المحكمة العسكرية: أحكام معلّبة على قياس «الحزب»

لم يعد النقاش في لبنان يدور حول ضرورة تطبيق القوانين أو احترام القرارات الرسمية، بل بات يتمحور حول سؤال أكثر جوهرية وخطورة: هل ما زالت الدولة قادرة على فرض قوانينها أصلًا؟
القرار الذي أصدرته المحكمة العسكرية برئاسة العميد وسيم فياض أمس، والقاضي بفرض غرامة مالية وقدرها تسعمائة ألف ليرة لبنانية عن كل من حسين أحمد مشيك، وحسنين محمد السبلاني، وعبد الرحيم علي رباح، مع مصادرة الأسلحة والذخائر والعتاد المضبوط بعد أن أوقفهم الجيش اللبناني أثناء نقلهم أسلحة حربية ورمانات يدوية وقذائف صاروخية من دون ترخيص، لم يكن مجرد حكم قضائي عابر. بل بدا، في نظر كثيرين، بمثابة رسالة سياسية وقضائية بالغة الخطورة، تتجاوز تفاصيل الملف لتطول صورة العدالة وهيبة الدولة في آن واحد.
فالمحكمة العسكرية، التي يُفترض أن تشكل أحد أعمدة حماية الأمن الوطني، وأن تعكس أحكامها مبدأ المساواة أمام القانون، وجدت نفسها في قلب عاصفة من التساؤلات بعد إصدار حكم اعتُبر غير مسبوق في قضايا مماثلة، سواء من حيث خفة العقوبة أو من حيث الظروف التي أحاطت بالمحاكمة.
ويأتي الحكم المعلّب للمحكمة العسكرية، بعد أن أوقف الجيش اللبناني العناصر الثلاثة على حاجز برغز في قضاء مرجعيون بتاريخ 3 آذار 2026، بعد ضبطهم ينقلون أسلحة وذخائر حربية. وعلى أثر ذلك، ادعى عليهم مفوض الحكومة القاضي كلود غانم استنادًا إلى المادتين 72 و76 من القوانين المرعية، المرتبطتين بحيازة الأسلحة والذخائر، إضافة إلى مواد قانونية أخرى، وأحالهم إلى المحكمة العسكرية بجرم «نقل أسلحة حربية ورمانات يدوية وقذائف صاروخية من دون ترخيص، إضافة إلى حيازة ونقل أعتدة عسكرية بصورة غير قانونية».
وخلال جلسة المحاكمة الأولى التي عُقدت يوم الجمعة 6 آذار، أقرّ الموقوفون بانتمائهم إلى «حزب الله» وبحيازتهم الأسلحة المضبوطة. ورغم أن النص القانوني لا يترك مجالًا واسعًا للاجتهاد؛ إذ تنص المادة 72 بوضوح على عقوبة السجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات لكل من يحوز سلاحًا حربيًا من دون ترخيص. إلا أن المحكمة لم تصدر حكمها آنذاك، نتيجة تباين الآراء بين أعضاء الهيئة.وفي تطور لافت، حدّد رئيس المحكمة العميد وسيم فياض جلسة جديدة أمس، بحضور أعضاء مختلفين في الهيئة. ولم تستغرق المحاكمة سوى دقائق معدودة انتهت بإطلاق سراح الموقوفين. واقتصر استجواب المحكمة لهم، بحضور وكيلتهم القانونية، على سؤال واحد: هل كنتم متجهين نحو الجنوب أم في الاتجاه المعاكس عند توقيفكم على الحاجز؟ فأجاب الموقوفون بأنهم كانوا متجهين إلى القرى الحدودية بهدف القتال.
ومع ذلك، انتهت المحاكمة إلى غرامة مالية رمزية تقارب 10 دولارات فقط، ومصادرة السلاح، في حكم بدا للكثيرين وكأنه يفرغ النص القانوني من مضمونه. هذا التطور دفع مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم إلى طلب تمييز الحكم، في خطوة تعكس حجم الاعتراض داخل المؤسسة القضائية «العسكرية» نفسها، علمًا أن الطعن بالتمييز لا يوقف تنفيذ القرار.
بالتوازي، وفي خطوة رمزية ومتقدمة، أحال وزير العدل عادل نصّار القاضي المدني المشارك في هيئة المحكمة العسكرية إلى التفتيش القضائي ليضيف بعدًا آخر إلى المشهد، إذ فهمت هذه الخطوة على أنها اعتراض واضح على سلامة الإجراءات القضائية التي رافقت المحاكمة، بما يعكس حجم الاعتراض على الحكم.
لكن ما يتجاوز البعد القضائي للقضية هو دلالتها السياسية العميقة. وتبدي مصادر متابعة خشيتها من أن يتحول هذا الحكم إلى سابقة قضائية يمكن الركون إليها في ملفات مشابهة مستقبلًا، بما قد يؤدي عمليًا إلى تكريس واقع قانوني موازٍ، يفضي عمليًا إلى تقويض السياسة العامة التي أعلنها مجلس الوزراء بشأن حصر السلاح بيد الدولة ومنع أي نشاط عسكري خارج مؤسساتها.
المحكمة العسكرية: أحكام معلّبة على قياس «الحزب»

لم يعد النقاش في لبنان يدور حول ضرورة تطبيق القوانين أو احترام القرارات الرسمية، بل بات يتمحور حول سؤال أكثر جوهرية وخطورة: هل ما زالت الدولة قادرة على فرض قوانينها أصلًا؟
القرار الذي أصدرته المحكمة العسكرية برئاسة العميد وسيم فياض أمس، والقاضي بفرض غرامة مالية وقدرها تسعمائة ألف ليرة لبنانية عن كل من حسين أحمد مشيك، وحسنين محمد السبلاني، وعبد الرحيم علي رباح، مع مصادرة الأسلحة والذخائر والعتاد المضبوط بعد أن أوقفهم الجيش اللبناني أثناء نقلهم أسلحة حربية ورمانات يدوية وقذائف صاروخية من دون ترخيص، لم يكن مجرد حكم قضائي عابر. بل بدا، في نظر كثيرين، بمثابة رسالة سياسية وقضائية بالغة الخطورة، تتجاوز تفاصيل الملف لتطول صورة العدالة وهيبة الدولة في آن واحد.
فالمحكمة العسكرية، التي يُفترض أن تشكل أحد أعمدة حماية الأمن الوطني، وأن تعكس أحكامها مبدأ المساواة أمام القانون، وجدت نفسها في قلب عاصفة من التساؤلات بعد إصدار حكم اعتُبر غير مسبوق في قضايا مماثلة، سواء من حيث خفة العقوبة أو من حيث الظروف التي أحاطت بالمحاكمة.
ويأتي الحكم المعلّب للمحكمة العسكرية، بعد أن أوقف الجيش اللبناني العناصر الثلاثة على حاجز برغز في قضاء مرجعيون بتاريخ 3 آذار 2026، بعد ضبطهم ينقلون أسلحة وذخائر حربية. وعلى أثر ذلك، ادعى عليهم مفوض الحكومة القاضي كلود غانم استنادًا إلى المادتين 72 و76 من القوانين المرعية، المرتبطتين بحيازة الأسلحة والذخائر، إضافة إلى مواد قانونية أخرى، وأحالهم إلى المحكمة العسكرية بجرم «نقل أسلحة حربية ورمانات يدوية وقذائف صاروخية من دون ترخيص، إضافة إلى حيازة ونقل أعتدة عسكرية بصورة غير قانونية».
وخلال جلسة المحاكمة الأولى التي عُقدت يوم الجمعة 6 آذار، أقرّ الموقوفون بانتمائهم إلى «حزب الله» وبحيازتهم الأسلحة المضبوطة. ورغم أن النص القانوني لا يترك مجالًا واسعًا للاجتهاد؛ إذ تنص المادة 72 بوضوح على عقوبة السجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات لكل من يحوز سلاحًا حربيًا من دون ترخيص. إلا أن المحكمة لم تصدر حكمها آنذاك، نتيجة تباين الآراء بين أعضاء الهيئة.وفي تطور لافت، حدّد رئيس المحكمة العميد وسيم فياض جلسة جديدة أمس، بحضور أعضاء مختلفين في الهيئة. ولم تستغرق المحاكمة سوى دقائق معدودة انتهت بإطلاق سراح الموقوفين. واقتصر استجواب المحكمة لهم، بحضور وكيلتهم القانونية، على سؤال واحد: هل كنتم متجهين نحو الجنوب أم في الاتجاه المعاكس عند توقيفكم على الحاجز؟ فأجاب الموقوفون بأنهم كانوا متجهين إلى القرى الحدودية بهدف القتال.
ومع ذلك، انتهت المحاكمة إلى غرامة مالية رمزية تقارب 10 دولارات فقط، ومصادرة السلاح، في حكم بدا للكثيرين وكأنه يفرغ النص القانوني من مضمونه. هذا التطور دفع مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم إلى طلب تمييز الحكم، في خطوة تعكس حجم الاعتراض داخل المؤسسة القضائية «العسكرية» نفسها، علمًا أن الطعن بالتمييز لا يوقف تنفيذ القرار.
بالتوازي، وفي خطوة رمزية ومتقدمة، أحال وزير العدل عادل نصّار القاضي المدني المشارك في هيئة المحكمة العسكرية إلى التفتيش القضائي ليضيف بعدًا آخر إلى المشهد، إذ فهمت هذه الخطوة على أنها اعتراض واضح على سلامة الإجراءات القضائية التي رافقت المحاكمة، بما يعكس حجم الاعتراض على الحكم.
لكن ما يتجاوز البعد القضائي للقضية هو دلالتها السياسية العميقة. وتبدي مصادر متابعة خشيتها من أن يتحول هذا الحكم إلى سابقة قضائية يمكن الركون إليها في ملفات مشابهة مستقبلًا، بما قد يؤدي عمليًا إلى تكريس واقع قانوني موازٍ، يفضي عمليًا إلى تقويض السياسة العامة التي أعلنها مجلس الوزراء بشأن حصر السلاح بيد الدولة ومنع أي نشاط عسكري خارج مؤسساتها.





