبعض التحليلات كان تحدث عن احتمال إنشاء مجلس قيادة جماعي يتولى صلاحيات المرشد الأعلى بدل شخص واحد. وقد طُرحت هذه الفكرة في النقاشات الدستورية الإيرانية بعد وفاة الخميني عام 1989، لكنها لم تعتمد في النهاية. ومع ذلك، فإن تعقّد موازين القوى داخل النظام قد يدفع النخبة السياسية إلى التفكير في هذا الخيار لتجنب صراع على السلطة.

في المحصلة، لا يتعلق السؤال فقط بشخصية بعينها، بقدر ما يتعلق بمستقبل النظام الإيراني ذاته. فمع اختياز مجتبى الخامنئي ستشهد إيران أول انتقال شبه وراثي في تاريخ الجمهورية الإسلامية. ولو اختير رجل دين آخر لكلر استمرارًا للنموذج الذي أسسه الخميني. ولو اعتمدت صيغة قيادة جماعية، لكانت إيران دخلت مرحلة جديدة تعيد توزيع السلطة داخل النظام.

لهذا تبدو مرحلة ما بعد خامنئي اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجمهورية الإسلامية على التكيّف مع التحولات الداخلية والضغوط الإقليمية، في وقت يزداد فيه الجدل داخل إيران حول شكل الدولة ومستقبلها السياسي.

هل يكون المرشد الثالث والأخير ؟

هل يكون المرشد الثالث والأخير ؟
الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
9 آذار 2026

يُعدّ مستقبل القيادة في إيران بعد غياب المرشد الأعلى علي خامنئي أحد أكثر الأسئلة حساسية في السياسة الإقليمية. فمنذ قيام الثورة الإيرانية، أسّس النظام السياسي الإيراني نموذجًا فريدًا يقوم على مبدأ ولاية الفقيه، حيث يتولى رجل دين منصب المرشد الأعلى بوصفه صاحب السلطة العليا في الدولة. ولم تعرف الجمهورية الإسلامية سوى مرشدين: مؤسسها الإمام الخميني، ثم خليفته علي خامنئي منذ عام 1989. لذلك فإن مرحلة “ما بعد خامنئي” تطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل هذا المنصب وطبيعة النظام نفسه.

بحسب الدستور الإيراني، يتولى مجلس الخبراء مهمة اختيار المرشد الأعلى. وتتكون هذه الهيئة من رجال دين منتخبين، وتملك صلاحية تعيين المرشد أو عزله. نظريًا تبدو الآلية واضحة، لكن الواقع السياسي أكثر تعقيدًا، إذ إن منصب المرشد يرتبط بشبكة واسعة من النفوذ داخل المؤسسة الدينية والأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري الذي أصبح لاعبًا أساسيًا في الاقتصاد والسياسة.

صعود مجتبى خامنئي، نجل المرشد الحالي الراحل، طرح جملة من الاستفسارات، ورغم أنه لا يشغل منصبًا رسميًا بارزًا، تشير تقارير كثيرة إلى امتلاكه نفوذًا داخل دوائر القرار، خصوصًا في علاقاته مع الحرس الثوري وبعض رجال الدين المحافظين. هذا السيناريو قد يضمن استمرار الخط السياسي نفسه، لكنه يواجه إشكالية كبيرة تتعلق بشرعية النظام. فالثورة الإيرانية قامت أصلًا ضد الحكم الوراثي الذي مثّله آخر شاه لإيران رضا بهلوي، ولذلك فإن انتقال السلطة من الأب إلى الإبن قد يثير انتقادات داخلية ويعطي الانطباع بأن الجمهورية الإسلامية تتحول إلى شكل من “الوراثة الدينية”.

قبل اختيار نجل الخامنئي، طرح اختيار شخصية دينية أخرى من “حوزة قم” ، المركز الديني الشيعي في إيران. مثل هذا الخيار كان سبحافظ على الطابع التقليدي لمنصب المرشد، ويمنح المؤسسة الدينية دورًا أكبر في عملية الخلافة، بدل تركيز السلطة داخل عائلة واحدة أو داخل الأجهزة الأمنية.

وكان طُرح سيناريو ثالث وهو الأكثر إثارة للنقاش، ويتمثل في تعديل بنية القيادة نفسها. فبعض التحليلات كان تحدث عن احتمال إنشاء مجلس قيادة جماعي يتولى صلاحيات المرشد الأعلى بدل شخص واحد. وقد طُرحت هذه الفكرة في النقاشات الدستورية الإيرانية بعد وفاة الخميني عام 1989، لكنها لم تعتمد في النهاية. ومع ذلك، فإن تعقّد موازين القوى داخل النظام قد يدفع النخبة السياسية إلى التفكير في هذا الخيار لتجنب صراع على السلطة.

في المحصلة، لا يتعلق السؤال فقط بشخصية بعينها، بقدر ما يتعلق بمستقبل النظام الإيراني ذاته. فمع اختياز مجتبى الخامنئي ستشهد إيران أول انتقال شبه وراثي في تاريخ الجمهورية الإسلامية. ولو اختير رجل دين آخر لكلر استمرارًا للنموذج الذي أسسه الخميني. ولو اعتمدت صيغة قيادة جماعية، لكانت إيران دخلت مرحلة جديدة تعيد توزيع السلطة داخل النظام.

لهذا تبدو مرحلة ما بعد خامنئي اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجمهورية الإسلامية على التكيّف مع التحولات الداخلية والضغوط الإقليمية، في وقت يزداد فيه الجدل داخل إيران حول شكل الدولة ومستقبلها السياسي.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار