فاتورة اقتصادية ضخمة تتجاوز قدرة لبنان.. حرب “الحزب” تفتح أبواب الخسائر الكبرى

دخول “حزب اللّه” في الحرب لا يُشكّل مجرّد تصعيد عسكري محدود، بل يُمثل قنبلة موقوتة تهدّد الاقتصاد اللبناني بكارثة حقيقية. لبنان الذي يكاد يتعافى بصعوبة من أزمات مالية هي الأشدّ في تاريخه، قد يجد نفسه فجأة أمام خسائر مباشرة بالمليارات. منازل ومؤسّسات صناعية وزراعية وسياحية مدمّرة، قطاعات إنتاجية متوقفة، وشلل كامل في الأنشطة الاقتصادية في المناطق المتضرّرة وغير المتضرّرة على حدّ سواء، كلّها عوامل تجعل الاقتصاد يترنح تحت وطأة هذا التصعيد.
لا يقتصر تأثير الحرب على الدمار المباشر، بل يمتدّ ليشمل الاقتصاد بأكمله. ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا يرفع كلفة النقل والشحن، ويضاعف أسعار السلع المستوردة التي تشكّل الجزء الأكبر من الاستهلاك المحلّي. كلّ زيادة في كلفة المحروقات تنعكس فورًا على حركة النقل، وعلى تكلفة الإنتاج المحلّي، وحتى على الخدمات الأساسية، ما يجعل كلّ شيء أغلى وأسعار المواد الاستهلاكية في ارتفاع مستمرّ. مع توقف النشاط الاقتصادي في مناطق النزاع ونزوح السكان، تتأثر السياحة بشكل حادّ، وتتقلّص تحويلات العملات الصعبة، ما يزيد من الضغط على قدرة الدولة على تغطية نفقاتها الطارئة.
على المستوى المالي، الوضع أكثر هشاشة وخطورة. تراجع الإيرادات العامة وارتفاع الإنفاق الطارئ نتيجة النزوح وإزالة الركام والخدمات الطارئة، كلّ هذا يعيد لبنان إلى دوّامة العجز المالي. ومع ارتفاع الطلب على الدولار من المواطنين والمؤسّسات والحكومة نفسها، يزداد الضغط على سعر صرف الليرة اللبنانية، في هذا السياق، أي خطأ في السياسات الاقتصادية أو محاولة كبح الأسعار بشكل مصطنع يمكن أن يؤدّي إلى أزمة محروقات حقيقية وانهيار في الأسواق، ليس نتيجة الحرب وحدها، بل نتيجة سياسات خاطئة تقترن بالتوتر الأمني.
باختصار، انخراط “حزب اللّه” في الحرب يضع لبنان أمام مزيج قاتل من الدمار، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع الأسعار، واضطرابات نقدية، وهو ما قد يحوّل البلد إلى ساحة مواجهة اقتصادية بامتياز، حيث كلّ يوم إضافي من الصراع يعني مزيدًا من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، ويُقرّب لبنان أكثر من أزمة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
النفط
في إطار الحديث عن تداعيات الحرب، يشير الخبير الاقتصادي د. باتريك مارديني لـ “نداء الوطن”، إلى أنه “في ضوء التطوّرات الأمنية الراهنة تنقسم الخسائر الناتجة عن الحرب إلى شقين أساسيّين: الأول مرتبط بالحرب الدائرة في الخليج وانعكاساتها على أسعار النفط العالمية، والثاني مرتبط بالوضع الأمني في لبنان. في ما يتعلّق بالشق الأول، من الطبيعي أن تؤثر التوترات في منطقة الخليج على سوق النفط العالمية، ولا سيّما مع ما تشهده حركة الملاحة في مضيق هرمز من صعوبات. إذ يمرّ عبر هذا المضيق نحو 22 في المئة من إمدادات النفط في العالم، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملًا مؤثرًا في توازن العرض والطلب العالميين، وبالتالي في ارتفاع أسعار النفط”.
يتابع: “إلّا أن لبنان لا يستورد محروقاته مباشرة عبر مضيق هرمز، ما يعني أن سلسلة الإمدادات الخاصة به لا تتأثر بشكل مباشر بهذه التطوّرات. فمعظم المحروقات التي يستوردها لبنان تأتي من منطقة حوض البحر المتوسط، ولا سيّما من مصافي التكرير الموجودة في اليونان وتركيا وقبرص، حيث يتمّ استيراد النفط الخام وتكريره هناك قبل إعادة تصديره إلى عدد من الدول، من بينها لبنان. وفي بعض الحالات، يتمّ أيضًا الاستيراد من دول في شمال أفريقيا. أمّا في ما يتعلّق بالنفط العراقي الذي يُتداول الحديث عنه في سياق تغذية معامل الكهرباء، فإن لبنان لا يتسلّم النفط مباشرة من العراق، بل يتمّ العمل بآلية تُعرف بنظام “السواب”، حيث يُسلَّم النفط العراقي ليُباع في الأسواق العالمية، في حين يقوم لبنان بشراء نفط آخر من أسواق حوض المتوسط يكون ملائمًا لمصافي التكرير، ومن ثمّ يُستورد إلى البلاد”.
بناءً على ذلك، يرى مارديني أنه “لا يظهر في الوقت الراهن خطر مباشر على سلسلة إمدادات المحروقات إلى لبنان. إلّا أن الارتفاع الذي تشهده أسعار النفط العالمية نتيجة التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وصعوبة حركة ناقلات النفط قد ينعكس بطبيعة الحال على أسعار المحروقات في السوق اللبنانية”.
وإذ يؤكد أنه “لا توجد في الوقت الراهن مؤشرات جدية على خطر انقطاع المحروقات من السوق اللبنانية، إلّا أن من الطبيعي أن ترتفع أسعارها في ظلّ الارتفاع الذي تشهده أسعار النفط عالميًا. فالمشكلة لا تكمن في توافر الإمدادات بحدّ ذاتها، بل في طريقة تسعيرها في السوق المحلّية”.
إلّا أن مارديني يُرجّح أن “يظهر الخطر الفعلي في حال قرّرت الدولة اللبنانية تسعير المحروقات بأقلّ من سعر كلفتها الفعلية. ففي هذه الحالة، قد تمتنع الشركات المستوردة عن الاستيراد لأن الأسعار المفروضة لا تغطي الكلفة، ما يؤدي عندها إلى نشوء أزمة في السوق. وبالتالي، فإن إبقاء الأسعار أدنى من سعر السوق العالمية قد يخلق نقصًا في الإمدادات”.
وهنا يلفت إلى أن “هذه التجربة سبق أن شهدها لبنان خلال فترة سياسة الدعم، حين كانت الدولة تسعّر المحروقات بأقل من سعرها الحقيقي في الأسواق العالمية، ما أدّى في حينه إلى اختلال في السوق وانقطاع المحروقات في مراحل معيّنة”.
إلّا أن “المؤشرات الحالية توحي بأن الحكومة تدرك هذه التجربة، وبالتالي من غير المرجح أن تعود إلى اعتماد تسعير أدنى من الكلفة الفعلية. لذلك، من المتوقع أن تواكب الأسعار المحلية الارتفاع العالمي، الأمر الذي يقلّل من احتمالات حدوث أزمة في الإمدادات”، وفق ما يلفت مارديني.
أما في ما يتعلّق بالشق السياسي، فيرى مارديني أن “احتمال حصول حصار كامل على لبنان يبقى مرتبطًا بالخيارات السياسية والدبلوماسية. غير أن المقاربة الحالية تبدو قائمة على محاولة الحكومة تحييد لبنان قدر الإمكان عن احتمال الحصار الكامل، وهو عامل إضافي قد يخفف احتمالات حصول انقطاع في المحروقات”.
وبكلام آخر، يوضح أنه “إذا تُركت الأسعار لتواكب ارتفاعها الطبيعي وفق كلفة الاستيراد، فمن غير المتوقع أن تنقطع المحروقات. أمّا إذا جرى كبح الأسعار بشكل مصطنع، فقد يؤدّي ذلك إلى أزمة في السوق”.
وفي هذا الصدد، يتطرّق مارديني إلى شق بالغ الأهمية وهو “غلاء الأسعار”، حيث يلفت إلى أن “تأثير ارتفاع أسعار المحروقات لا يقتصر على هذا القطاع وحده، بل يمتدّ ليطول مجمل الأسعار في السوق اللبنانية. فلبنان يعتمد إلى حدّ كبير على الاستيراد لتأمين معظم السلع الاستهلاكية، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار المحروقات ينعكس تلقائيًا على كلفة النقل والشحن”، موضحًا أن “مع ارتفاع أسعار المحروقات ترتفع أيضًا كلفة نقل البضائع وكلفة الشحن البحري، إضافة إلى ارتفاع أسعار التأمين على الحاويات والبضائع. وهذا الأمر يؤدّي عمليًا إلى زيادة كلفة السلع المستوردة التي تشكّل الجزء الأكبر من استهلاك السوق اللبنانية”.
يضيف: “لا يقتصر التأثير على السلع المستوردة فقط، بل يطول أيضًا الإنتاج المحلّي، إذ إن ارتفاع كلفة المحروقات يرفع كلفة النقل والتشغيل والإنتاج داخل لبنان. وبالتالي، فإن هذا الواقع ينعكس ارتفاعًا عامًا في الأسعار. انطلاقًا من ذلك، من المتوقع أن تشهد الأسواق اللبنانية موجة جديدة من الغلاء خلال هذه المرحلة، بحيث يشكّل ارتفاع الأسعار إحدى النتائج الاقتصادية المباشرة للتوترات والحرب الدائرة في الخليج”.
كلفة الحرب
في المقابل، يبقى “هناك شق آخر من التداعيات الاقتصادية، يرتبط باحتمال توسّع دائرة المواجهة وتأثير انخراط لبنان في المعركة على الوضع الاقتصادي الداخلي، وهو ما يفتح الباب أمام انعكاسات إضافية على الأسواق والقطاعات المختلفة”.
في المحصّلة، يرى مارديني أن “الحرب تؤدي إلى تحميل الاقتصاد كلفة إضافية كبيرة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وإذا كان ارتفاع الأسعار أحد الانعكاسات غير المباشرة للحرب، فإن الكلفة المباشرة تظهر في عدّة جوانب أساسية”.
أول هذه الجوانب، -حسب مارديني- “كلفة الدمار التي تخلّفها الحروب. ففي الحرب السابقة قُدّرت كلفة الأضرار بنحو سبعة مليارات دولار، وقد تركز الجزء الأكبر منها في دمار المنازل والبنية السكنية، إضافة إلى أضرار طالت مؤسسات صناعية وسياحية وزراعية وغيرها من القطاعات الإنتاجية”.
يردف قائلًا: “أمّا الكلفة الثانية فهي كلفة التوقف عن العمل والإنتاج. فمع نزوح عدد كبير من السكان من المناطق المتضرّرة، ولا سيّما من الجنوب، يتوقف العديد من العاملين عن ممارسة أعمالهم، ما يؤدّي إلى تراجع الإنتاجية الاقتصادية. كما أن هذا التراجع لا يقتصر على المناطق المتضرّرة مباشرة، بل يمتدّ أيضًا إلى المناطق الأخرى والمجتمعات المضيفة، حيث تتباطأ الحركة الاقتصادية بشكل عام. كذلك تتأثر قطاعات أساسية في الاقتصاد اللبناني، وفي مقدّمها قطاع السياحة، إذ يعتمد لبنان إلى حدّ كبير على هذا القطاع في إدخال العملات الصعبة إلى البلاد. ومع تراجع حركة السفر وانخفاض نشاط مطار رفيق الحريري الدولي، تتقلّص الإيرادات السياحية بشكل ملحوظ”.
يضيف: “كما ينعكس الوضع الأمني على مختلف القطاعات الإنتاجية، بما فيها الصناعة والتجارة والخدمات، حيث تنخفض وتيرة العمل وتراجع الإنتاجية العامة للاقتصاد. وبحسب التقديرات المرتبطة بالحرب السابقة، بلغت كلفة التوقف عن العمل والنشاط الاقتصادي نحو سبعة مليارات دولار إضافية. وعند جمع هذه الكلفة مع كلفة الدمار، يصل مجموع الخسائر إلى ما يُقارب 14 مليار دولار”.
وهنا يرى مارديني أن “هذه الأرقام تكتسب أهمية كبرى عند مقارنتها بحجم المالية العامة في لبنان، إذ إن مجمل إنفاق الدولة اليوم لا يتجاوز نحو 6 مليارات دولار سنويًا، ما يعني أن كلفة الحرب تفوق بكثير قدرة الاقتصاد والمالية العامة على تحمّلها”.
وفي هذا السياق، يلفت مارديني إلى أن “كلفة إعادة إعمار الأضرار الناتجة عن الحرب السابقة قُدِّرت بنحو 11 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الأعباء التي يفرضها الدمار على الاقتصاد وعلى المجتمع ككل. فإعادة بناء المنازل والمؤسسات والبنى المتضررة تتطلب موارد مالية كبيرة في وقت يعاني فيه الاقتصاد أساسًا من ضغوط حادّة”.
لذلك، فإن “مُجمل كلفة الحرب، بين الدمار المباشر، وتوقف النشاط الاقتصادي، وإعادة الإعمار، يجعل أي مواجهة عسكرية عبئًا باهظًا على الاقتصاد اللبناني وعلى قدرة المجتمع على التعافي في المديين القصير والمتوسط”، وفق ما يشير مارديني.
سعر صرف الليرة
لا يغفل مارديني مسألة “استقرار سعر الصرف”، حيث يلفت إلى أنه “من بين المخاطر الأساسية الأخرى التي قد تبرز في ظلّ الحرب، مسألة استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية. فمنذ الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019، شهد سعر الصرف مرحلة من الاستقرار النسبي في الفترة الأخيرة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تراجع العجز في الموازنة العامة. فالإيرادات الضريبية التي تجبيها الدولة كانت تُحوَّل إلى مصرف لبنان، في حين أن مستوى الإنفاق بقي محدودًا نسبيًا، الأمر الذي ساهم في تخفيف الضغوط على سعر الصرف”.
يُتابع: “غير أن استمرار الحرب قد يغيّر هذه المعادلة. ففي حال تراجع النشاط الاقتصادي، ستنخفض قدرة الدولة على جباية الضرائب، ما يؤدي إلى تراجع الإيرادات العامة. وفي المقابل، سترتفع النفقات نتيجة متطلبات الطوارئ، من معالجة تداعيات النزوح إلى إزالة الركام وتغطية الاحتياجات الطارئة. هذا الواقع قد يعيد ظهور عجز في الموازنة العامة. والسؤال الأساسي في هذه الحالة يصبح: كيف سيتمّ تمويل هذا العجز؟ فلبنان يعاني أساسًا من عبء دين مرتفع، كما أن القطاع المصرفي لم يعد قادرًا على تمويل الدولة كما كان في السابق، ما قد يدفع الحكومة إلى اللجوء مجددًا إلى المصرف المركزي”.
ولكن مارديني يلفت إلى أن “مناخ الحرب قد يؤدّي إلى زيادة الطلب على الدولار، إذ يميل المواطنون في مثل هذه الظروف إلى تحويل مدخراتهم من الليرة إلى العملات الأجنبية تحسبًا للمخاطر. وبذلك يرتفع الطلب على الدولار من جهتين: من جهة الدولة التي قد تحتاج إلى التمويل، ومن جهة الأفراد الذين يسعون إلى حماية مدخراتهم. وهذا الأمر قد يشكّل ضغطًا إضافيًا على سعر صرف الليرة”.
انطلاقًا من ذلك، يرى مارديني ضرورة طرح “الانتقال إلى نظام نقدي مختلف يُعرف باسم Currency Board أو مجلس النقد. هذا النظام يساهم في استقرار سعر صرف الليرة في هذه الفترة الصعبة”.
في المحصّلة، أي انخراط أوسع لـ “حزب اللّه” في الحرب لا يهدّد لبنان أمنيًا فقط، بل يضع الاقتصاد بأكمله على حافة الانهيار. الدمار المباشر، وتوقف النشاط الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، وضغوط على سعر صرف الليرة، كل هذه العوامل تتضافر لتخلق دوامة خسائر هائلة قد تفوق قدرة الدولة والمجتمع على التحمّل. لبنان اليوم يقف أمام مفترق حقيقيّ: كلّ يوم من التصعيد يعني أعباء مالية جديدة، وكلّ تأخير في اتخاذ السياسات الاقتصادية الصحيحة يزيد هشاشة الاقتصاد ويضاعف معاناة المواطنين.
فاتورة اقتصادية ضخمة تتجاوز قدرة لبنان.. حرب “الحزب” تفتح أبواب الخسائر الكبرى

دخول “حزب اللّه” في الحرب لا يُشكّل مجرّد تصعيد عسكري محدود، بل يُمثل قنبلة موقوتة تهدّد الاقتصاد اللبناني بكارثة حقيقية. لبنان الذي يكاد يتعافى بصعوبة من أزمات مالية هي الأشدّ في تاريخه، قد يجد نفسه فجأة أمام خسائر مباشرة بالمليارات. منازل ومؤسّسات صناعية وزراعية وسياحية مدمّرة، قطاعات إنتاجية متوقفة، وشلل كامل في الأنشطة الاقتصادية في المناطق المتضرّرة وغير المتضرّرة على حدّ سواء، كلّها عوامل تجعل الاقتصاد يترنح تحت وطأة هذا التصعيد.
لا يقتصر تأثير الحرب على الدمار المباشر، بل يمتدّ ليشمل الاقتصاد بأكمله. ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا يرفع كلفة النقل والشحن، ويضاعف أسعار السلع المستوردة التي تشكّل الجزء الأكبر من الاستهلاك المحلّي. كلّ زيادة في كلفة المحروقات تنعكس فورًا على حركة النقل، وعلى تكلفة الإنتاج المحلّي، وحتى على الخدمات الأساسية، ما يجعل كلّ شيء أغلى وأسعار المواد الاستهلاكية في ارتفاع مستمرّ. مع توقف النشاط الاقتصادي في مناطق النزاع ونزوح السكان، تتأثر السياحة بشكل حادّ، وتتقلّص تحويلات العملات الصعبة، ما يزيد من الضغط على قدرة الدولة على تغطية نفقاتها الطارئة.
على المستوى المالي، الوضع أكثر هشاشة وخطورة. تراجع الإيرادات العامة وارتفاع الإنفاق الطارئ نتيجة النزوح وإزالة الركام والخدمات الطارئة، كلّ هذا يعيد لبنان إلى دوّامة العجز المالي. ومع ارتفاع الطلب على الدولار من المواطنين والمؤسّسات والحكومة نفسها، يزداد الضغط على سعر صرف الليرة اللبنانية، في هذا السياق، أي خطأ في السياسات الاقتصادية أو محاولة كبح الأسعار بشكل مصطنع يمكن أن يؤدّي إلى أزمة محروقات حقيقية وانهيار في الأسواق، ليس نتيجة الحرب وحدها، بل نتيجة سياسات خاطئة تقترن بالتوتر الأمني.
باختصار، انخراط “حزب اللّه” في الحرب يضع لبنان أمام مزيج قاتل من الدمار، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع الأسعار، واضطرابات نقدية، وهو ما قد يحوّل البلد إلى ساحة مواجهة اقتصادية بامتياز، حيث كلّ يوم إضافي من الصراع يعني مزيدًا من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، ويُقرّب لبنان أكثر من أزمة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
النفط
في إطار الحديث عن تداعيات الحرب، يشير الخبير الاقتصادي د. باتريك مارديني لـ “نداء الوطن”، إلى أنه “في ضوء التطوّرات الأمنية الراهنة تنقسم الخسائر الناتجة عن الحرب إلى شقين أساسيّين: الأول مرتبط بالحرب الدائرة في الخليج وانعكاساتها على أسعار النفط العالمية، والثاني مرتبط بالوضع الأمني في لبنان. في ما يتعلّق بالشق الأول، من الطبيعي أن تؤثر التوترات في منطقة الخليج على سوق النفط العالمية، ولا سيّما مع ما تشهده حركة الملاحة في مضيق هرمز من صعوبات. إذ يمرّ عبر هذا المضيق نحو 22 في المئة من إمدادات النفط في العالم، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملًا مؤثرًا في توازن العرض والطلب العالميين، وبالتالي في ارتفاع أسعار النفط”.
يتابع: “إلّا أن لبنان لا يستورد محروقاته مباشرة عبر مضيق هرمز، ما يعني أن سلسلة الإمدادات الخاصة به لا تتأثر بشكل مباشر بهذه التطوّرات. فمعظم المحروقات التي يستوردها لبنان تأتي من منطقة حوض البحر المتوسط، ولا سيّما من مصافي التكرير الموجودة في اليونان وتركيا وقبرص، حيث يتمّ استيراد النفط الخام وتكريره هناك قبل إعادة تصديره إلى عدد من الدول، من بينها لبنان. وفي بعض الحالات، يتمّ أيضًا الاستيراد من دول في شمال أفريقيا. أمّا في ما يتعلّق بالنفط العراقي الذي يُتداول الحديث عنه في سياق تغذية معامل الكهرباء، فإن لبنان لا يتسلّم النفط مباشرة من العراق، بل يتمّ العمل بآلية تُعرف بنظام “السواب”، حيث يُسلَّم النفط العراقي ليُباع في الأسواق العالمية، في حين يقوم لبنان بشراء نفط آخر من أسواق حوض المتوسط يكون ملائمًا لمصافي التكرير، ومن ثمّ يُستورد إلى البلاد”.
بناءً على ذلك، يرى مارديني أنه “لا يظهر في الوقت الراهن خطر مباشر على سلسلة إمدادات المحروقات إلى لبنان. إلّا أن الارتفاع الذي تشهده أسعار النفط العالمية نتيجة التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وصعوبة حركة ناقلات النفط قد ينعكس بطبيعة الحال على أسعار المحروقات في السوق اللبنانية”.
وإذ يؤكد أنه “لا توجد في الوقت الراهن مؤشرات جدية على خطر انقطاع المحروقات من السوق اللبنانية، إلّا أن من الطبيعي أن ترتفع أسعارها في ظلّ الارتفاع الذي تشهده أسعار النفط عالميًا. فالمشكلة لا تكمن في توافر الإمدادات بحدّ ذاتها، بل في طريقة تسعيرها في السوق المحلّية”.
إلّا أن مارديني يُرجّح أن “يظهر الخطر الفعلي في حال قرّرت الدولة اللبنانية تسعير المحروقات بأقلّ من سعر كلفتها الفعلية. ففي هذه الحالة، قد تمتنع الشركات المستوردة عن الاستيراد لأن الأسعار المفروضة لا تغطي الكلفة، ما يؤدي عندها إلى نشوء أزمة في السوق. وبالتالي، فإن إبقاء الأسعار أدنى من سعر السوق العالمية قد يخلق نقصًا في الإمدادات”.
وهنا يلفت إلى أن “هذه التجربة سبق أن شهدها لبنان خلال فترة سياسة الدعم، حين كانت الدولة تسعّر المحروقات بأقل من سعرها الحقيقي في الأسواق العالمية، ما أدّى في حينه إلى اختلال في السوق وانقطاع المحروقات في مراحل معيّنة”.
إلّا أن “المؤشرات الحالية توحي بأن الحكومة تدرك هذه التجربة، وبالتالي من غير المرجح أن تعود إلى اعتماد تسعير أدنى من الكلفة الفعلية. لذلك، من المتوقع أن تواكب الأسعار المحلية الارتفاع العالمي، الأمر الذي يقلّل من احتمالات حدوث أزمة في الإمدادات”، وفق ما يلفت مارديني.
أما في ما يتعلّق بالشق السياسي، فيرى مارديني أن “احتمال حصول حصار كامل على لبنان يبقى مرتبطًا بالخيارات السياسية والدبلوماسية. غير أن المقاربة الحالية تبدو قائمة على محاولة الحكومة تحييد لبنان قدر الإمكان عن احتمال الحصار الكامل، وهو عامل إضافي قد يخفف احتمالات حصول انقطاع في المحروقات”.
وبكلام آخر، يوضح أنه “إذا تُركت الأسعار لتواكب ارتفاعها الطبيعي وفق كلفة الاستيراد، فمن غير المتوقع أن تنقطع المحروقات. أمّا إذا جرى كبح الأسعار بشكل مصطنع، فقد يؤدّي ذلك إلى أزمة في السوق”.
وفي هذا الصدد، يتطرّق مارديني إلى شق بالغ الأهمية وهو “غلاء الأسعار”، حيث يلفت إلى أن “تأثير ارتفاع أسعار المحروقات لا يقتصر على هذا القطاع وحده، بل يمتدّ ليطول مجمل الأسعار في السوق اللبنانية. فلبنان يعتمد إلى حدّ كبير على الاستيراد لتأمين معظم السلع الاستهلاكية، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار المحروقات ينعكس تلقائيًا على كلفة النقل والشحن”، موضحًا أن “مع ارتفاع أسعار المحروقات ترتفع أيضًا كلفة نقل البضائع وكلفة الشحن البحري، إضافة إلى ارتفاع أسعار التأمين على الحاويات والبضائع. وهذا الأمر يؤدّي عمليًا إلى زيادة كلفة السلع المستوردة التي تشكّل الجزء الأكبر من استهلاك السوق اللبنانية”.
يضيف: “لا يقتصر التأثير على السلع المستوردة فقط، بل يطول أيضًا الإنتاج المحلّي، إذ إن ارتفاع كلفة المحروقات يرفع كلفة النقل والتشغيل والإنتاج داخل لبنان. وبالتالي، فإن هذا الواقع ينعكس ارتفاعًا عامًا في الأسعار. انطلاقًا من ذلك، من المتوقع أن تشهد الأسواق اللبنانية موجة جديدة من الغلاء خلال هذه المرحلة، بحيث يشكّل ارتفاع الأسعار إحدى النتائج الاقتصادية المباشرة للتوترات والحرب الدائرة في الخليج”.
كلفة الحرب
في المقابل، يبقى “هناك شق آخر من التداعيات الاقتصادية، يرتبط باحتمال توسّع دائرة المواجهة وتأثير انخراط لبنان في المعركة على الوضع الاقتصادي الداخلي، وهو ما يفتح الباب أمام انعكاسات إضافية على الأسواق والقطاعات المختلفة”.
في المحصّلة، يرى مارديني أن “الحرب تؤدي إلى تحميل الاقتصاد كلفة إضافية كبيرة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وإذا كان ارتفاع الأسعار أحد الانعكاسات غير المباشرة للحرب، فإن الكلفة المباشرة تظهر في عدّة جوانب أساسية”.
أول هذه الجوانب، -حسب مارديني- “كلفة الدمار التي تخلّفها الحروب. ففي الحرب السابقة قُدّرت كلفة الأضرار بنحو سبعة مليارات دولار، وقد تركز الجزء الأكبر منها في دمار المنازل والبنية السكنية، إضافة إلى أضرار طالت مؤسسات صناعية وسياحية وزراعية وغيرها من القطاعات الإنتاجية”.
يردف قائلًا: “أمّا الكلفة الثانية فهي كلفة التوقف عن العمل والإنتاج. فمع نزوح عدد كبير من السكان من المناطق المتضرّرة، ولا سيّما من الجنوب، يتوقف العديد من العاملين عن ممارسة أعمالهم، ما يؤدّي إلى تراجع الإنتاجية الاقتصادية. كما أن هذا التراجع لا يقتصر على المناطق المتضرّرة مباشرة، بل يمتدّ أيضًا إلى المناطق الأخرى والمجتمعات المضيفة، حيث تتباطأ الحركة الاقتصادية بشكل عام. كذلك تتأثر قطاعات أساسية في الاقتصاد اللبناني، وفي مقدّمها قطاع السياحة، إذ يعتمد لبنان إلى حدّ كبير على هذا القطاع في إدخال العملات الصعبة إلى البلاد. ومع تراجع حركة السفر وانخفاض نشاط مطار رفيق الحريري الدولي، تتقلّص الإيرادات السياحية بشكل ملحوظ”.
يضيف: “كما ينعكس الوضع الأمني على مختلف القطاعات الإنتاجية، بما فيها الصناعة والتجارة والخدمات، حيث تنخفض وتيرة العمل وتراجع الإنتاجية العامة للاقتصاد. وبحسب التقديرات المرتبطة بالحرب السابقة، بلغت كلفة التوقف عن العمل والنشاط الاقتصادي نحو سبعة مليارات دولار إضافية. وعند جمع هذه الكلفة مع كلفة الدمار، يصل مجموع الخسائر إلى ما يُقارب 14 مليار دولار”.
وهنا يرى مارديني أن “هذه الأرقام تكتسب أهمية كبرى عند مقارنتها بحجم المالية العامة في لبنان، إذ إن مجمل إنفاق الدولة اليوم لا يتجاوز نحو 6 مليارات دولار سنويًا، ما يعني أن كلفة الحرب تفوق بكثير قدرة الاقتصاد والمالية العامة على تحمّلها”.
وفي هذا السياق، يلفت مارديني إلى أن “كلفة إعادة إعمار الأضرار الناتجة عن الحرب السابقة قُدِّرت بنحو 11 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الأعباء التي يفرضها الدمار على الاقتصاد وعلى المجتمع ككل. فإعادة بناء المنازل والمؤسسات والبنى المتضررة تتطلب موارد مالية كبيرة في وقت يعاني فيه الاقتصاد أساسًا من ضغوط حادّة”.
لذلك، فإن “مُجمل كلفة الحرب، بين الدمار المباشر، وتوقف النشاط الاقتصادي، وإعادة الإعمار، يجعل أي مواجهة عسكرية عبئًا باهظًا على الاقتصاد اللبناني وعلى قدرة المجتمع على التعافي في المديين القصير والمتوسط”، وفق ما يشير مارديني.
سعر صرف الليرة
لا يغفل مارديني مسألة “استقرار سعر الصرف”، حيث يلفت إلى أنه “من بين المخاطر الأساسية الأخرى التي قد تبرز في ظلّ الحرب، مسألة استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية. فمنذ الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019، شهد سعر الصرف مرحلة من الاستقرار النسبي في الفترة الأخيرة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تراجع العجز في الموازنة العامة. فالإيرادات الضريبية التي تجبيها الدولة كانت تُحوَّل إلى مصرف لبنان، في حين أن مستوى الإنفاق بقي محدودًا نسبيًا، الأمر الذي ساهم في تخفيف الضغوط على سعر الصرف”.
يُتابع: “غير أن استمرار الحرب قد يغيّر هذه المعادلة. ففي حال تراجع النشاط الاقتصادي، ستنخفض قدرة الدولة على جباية الضرائب، ما يؤدي إلى تراجع الإيرادات العامة. وفي المقابل، سترتفع النفقات نتيجة متطلبات الطوارئ، من معالجة تداعيات النزوح إلى إزالة الركام وتغطية الاحتياجات الطارئة. هذا الواقع قد يعيد ظهور عجز في الموازنة العامة. والسؤال الأساسي في هذه الحالة يصبح: كيف سيتمّ تمويل هذا العجز؟ فلبنان يعاني أساسًا من عبء دين مرتفع، كما أن القطاع المصرفي لم يعد قادرًا على تمويل الدولة كما كان في السابق، ما قد يدفع الحكومة إلى اللجوء مجددًا إلى المصرف المركزي”.
ولكن مارديني يلفت إلى أن “مناخ الحرب قد يؤدّي إلى زيادة الطلب على الدولار، إذ يميل المواطنون في مثل هذه الظروف إلى تحويل مدخراتهم من الليرة إلى العملات الأجنبية تحسبًا للمخاطر. وبذلك يرتفع الطلب على الدولار من جهتين: من جهة الدولة التي قد تحتاج إلى التمويل، ومن جهة الأفراد الذين يسعون إلى حماية مدخراتهم. وهذا الأمر قد يشكّل ضغطًا إضافيًا على سعر صرف الليرة”.
انطلاقًا من ذلك، يرى مارديني ضرورة طرح “الانتقال إلى نظام نقدي مختلف يُعرف باسم Currency Board أو مجلس النقد. هذا النظام يساهم في استقرار سعر صرف الليرة في هذه الفترة الصعبة”.
في المحصّلة، أي انخراط أوسع لـ “حزب اللّه” في الحرب لا يهدّد لبنان أمنيًا فقط، بل يضع الاقتصاد بأكمله على حافة الانهيار. الدمار المباشر، وتوقف النشاط الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، وضغوط على سعر صرف الليرة، كل هذه العوامل تتضافر لتخلق دوامة خسائر هائلة قد تفوق قدرة الدولة والمجتمع على التحمّل. لبنان اليوم يقف أمام مفترق حقيقيّ: كلّ يوم من التصعيد يعني أعباء مالية جديدة، وكلّ تأخير في اتخاذ السياسات الاقتصادية الصحيحة يزيد هشاشة الاقتصاد ويضاعف معاناة المواطنين.





