مخاوف بيروت ودمشق: سيناريوهات إسرائيل واستراتيجية حزب الله

ما بين لبنان وسوريا مخاوف مشتركة ومتبادلة. على مدى يومين، حصل تواصل بين رئيسي البلدين جوزاف عون وأحمد الشرع. الاتصال الأول كان خلال اجتماع شارك فيه عدد من الرؤساء العرب والاجانب، أما الثاني فجرى بينهما بهدف تعزيز التنسيق، واستكمالاً لما قاله الشرع سابقاً عن دعم بيروت في خطتها لحصر السلاح بيد الدولة، وجاء بعد إعلان سوريا عن تعرض أراضيها لعمليات قصف من جانب حزب الله. الحزب أطلق الصواريخ والقذائف لاستهداف مروحيات إسرائيلية عددها 15، كما ذكر في بيانٍ له، كانت تحاول تنفيذ عملية إنزال في منطقة سرغايا السورية والتحرك باتجاه الأراضي البقاعية. اللافت هنا خبران، الأول أن الجيش الإسرائيلي لم يخض أيّة مواجهة أو اشتباك مع حزب الله في سرغايا، وفق ما نقلت عنه وكالة رويترز، والثاني أن أيّة عملية إنزال لم يتم رصدها في سوريا، وفق ما أعلن السوريون.
خوف متبادل
منذ فترة، والعلاقة السورية اللبنانية تسير على خطوط متعرجة. لدى البلدين خوف من بعضهما بعضاً. فلبنان ينظر إلى الحشود السورية على الحدود اللبنانية بعين القلق والخوف من احتمال حصول أيّة عملية توغل باتجاه البلدات الحدودية. أما دمشق فلديها خوف من أي تحرك يمكن أن يقوم به حزب الله باتجاهها، سواء من خلال دعم مجموعات محسوبة على نظام الأسد لزعزعة الوضع داخل سوريا، أو بفعل تداعيات الحرب الحالية، إذ إن الشرع، وفي المطالعة التي قدمها خلال اجتماع الرؤساء، أطلق موقفاً مرتفع السقف إلى حدود بعيدة ضد إيران، معتبراً أن الاعتداءات التي تقوم بها تجاه دول الخليج هي اعتداءات مخطط لها مسبقاً، وأنه يجب التصدي لها، وعبّر عن مخاوفه من أن تلجأ إيران، في سبيل إطالة أمد الحرب على مستوى المنطقة، إلى إشعال منطقة المشرق العربي، وتحديداً في سوريا والعراق ولبنان. وهنا أكد الشرع للمسؤولين اللبنانيين أن التعزيزات العسكرية التي أرسلت إلى الحدود مع لبنان لها هدف أساسي، وهو حماية المناطق السورية من أيّة تداعيات لهذه الحرب ومن أيّة حركة عسكرية يمكن أن يقدم عليها الحزب، أو لمواجهة أي سيناريو إسرائيلي لتفجير الوضع بين البلدين من خلال دفع قوات من الحزب للخروج من الأراضي اللبنانية نحو الأراضي السورية.
غرفة عمليّات مشتركة
ومما قاله الشرع إنه يتخوف من دفع إيران حلفاءها لاستهداف دول الجوار. وكما اتهمت قبرص حزب الله بإطلاق صواريخ باتجاهها، فإن سوريا تتخوف من أن يطلق الحزب أو الحشد الشعبي عمليات باتجاه الأراضي السورية، أو أن يطلق الحشد الشعبي عمليّات باتجاه الأراضي الكويتية. وقد دعا الشرع دول مجلس التعاون الخليجي إلى العمل على إنشاء غرفة عسكرية مشتركة، يتم من خلالها التنسيق لمواجهة الاعتداءات الإيرانية، خصوصاً في حال طال أمد الحرب واتسع، لا سيما أن إيران، وإلى جانب سعيها لإطالة أمد الحرب، فهي عملت على إفقاد الزخم العسكري للعملية الأميركية، ما دامت لا تزال تطلق الصواريخ وتنفذ العمليات، وكذلك بالنسبة إلى حلفائها الذين لم ينضم إليهم الحوثيون حتى الآن.
الدعوة السورية للدول الخليجية إلى بناء غرفة عمليات عسكرية مشتركة، مع إبداء استعداد دمشق للمساعدة، قابلتها دعوة مشتركة للبنان، لتفعيل غرفة العمليات المشتركة عسكرياً وأمنياً، والتعاون السياسي لأجل مواجهة أيّة مخاطر قد تطال البلدين بنتيجة هذه الحرب. ففي قناعة سوريا، أنه في حال تمكنت إيران من الصمود ومواصلة الحرب، وهو ما قد يدفع الأميركيين إلى الاتجاه نحو اتفاق معها من دون إحداث تغيير جوهري، فإن ذلك سيدفع إيران إلى الارتداد على دول المنطقة، إما في الخليج، أو تجاه سوريا ولبنان، مع السعي لإحداث انقلاب سياسي على الساحة اللبنانية لتغيير موازين القوى التي كانت قائمة في الفترة الأخيرة.
اختراقات إسرائيلية
إلى جانب التخوف من أي تحرك لحزب الله الذي تعبر عنه دمشق، فلديها مخاوف أخرى تتعلق بالنشاط العسكري الإسرائيلي باتجاه البقاع. ومن هنا، فإن دمشق تصرّ على لبنان ومنذ فترة، من أجل التحرك وتفكيك البنى العسكرية لحزب الله الموجودة في المناطق البقاعية المختلفة، لأن إسرائيل ستستغل وجود هذه الأسلحة للإطباق أكثر على سوريا ولبنان معاً. جزء من الخوف السوري يأتي من احتمال لجوء إسرائيل لتنفيذ عملية عسكرية باتجاه مناطق بقاعية، إما انطلاقاً من جبل الشيخ باتجاه البقاع الغربي، وبذلك ستصبح قريبة أكثر من دمشق ومشرفة عليها، وهذا ما يشكل عنصر ضغط إسرائيلي إضافي على سوريا، وإما من خلال عمليات الإنزال التي سيسعى الإسرائيليون إلى تنفيذها للدخول إلى مواقع وتفكيكها، أو محاولة استحداث نقاط على جبال مرتفعة في البقاع تكون مشرفة على سوريا ولبنان. هنا لا يمكن إغفال المخاوف السورية من السعي الإسرائيلي لتسجيل المزيد من الاختراق في عمق سوريا، وهو ما كانت أعلنت عنه إسرائيل سابقاً لمواجهة “التمدد التركي باتجاه حمص ووسط سوريا”.
العمليات الإسرائيلية في البقاع لها أكثر من هدف: الأول هو إثبات إسرائيل قدرتها على التحرك هناك والسعي لتفكيك بنىً عسكرية لحزب الله، والثاني، العمل على فتح مدىً حيوي لأيّة تحركات إسرائيلية لاحقاً، خصوصاً أن تل أبيب تتعاطى مع الوضع في المنطقة بأنها الرابحة في كل الحروب، ولا بد لها من أن تفرض متغيرات استراتيجية على توازنات الدول، وهي تريد استغلال أي اختراق يمكنها تسجيله للاستثمار به لاحقاً. أمّا الهدف الثالث، فإن سعي إسرائيل لجعل البقاع منطقة عمليات لها، تعني منع سوريا من أن يكون لديها أي نشاط في تلك المنطقة، لا بل أن تكون تل أبيب هي القادرة على التحرك من البقاع باتجاه سوريا.
تنسيق لبناني سوري
ما تريده سوريا من لبنان، هو تفعيل التنسيق بين الجانبين سياسياً، أمنياً وعسكرياً، لضبط الحدود ومنع حصول أيّة مناوشات أو عمليات تهدد أمن البلدين. أما كلام الشرع على الاستعداد لدعم لبنان في سحب سلاح الحزب، وفق المصادر، لا يعني الدخول السوري والعمل على سحب السلاح؛ إنما تعزيز الموقف اللبناني وتوفير الإسناد له، وربما إعطاء إحداثيات حول بعض مواقع الصواريخ الموجودة في البقاع التي يعتبرها السوريون تهديداً لدمشق. عملياً، يدخل لبنان وسوريا معاً في مسار جديد على مستوى العلاقات بينهما، وضمن مسار جديد لكل المتغيرات العسكرية والسياسية التي تشهدها المنطقة، هو مسار سيكون فيه الكثير من الأحداث والتطورات في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة، والنية اليمينية الواضحة نحو التوسع.
مخاوف بيروت ودمشق: سيناريوهات إسرائيل واستراتيجية حزب الله

ما بين لبنان وسوريا مخاوف مشتركة ومتبادلة. على مدى يومين، حصل تواصل بين رئيسي البلدين جوزاف عون وأحمد الشرع. الاتصال الأول كان خلال اجتماع شارك فيه عدد من الرؤساء العرب والاجانب، أما الثاني فجرى بينهما بهدف تعزيز التنسيق، واستكمالاً لما قاله الشرع سابقاً عن دعم بيروت في خطتها لحصر السلاح بيد الدولة، وجاء بعد إعلان سوريا عن تعرض أراضيها لعمليات قصف من جانب حزب الله. الحزب أطلق الصواريخ والقذائف لاستهداف مروحيات إسرائيلية عددها 15، كما ذكر في بيانٍ له، كانت تحاول تنفيذ عملية إنزال في منطقة سرغايا السورية والتحرك باتجاه الأراضي البقاعية. اللافت هنا خبران، الأول أن الجيش الإسرائيلي لم يخض أيّة مواجهة أو اشتباك مع حزب الله في سرغايا، وفق ما نقلت عنه وكالة رويترز، والثاني أن أيّة عملية إنزال لم يتم رصدها في سوريا، وفق ما أعلن السوريون.
خوف متبادل
منذ فترة، والعلاقة السورية اللبنانية تسير على خطوط متعرجة. لدى البلدين خوف من بعضهما بعضاً. فلبنان ينظر إلى الحشود السورية على الحدود اللبنانية بعين القلق والخوف من احتمال حصول أيّة عملية توغل باتجاه البلدات الحدودية. أما دمشق فلديها خوف من أي تحرك يمكن أن يقوم به حزب الله باتجاهها، سواء من خلال دعم مجموعات محسوبة على نظام الأسد لزعزعة الوضع داخل سوريا، أو بفعل تداعيات الحرب الحالية، إذ إن الشرع، وفي المطالعة التي قدمها خلال اجتماع الرؤساء، أطلق موقفاً مرتفع السقف إلى حدود بعيدة ضد إيران، معتبراً أن الاعتداءات التي تقوم بها تجاه دول الخليج هي اعتداءات مخطط لها مسبقاً، وأنه يجب التصدي لها، وعبّر عن مخاوفه من أن تلجأ إيران، في سبيل إطالة أمد الحرب على مستوى المنطقة، إلى إشعال منطقة المشرق العربي، وتحديداً في سوريا والعراق ولبنان. وهنا أكد الشرع للمسؤولين اللبنانيين أن التعزيزات العسكرية التي أرسلت إلى الحدود مع لبنان لها هدف أساسي، وهو حماية المناطق السورية من أيّة تداعيات لهذه الحرب ومن أيّة حركة عسكرية يمكن أن يقدم عليها الحزب، أو لمواجهة أي سيناريو إسرائيلي لتفجير الوضع بين البلدين من خلال دفع قوات من الحزب للخروج من الأراضي اللبنانية نحو الأراضي السورية.
غرفة عمليّات مشتركة
ومما قاله الشرع إنه يتخوف من دفع إيران حلفاءها لاستهداف دول الجوار. وكما اتهمت قبرص حزب الله بإطلاق صواريخ باتجاهها، فإن سوريا تتخوف من أن يطلق الحزب أو الحشد الشعبي عمليات باتجاه الأراضي السورية، أو أن يطلق الحشد الشعبي عمليّات باتجاه الأراضي الكويتية. وقد دعا الشرع دول مجلس التعاون الخليجي إلى العمل على إنشاء غرفة عسكرية مشتركة، يتم من خلالها التنسيق لمواجهة الاعتداءات الإيرانية، خصوصاً في حال طال أمد الحرب واتسع، لا سيما أن إيران، وإلى جانب سعيها لإطالة أمد الحرب، فهي عملت على إفقاد الزخم العسكري للعملية الأميركية، ما دامت لا تزال تطلق الصواريخ وتنفذ العمليات، وكذلك بالنسبة إلى حلفائها الذين لم ينضم إليهم الحوثيون حتى الآن.
الدعوة السورية للدول الخليجية إلى بناء غرفة عمليات عسكرية مشتركة، مع إبداء استعداد دمشق للمساعدة، قابلتها دعوة مشتركة للبنان، لتفعيل غرفة العمليات المشتركة عسكرياً وأمنياً، والتعاون السياسي لأجل مواجهة أيّة مخاطر قد تطال البلدين بنتيجة هذه الحرب. ففي قناعة سوريا، أنه في حال تمكنت إيران من الصمود ومواصلة الحرب، وهو ما قد يدفع الأميركيين إلى الاتجاه نحو اتفاق معها من دون إحداث تغيير جوهري، فإن ذلك سيدفع إيران إلى الارتداد على دول المنطقة، إما في الخليج، أو تجاه سوريا ولبنان، مع السعي لإحداث انقلاب سياسي على الساحة اللبنانية لتغيير موازين القوى التي كانت قائمة في الفترة الأخيرة.
اختراقات إسرائيلية
إلى جانب التخوف من أي تحرك لحزب الله الذي تعبر عنه دمشق، فلديها مخاوف أخرى تتعلق بالنشاط العسكري الإسرائيلي باتجاه البقاع. ومن هنا، فإن دمشق تصرّ على لبنان ومنذ فترة، من أجل التحرك وتفكيك البنى العسكرية لحزب الله الموجودة في المناطق البقاعية المختلفة، لأن إسرائيل ستستغل وجود هذه الأسلحة للإطباق أكثر على سوريا ولبنان معاً. جزء من الخوف السوري يأتي من احتمال لجوء إسرائيل لتنفيذ عملية عسكرية باتجاه مناطق بقاعية، إما انطلاقاً من جبل الشيخ باتجاه البقاع الغربي، وبذلك ستصبح قريبة أكثر من دمشق ومشرفة عليها، وهذا ما يشكل عنصر ضغط إسرائيلي إضافي على سوريا، وإما من خلال عمليات الإنزال التي سيسعى الإسرائيليون إلى تنفيذها للدخول إلى مواقع وتفكيكها، أو محاولة استحداث نقاط على جبال مرتفعة في البقاع تكون مشرفة على سوريا ولبنان. هنا لا يمكن إغفال المخاوف السورية من السعي الإسرائيلي لتسجيل المزيد من الاختراق في عمق سوريا، وهو ما كانت أعلنت عنه إسرائيل سابقاً لمواجهة “التمدد التركي باتجاه حمص ووسط سوريا”.
العمليات الإسرائيلية في البقاع لها أكثر من هدف: الأول هو إثبات إسرائيل قدرتها على التحرك هناك والسعي لتفكيك بنىً عسكرية لحزب الله، والثاني، العمل على فتح مدىً حيوي لأيّة تحركات إسرائيلية لاحقاً، خصوصاً أن تل أبيب تتعاطى مع الوضع في المنطقة بأنها الرابحة في كل الحروب، ولا بد لها من أن تفرض متغيرات استراتيجية على توازنات الدول، وهي تريد استغلال أي اختراق يمكنها تسجيله للاستثمار به لاحقاً. أمّا الهدف الثالث، فإن سعي إسرائيل لجعل البقاع منطقة عمليات لها، تعني منع سوريا من أن يكون لديها أي نشاط في تلك المنطقة، لا بل أن تكون تل أبيب هي القادرة على التحرك من البقاع باتجاه سوريا.
تنسيق لبناني سوري
ما تريده سوريا من لبنان، هو تفعيل التنسيق بين الجانبين سياسياً، أمنياً وعسكرياً، لضبط الحدود ومنع حصول أيّة مناوشات أو عمليات تهدد أمن البلدين. أما كلام الشرع على الاستعداد لدعم لبنان في سحب سلاح الحزب، وفق المصادر، لا يعني الدخول السوري والعمل على سحب السلاح؛ إنما تعزيز الموقف اللبناني وتوفير الإسناد له، وربما إعطاء إحداثيات حول بعض مواقع الصواريخ الموجودة في البقاع التي يعتبرها السوريون تهديداً لدمشق. عملياً، يدخل لبنان وسوريا معاً في مسار جديد على مستوى العلاقات بينهما، وضمن مسار جديد لكل المتغيرات العسكرية والسياسية التي تشهدها المنطقة، هو مسار سيكون فيه الكثير من الأحداث والتطورات في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة، والنية اليمينية الواضحة نحو التوسع.










