“الصواريخ “تفضح ادّعاء سلام بأن قرار الحرب والسلم بيد الدولة

يفاجأ المواطن العادي، الخائف على مستقبله وعلى مصير البلد في ظلّ هذه الحرب التي لا تبدو لها نهاية قريبة، بالمواقف المتناقضة لرئيس الحكومة نواف سلام، الذي لا يتردّد في التأكيد في أكثر من مناسبة أن قرار الحرب والسلم هو بيد الدولة. غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما تسقط هذا الادعاء، أو على الأقل تضعه في خانة الشعارات السياسية التي لا تجد ترجمتها العملية على الأرض. فالصواريخ الستة التي أطلقها ”
حزب الله” من الجنوب ثأرًا لاغتيال المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، شكّلت بحد ذاتها ردًا مباشرًا على هذا الكلام، وأظهرت بوضوح أن القرار الفعلي لا يزال بعيدًا كل البعد عن المؤسسات الرسمية التي يُفترض أنها صاحبة الكلمة الفصل في مسائل مصيرية من هذا النوع.
وما يزيد من حدّة هذا التناقض أن رئيس الحكومة نفسه يعترف، في تصريحات أخرى، بأن “حزب الله” يأخذ لبنان رهينة، وهو توصيف خطير إذا ما أُخذ بحرفيته السياسية والدستورية. فإذا كان لبنان بالفعل رهينة، كما يقول رئيس الحكومة، فمن واجب الدولة أن تبحث في سبل تحريره من هذه الرهينة، لا الاكتفاء بتوصيف الواقع أو تسجيل المواقف الإعلامية. أما الجمع بين القول بأن القرار بيد الدولة وبين الإقرار بأن البلد رهينة قرار خارج الدولة، فهو تناقض يصعب على المواطن العادي فهمه أو تبريره.
هذا التناقض في خطاب رئيس حكومة اتخذت لنفسها شعار “الإصلاح والإنقاذ”، والممدَّد لها عمليًا بفعل التمديد للمجلس النيابي الحالي لسنتين، يعكس في العمق أزمة قيادة سياسية أكثر مما يعكس مجرد اختلاف في المقاربات. فالحكومة التي يفترض أن تقود البلاد في واحدة من أخطر المراحل التي يمرّ بها لبنان تبدو عاجزة حتى الآن عن بلورة رؤية واضحة لكيفية التعامل مع تداعيات الحرب، أو عن رسم خارطة طريق سياسية وأمنية تخفف من حدّة المخاطر المحدقة بالبلد.
واللافت أن أداء الحكومة في مواجهة تداعيات الحرب يكاد يقتصر على إدارة يوميات الأزمة بدلًا من محاولة معالجتها. فالمشهد الحكومي يبدو في كثير من الأحيان وكأنه يكتفي بإحصاء عدد الغارات الإسرائيلية وتسجيل حجم الخسائر البشرية والمادية الناتجة عنها، من دون أن يقترن ذلك بخطة واضحة لمواجهة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة. ويظهر هذا العجز بشكل خاص في التعاطي مع أزمة النزوح الداخلي، حيث بدت الدولة وكأنها تتعامل مع الأمر بردّات فعل متأخرة بدلًا من الاستعداد المسبق لموجات نزوح باتت متوقعة في ظل توسّع رقعة المواجهات.
وفي ظل هذا الواقع، يتساءل كثيرون عمّا إذا كانت الحكومة الحالية قادرة فعلًا على مواكبة مرحلة بالغة التعقيد كمرحلة الحرب وما بعدها، خصوصًا أن ما ينتظر لبنان لا يقتصر على التحديات الأمنية المباشرة، بل يمتد أيضًا إلى ملفات إعادة الإعمار، واستعادة الثقة الدولية، وإطلاق مسار إصلاحي طال انتظاره. فهذه الملفات تحتاج إلى حكومة تمتلك رؤية واضحة وقرارًا سياسيًا حاسمًا، لا إلى سلطة تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تكتفي بإدارة الأزمة بدلًا من محاولة تغيير مسارها.
إن أخطر ما في أداء رئيس الحكومة اليوم ليس فقط ضعف قدرته على التأثير في مجريات الأحداث، بل أيضًا العجز عن مصارحة اللبنانيين بالحقيقة كما هي. فالحروب لا تُدار بالشعارات، ولا تُواجه بالتمنيات، بل بقرارات واضحة ومسؤوليات محددة. أما الاستمرار في إطلاق المواقف المتناقضة بين القول إن الدولة تمسك بقرار الحرب والسلم وبين الاعتراف بأن البلد رهينة قرار خارجها، فلن يؤدي إلا إلى تعميق فقدان الثقة بين اللبنانيين ودولتهم، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى سلطة قادرة على طمأنتهم لا إلى سلطة تزيد من حيرتهم.
وفي ظل هذا الواقع المربك، لم يعد السؤال المطروح بين اللبنانيين من يملك قرار الحرب والسلم، بل لماذا تصرّ الحكومة على التصرف وكأن هذا القرار ما زال في يدها. فالفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني أصبحت أوسع من أن تُردم بتصريح أو مؤتمر صحافي.
والحقيقة التي لم يعد ممكناً تجاهلها هي أن الدولة التي تعجز عن فرض سلطتها على قرار مصيري كقرار الحرب، لا تستطيع أن تقنع مواطنيها بأنها تمسك فعلاً بزمام الأمور. وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد، تصبح كل الشعارات عن السيادة والإصلاح والإنقاذ مجرد عناوين جميلة بلا مضمون.
أما اللبنانيون، الذين يدفعون يوميًا ثمن هذه الازدواجية في القرار، فلم يعودوا ينتظرون من حكومتهم توصيف الأزمة بقدر ما ينتظرون منها موقفًا واضحًا: إما دولة تملك قرارها بالكامل، أو اعتراف صريح بأن القرار في مكان آخر. وما بين هذين الخيارين لا يبقى سوى الفراغ في الوقت الذي لا تحتمل البلاد مزيدًا من الفراغات.
“الصواريخ “تفضح ادّعاء سلام بأن قرار الحرب والسلم بيد الدولة

يفاجأ المواطن العادي، الخائف على مستقبله وعلى مصير البلد في ظلّ هذه الحرب التي لا تبدو لها نهاية قريبة، بالمواقف المتناقضة لرئيس الحكومة نواف سلام، الذي لا يتردّد في التأكيد في أكثر من مناسبة أن قرار الحرب والسلم هو بيد الدولة. غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما تسقط هذا الادعاء، أو على الأقل تضعه في خانة الشعارات السياسية التي لا تجد ترجمتها العملية على الأرض. فالصواريخ الستة التي أطلقها ”
حزب الله” من الجنوب ثأرًا لاغتيال المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، شكّلت بحد ذاتها ردًا مباشرًا على هذا الكلام، وأظهرت بوضوح أن القرار الفعلي لا يزال بعيدًا كل البعد عن المؤسسات الرسمية التي يُفترض أنها صاحبة الكلمة الفصل في مسائل مصيرية من هذا النوع.
وما يزيد من حدّة هذا التناقض أن رئيس الحكومة نفسه يعترف، في تصريحات أخرى، بأن “حزب الله” يأخذ لبنان رهينة، وهو توصيف خطير إذا ما أُخذ بحرفيته السياسية والدستورية. فإذا كان لبنان بالفعل رهينة، كما يقول رئيس الحكومة، فمن واجب الدولة أن تبحث في سبل تحريره من هذه الرهينة، لا الاكتفاء بتوصيف الواقع أو تسجيل المواقف الإعلامية. أما الجمع بين القول بأن القرار بيد الدولة وبين الإقرار بأن البلد رهينة قرار خارج الدولة، فهو تناقض يصعب على المواطن العادي فهمه أو تبريره.
هذا التناقض في خطاب رئيس حكومة اتخذت لنفسها شعار “الإصلاح والإنقاذ”، والممدَّد لها عمليًا بفعل التمديد للمجلس النيابي الحالي لسنتين، يعكس في العمق أزمة قيادة سياسية أكثر مما يعكس مجرد اختلاف في المقاربات. فالحكومة التي يفترض أن تقود البلاد في واحدة من أخطر المراحل التي يمرّ بها لبنان تبدو عاجزة حتى الآن عن بلورة رؤية واضحة لكيفية التعامل مع تداعيات الحرب، أو عن رسم خارطة طريق سياسية وأمنية تخفف من حدّة المخاطر المحدقة بالبلد.
واللافت أن أداء الحكومة في مواجهة تداعيات الحرب يكاد يقتصر على إدارة يوميات الأزمة بدلًا من محاولة معالجتها. فالمشهد الحكومي يبدو في كثير من الأحيان وكأنه يكتفي بإحصاء عدد الغارات الإسرائيلية وتسجيل حجم الخسائر البشرية والمادية الناتجة عنها، من دون أن يقترن ذلك بخطة واضحة لمواجهة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة. ويظهر هذا العجز بشكل خاص في التعاطي مع أزمة النزوح الداخلي، حيث بدت الدولة وكأنها تتعامل مع الأمر بردّات فعل متأخرة بدلًا من الاستعداد المسبق لموجات نزوح باتت متوقعة في ظل توسّع رقعة المواجهات.
وفي ظل هذا الواقع، يتساءل كثيرون عمّا إذا كانت الحكومة الحالية قادرة فعلًا على مواكبة مرحلة بالغة التعقيد كمرحلة الحرب وما بعدها، خصوصًا أن ما ينتظر لبنان لا يقتصر على التحديات الأمنية المباشرة، بل يمتد أيضًا إلى ملفات إعادة الإعمار، واستعادة الثقة الدولية، وإطلاق مسار إصلاحي طال انتظاره. فهذه الملفات تحتاج إلى حكومة تمتلك رؤية واضحة وقرارًا سياسيًا حاسمًا، لا إلى سلطة تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تكتفي بإدارة الأزمة بدلًا من محاولة تغيير مسارها.
إن أخطر ما في أداء رئيس الحكومة اليوم ليس فقط ضعف قدرته على التأثير في مجريات الأحداث، بل أيضًا العجز عن مصارحة اللبنانيين بالحقيقة كما هي. فالحروب لا تُدار بالشعارات، ولا تُواجه بالتمنيات، بل بقرارات واضحة ومسؤوليات محددة. أما الاستمرار في إطلاق المواقف المتناقضة بين القول إن الدولة تمسك بقرار الحرب والسلم وبين الاعتراف بأن البلد رهينة قرار خارجها، فلن يؤدي إلا إلى تعميق فقدان الثقة بين اللبنانيين ودولتهم، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى سلطة قادرة على طمأنتهم لا إلى سلطة تزيد من حيرتهم.
وفي ظل هذا الواقع المربك، لم يعد السؤال المطروح بين اللبنانيين من يملك قرار الحرب والسلم، بل لماذا تصرّ الحكومة على التصرف وكأن هذا القرار ما زال في يدها. فالفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني أصبحت أوسع من أن تُردم بتصريح أو مؤتمر صحافي.
والحقيقة التي لم يعد ممكناً تجاهلها هي أن الدولة التي تعجز عن فرض سلطتها على قرار مصيري كقرار الحرب، لا تستطيع أن تقنع مواطنيها بأنها تمسك فعلاً بزمام الأمور. وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد، تصبح كل الشعارات عن السيادة والإصلاح والإنقاذ مجرد عناوين جميلة بلا مضمون.
أما اللبنانيون، الذين يدفعون يوميًا ثمن هذه الازدواجية في القرار، فلم يعودوا ينتظرون من حكومتهم توصيف الأزمة بقدر ما ينتظرون منها موقفًا واضحًا: إما دولة تملك قرارها بالكامل، أو اعتراف صريح بأن القرار في مكان آخر. وما بين هذين الخيارين لا يبقى سوى الفراغ في الوقت الذي لا تحتمل البلاد مزيدًا من الفراغات.








