خاص- فات الأوان

منذ طروحات آموس هوكشتاين بترسيم الحدود البرية بعد البحرية، والتي أُرفقت وقتها بمزايا اقتصادية، كان يمكن للبنان ولـ “حزب الله” تحديداً، تجنّب ما وصلت إليه الأمور اليوم. ولكنّ المشكلة أنّ القرار لم يكن في يد الدولة ولمّا يزل حتّى الآن خارجاً عنها.
هذه الطروحات بدأت قبل اندلاع حرب الإسناد في تشرين الأول 2023، واستمرّت خلال الحرب، وكانت الشروط المطروحة آنذاك أخفّ وطأة بكثير ممّا هو مطروح اليوم. ولكن إيران لم تسمح لـ “الحزب” بالتجاوب، وأرادت التمادي في استغلال الساحة اللبنانية لمآربها ومصالحها… و”حزب الله” ينفّذ بلا اعتراض.
بعد اتّفاق وقف إطلاق النار، أعطي لبنان عمليّاً مهلة امتدّت لعام ونصف العام، من أجل نزع سلاح “الحزب” وبسط سلطة الدولة. ولكن القرارت التي اتّخذتها الحكومة في هذا المجال بقيت حبراً على ورق. حتّى أنّ الأميركيين أنفسهم أعطوا للبنان الفرصة تلو الأخرى من أجل تنفيذ قرار حصر السلاح، واستقبلوا قائد الجيش العماد رودولف هيكل بعد أخذ وردّ وبعد جهود من السفير الأميركي ميشال عيسى. ولكن النتيجة لم تكن مرضية. وحتّى الأمس كان هناك تعهّد بعدم توسيع الحرب على لبنان في حال التزم “الحزب” عدم الدخول على خطّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكنّه لم يفعل.
في الواقع، فات الأوان. فقرار الحكومة اعتبار النشاط العسكري والأمني للحزب خارجاً عن القانون لم يعنِ شيئاً للولايات المتّحدة ولا للأوروبيين حتّى. ومع ذلك، لم يُنفّذ القرار بحصر السلاح فوراً وتكليف الجيش استعمال كل الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف، لا بل خرج قائد الجيش ليقول إن التنفيذ مرتبط بما تسمح به الظروف. كما أتى الردّ على مبادرة الرئيس جوزف عون الأخيرة بلا مبالاة أميركية ورفض إسرائيلي، وحتى “الحزب” رفضها.
وعليه، أصبح لبنان أمام الواقع التالي:
– لا وقف للحرب حتى “انتهاء المهمّة” التي حدّدتها إسرائيل لنفسها. ويتوقّع أن تستمرّ الضربات الإسرائيلية وقتاً قد يطول. وستشهد اتّساعاً لرقعتها، من بيروت إلى الجنوب والبقاع، وربّما اتّساعاً في نوعيّة الأهداف.
– بدء عملية عسكرية برّية للسيطرة بالكامل في المرحلة الأولى على المنطقة جنوب الليطاني، وإعلانها منطقة أمنية، في استعادة للشريط الأمني الحدودي قبل العام 2000. وثمّة من لا يستبعد إقامة منطقة أخرى منزوعة السلاح حتّى نهر الأوّلي. وقد تمّ تحشيد الفرق العسكريّة على الحدود، ومنها الفرقة التابعة للواء “غولاني” التي استُقدمت إلى المنطقة الحدودية مع لبنان.
– لا عودة للسكّان إلى قراهم وبلداتهم في المدى المنظور. فالمنازل دمّرت وستدمّر. ولا أحد يعلم ما سيكون عليه مصير المنطقة الحدودية في الحلول التي يتمّ التوصّل إليها لاحقاً. وكان المشهد بالأمس شديد التعبير، مع خروج أهالي بلدة علما الشعب إثر مقتل كاهن الرعية بالغارات الإسرائيلية، بسبب دخول عناصر حزبية إلى البلدة وتعريض من تبقّى من السكان للخطر.
– انتفاء مقولة “الأرض في مقابل السلام”. فإسرائيل لم تعد في حاجة إلى طلب السلام، بل هي ستفرضه بالقوّة. فلماذا تفاوض على إعادة الأرض؟ حتّى أنّ هناك تخوّفاً من ضمّ أجزاء من الأراضي اللبنانية، على غرار ما جرى في الجولان المحتلّ.
– رفض إسرائيل لأيّ مفاوضات بات لبنان اليوم “يستعطيها” بعدما كانت من المحرّمات لديه. فتلّ أبيب لا تريد التحدث في أيّ تفاوض قبل انتهاء العملية العسكرية وشلّ بنية “الحزب” بالكامل. ونموذج غزّة حاضر بقوة، حيث بقيت العمليّات مستمرّة إلى أن قبلت “حماس” باتّفاق “الاستسلام”.
ولكن، إضافة إلى هذا المشهد السوداوي، هناك مشاهد أشدّ قتامة تلوح في الأفق، وهي دخول لبنان في مخاطر الصراعات الداخلية والاحتكاكات المحتملة على الحدود مع سوريا.
فتمنّع الدولة عن الإقدام على نزع السلاح خوفاً من “الحرب الأهلية”، لن يحميها من هذه الحرب، بل سيزيد من احتمالاتها. والإشارات بدأت مع الاحتكاكات بين المناطق المضيفة المفترض أن تكون “آمنة” والنازحين إليها من بيئة “الحزب”. كما أنّ اشتداد الحرب سيزيد رفض البيئات الأخرى لتحمّل التبعات الناجمة عن سياسة “الحزب” وقراراته، ما قد يرفع من نسبة الحديث عن الفدرالية وما شابهها.
ومصدر القلق الآخر هو احتمال حصول اشتباكات بين عناصر “الحزب” والقوّات السورية على الحدود الشرقية والشماليّة، ما “يشرعن” لأحمد الشرع الدخول على خطّ النزاع اللبناني الداخلي، مع ما يستتبعه ذلك من تعقيدات إضافيّة.
وهكذا، أدخلت تبعية “حزب الله” لإيران وتخاذل الدولة، لبنان في أتونٍ من المشاكل لا يُعرف كيف سينتهي، سواء على صعيد ما يُرسم للمنطقة ككلّ، أوعلى صعيد إعادة صوغ التركيبة اللبنانية بحدّ ذاتها.
خاص- فات الأوان

منذ طروحات آموس هوكشتاين بترسيم الحدود البرية بعد البحرية، والتي أُرفقت وقتها بمزايا اقتصادية، كان يمكن للبنان ولـ “حزب الله” تحديداً، تجنّب ما وصلت إليه الأمور اليوم. ولكنّ المشكلة أنّ القرار لم يكن في يد الدولة ولمّا يزل حتّى الآن خارجاً عنها.
هذه الطروحات بدأت قبل اندلاع حرب الإسناد في تشرين الأول 2023، واستمرّت خلال الحرب، وكانت الشروط المطروحة آنذاك أخفّ وطأة بكثير ممّا هو مطروح اليوم. ولكن إيران لم تسمح لـ “الحزب” بالتجاوب، وأرادت التمادي في استغلال الساحة اللبنانية لمآربها ومصالحها… و”حزب الله” ينفّذ بلا اعتراض.
بعد اتّفاق وقف إطلاق النار، أعطي لبنان عمليّاً مهلة امتدّت لعام ونصف العام، من أجل نزع سلاح “الحزب” وبسط سلطة الدولة. ولكن القرارت التي اتّخذتها الحكومة في هذا المجال بقيت حبراً على ورق. حتّى أنّ الأميركيين أنفسهم أعطوا للبنان الفرصة تلو الأخرى من أجل تنفيذ قرار حصر السلاح، واستقبلوا قائد الجيش العماد رودولف هيكل بعد أخذ وردّ وبعد جهود من السفير الأميركي ميشال عيسى. ولكن النتيجة لم تكن مرضية. وحتّى الأمس كان هناك تعهّد بعدم توسيع الحرب على لبنان في حال التزم “الحزب” عدم الدخول على خطّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكنّه لم يفعل.
في الواقع، فات الأوان. فقرار الحكومة اعتبار النشاط العسكري والأمني للحزب خارجاً عن القانون لم يعنِ شيئاً للولايات المتّحدة ولا للأوروبيين حتّى. ومع ذلك، لم يُنفّذ القرار بحصر السلاح فوراً وتكليف الجيش استعمال كل الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف، لا بل خرج قائد الجيش ليقول إن التنفيذ مرتبط بما تسمح به الظروف. كما أتى الردّ على مبادرة الرئيس جوزف عون الأخيرة بلا مبالاة أميركية ورفض إسرائيلي، وحتى “الحزب” رفضها.
وعليه، أصبح لبنان أمام الواقع التالي:
– لا وقف للحرب حتى “انتهاء المهمّة” التي حدّدتها إسرائيل لنفسها. ويتوقّع أن تستمرّ الضربات الإسرائيلية وقتاً قد يطول. وستشهد اتّساعاً لرقعتها، من بيروت إلى الجنوب والبقاع، وربّما اتّساعاً في نوعيّة الأهداف.
– بدء عملية عسكرية برّية للسيطرة بالكامل في المرحلة الأولى على المنطقة جنوب الليطاني، وإعلانها منطقة أمنية، في استعادة للشريط الأمني الحدودي قبل العام 2000. وثمّة من لا يستبعد إقامة منطقة أخرى منزوعة السلاح حتّى نهر الأوّلي. وقد تمّ تحشيد الفرق العسكريّة على الحدود، ومنها الفرقة التابعة للواء “غولاني” التي استُقدمت إلى المنطقة الحدودية مع لبنان.
– لا عودة للسكّان إلى قراهم وبلداتهم في المدى المنظور. فالمنازل دمّرت وستدمّر. ولا أحد يعلم ما سيكون عليه مصير المنطقة الحدودية في الحلول التي يتمّ التوصّل إليها لاحقاً. وكان المشهد بالأمس شديد التعبير، مع خروج أهالي بلدة علما الشعب إثر مقتل كاهن الرعية بالغارات الإسرائيلية، بسبب دخول عناصر حزبية إلى البلدة وتعريض من تبقّى من السكان للخطر.
– انتفاء مقولة “الأرض في مقابل السلام”. فإسرائيل لم تعد في حاجة إلى طلب السلام، بل هي ستفرضه بالقوّة. فلماذا تفاوض على إعادة الأرض؟ حتّى أنّ هناك تخوّفاً من ضمّ أجزاء من الأراضي اللبنانية، على غرار ما جرى في الجولان المحتلّ.
– رفض إسرائيل لأيّ مفاوضات بات لبنان اليوم “يستعطيها” بعدما كانت من المحرّمات لديه. فتلّ أبيب لا تريد التحدث في أيّ تفاوض قبل انتهاء العملية العسكرية وشلّ بنية “الحزب” بالكامل. ونموذج غزّة حاضر بقوة، حيث بقيت العمليّات مستمرّة إلى أن قبلت “حماس” باتّفاق “الاستسلام”.
ولكن، إضافة إلى هذا المشهد السوداوي، هناك مشاهد أشدّ قتامة تلوح في الأفق، وهي دخول لبنان في مخاطر الصراعات الداخلية والاحتكاكات المحتملة على الحدود مع سوريا.
فتمنّع الدولة عن الإقدام على نزع السلاح خوفاً من “الحرب الأهلية”، لن يحميها من هذه الحرب، بل سيزيد من احتمالاتها. والإشارات بدأت مع الاحتكاكات بين المناطق المضيفة المفترض أن تكون “آمنة” والنازحين إليها من بيئة “الحزب”. كما أنّ اشتداد الحرب سيزيد رفض البيئات الأخرى لتحمّل التبعات الناجمة عن سياسة “الحزب” وقراراته، ما قد يرفع من نسبة الحديث عن الفدرالية وما شابهها.
ومصدر القلق الآخر هو احتمال حصول اشتباكات بين عناصر “الحزب” والقوّات السورية على الحدود الشرقية والشماليّة، ما “يشرعن” لأحمد الشرع الدخول على خطّ النزاع اللبناني الداخلي، مع ما يستتبعه ذلك من تعقيدات إضافيّة.
وهكذا، أدخلت تبعية “حزب الله” لإيران وتخاذل الدولة، لبنان في أتونٍ من المشاكل لا يُعرف كيف سينتهي، سواء على صعيد ما يُرسم للمنطقة ككلّ، أوعلى صعيد إعادة صوغ التركيبة اللبنانية بحدّ ذاتها.


