بماذا سيختلف وقف إطلاق النار المقبل عمّا سبقه؟

تُظهر التجارب السابقة أن كلّ وقفٍ لإطلاق النار في لبنان لم يكن نهايةً للحرب بقدر ما كان استراحةً بينها. لكن الظروف التي تحيط بالحرب الحالية تجعل أيّ وقفٍ مستقبلي لإطلاق النار مختلفًا جذريًا عمّا سبقه. فالدولة اللبنانية، كما المجتمعان الإقليمي والدولي، تعلّموا من التجارب السابقة، ولم يعد ممكنًا تكرار السيناريو نفسه الذي سمح لـ “حزب الله” بالحفاظ على سلاحه وتعزيزه بعد كل مواجهة.
التجربة الأولى تعود إلى حرب تموز 2006، باعتبار أن مرحلة ما قبلها كانت خاضعة لاحتلال الأسد للبنان، وذلك عندما وافق “حزب الله”، بعد هزيمته العسكرية، على القرار الدولي 1701 الذي نصّ بوضوح على تطبيق القرار 1559، أي نزع سلاحه، ومنع إيران من إدخال السلاح غير الشرعي له، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. غير أن ما حصل لاحقًا كان عكس ذلك تمامًا. فقد انقلب “الحزب” على مضمون القرار، ولم يكن هناك من يتابع تنفيذه بجدية: لا الدولة اللبنانية التي لم تبادر إلى فرضه، ولا المجتمع الدولي الذي لم يسهر فعليًا على تطبيقه، ولا إسرائيل التي أهملت التطبيق. فاستفاد “حزب الله” من هذا الواقع ليحافظ على ترسانته، ويعمل على تعزيزها وتطويرها وتوسيع حضوره العسكري والأمني في الداخل اللبناني.
أما التجربة الثانية فكانت بعد الحرب التي أعلنها “حزب الله” ضد إسرائيل وأطلق عليها تسمية “إسناد غزة”، عندما وافق “الحزب” في 27 تشرين الثاني 2024 على اتفاق لوقف إطلاق النار. هذا الاتفاق، الذي وقع عليه بهدف وقف الضربات الإسرائيلية وخشيته من وصول جيش الدفاع الإسرائيلي إلى الضاحية الجنوبية، نصّ بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية، وحدّد الجهات التي يحق لها حمل السلاح في لبنان، أي القوى الشرعية التابعة للدولة. كما أكد بسط سيادة الدولة وحدها على كامل الأراضي اللبنانية. لكن، كما حصل بعد 2006، عمد “الحزب” إلى تحوير مضمون الاتفاق ومحاولة الالتفاف عليه، تمامًا كما يفعل منذ عقود وسنوات مع اتفاق الطائف، مدّعيًا أنه يشرّع ما يسمّى “المقاومة”، فيما النص واضح في التأكيد على بسط سلطة الدولة وحلّ جميع الميليشيات، وجوهر الاتفاق يقوم على احتكار الدولة وحدها القوة الشرعية. وكل ما يُقال خلاف ذلك ليس سوى تضليل. أما ما سُمّي “المقاومة الإسلامية في لبنان”، فقد استمر سلاحها لا بسبب نص دستوري غير موجود، بل بفعل الاحتلال الأسدي للبنان، واستمر ما بعده بفعل الأمر الواقع.
هذه السوابق جعلت الجميع يدرك أن “حزب الله” يستخدم وقف إطلاق النار وسيلةً للحفاظ على سلاحه وليس لإنهاء الحروب. فهو يفتعل المواجهات، ثم يسعى إلى وقفها عندما تتفاقم كلفتها، مستفيدًا من معاناة المدنيين والتهجير والدمار للضغط على الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي من أجل فرض وقف لإطلاق النار، ليعود بعدها إلى إعادة بناء قوته العسكرية والتحضير لجولة جديدة.
لكن الحرب الحالية تختلف عن كل ما سبق. فـ “حرب الإسناد” التي فتحها “الحزب”، على خلفية عملية 7 تشرين الأول 2023، أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من الصراع. ولم تعد إسرائيل، كما المجتمع الدولي، مستعدة للتعامل مع “حزب الله” وفق قواعد الاشتباك القديمة أو منطق تبادل الضربات المحدودة. فالمقاربة السائدة اليوم تقوم على حسم هذا الاشتباك لا إدارته، وإنهائه لا تأجيله.
المشكلة أن “حزب الله” لم يدرك بعد هذا التحول. فهو ما زال يحاول إقناع إسرائيل والمجتمع الدولي بأنه يريد العودة إلى ما قبل 7 و8 تشرين الأول، وأنه قادر على ضمان أمن سكان شمالي إسرائيل إذا توقفت الحرب. غير أن هذه المعادلة لم تعد مقبولة. فالتجارب السابقة أثبتت أن أي وقفٍ لإطلاق النار لا يترافق مع معالجة جذرية لمشكلة السلاح غير الشرعي يتحول سريعًا إلى مقدمة لحرب جديدة مع تنظيم يتحرّك أيديولوجيًا ويُدار من طهران.
ومن هنا يختلف المشهد اليوم على ثلاثة مستويات أساسية:
أولًا، الدولة اللبنانية نفسها اتخذت مسارًا مختلفًا هذه المرة. فقد أصدرت الحكومة قرارًا واضحًا في 5 آب يقضي بنزع السلاح غير الشرعي، ثم عادت في 2 آذار لتقرّر حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ “الحزب” وتعطيل بنيته المسلحة. وهذه المرة لا يمكن لأي وقف لإطلاق النار أن يتجاهل هذا المسار الذي يهدف إلى إعادة احتكار الدولة للسلاح والقرار السيادي، فضلًا عن إبداء استعدادها للتفاوض المباشر مع إسرائيل، ما يعني إسقاط السلاح من خلال القرار الحكومي، وإسقاط الذريعة عبر تأكيد الدولة أنها لا تريد مواجهة إسرائيل.
ثانيًا، إسرائيل لم تعد مستعدة لوقف الحرب من دون ضمانات حقيقية تمنع تكرار التجربة السابقة. فهدفها هذه المرة ليس مجرد وقف العمليات العسكرية، بل التأكد من أن وقف إطلاق النار سيؤدي إلى إزالة التهديد العسكري الذي يشكله “الحزب”، بحيث لا يعود لبنان منصةً لاستهدافها. وبالتالي لن توقف حربها قبل القضاء على “الحزب نهائيًا”، والتأكد من أن الدولة اللبنانية تسيطر فعليًا على الأرض.
ثالثًا، المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة والدول الغربية والعربية، لم يعد مستعدًا للتساهل كما حصل في الماضي. فهذه الدول تدرك أن بقاء سلاح “حزب الله” يعني إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للمواجهة الإيرانية مع إسرائيل، وهو ما تريد هذه الدول وضع حد له نهائيًا.
إلى جانب كل ذلك، هناك عامل داخلي لا يقل أهمية: فمعظم اللبنانيين باتوا يريدون أن تكون هذه الحرب الأخيرة نهايةً لسلسلة الحروب التي فُرضت عليهم منذ عقود. فلبنان لم يعد قادرًا على تحمّل حروب متكررة تُفتعل باسم قضايا إقليمية لا علاقة له بها.
لذلك، فإن وقف إطلاق النار المقبل لن يكون، كما في السابق، مجرد هدنة موقتة، بل يُراد له أن يكون مدخلًا لإنهاء سبب الحروب نفسها، أي السلاح الخارج عن سلطة الدولة. وبمعنى أوضح، لن تتوقف هذه الحرب قبل نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك تنظيمه العسكري والأمني، وقبل أن تضمن الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي أن وقفها هذه المرة سيؤدي فعليًا إلى استعادة الدولة دورها الكامل وبسط سيادتها على جميع أراضيها، بحيث لا يبقى لبنان بعد اليوم ساحةً لحروب الآخرين.
بماذا سيختلف وقف إطلاق النار المقبل عمّا سبقه؟

تُظهر التجارب السابقة أن كلّ وقفٍ لإطلاق النار في لبنان لم يكن نهايةً للحرب بقدر ما كان استراحةً بينها. لكن الظروف التي تحيط بالحرب الحالية تجعل أيّ وقفٍ مستقبلي لإطلاق النار مختلفًا جذريًا عمّا سبقه. فالدولة اللبنانية، كما المجتمعان الإقليمي والدولي، تعلّموا من التجارب السابقة، ولم يعد ممكنًا تكرار السيناريو نفسه الذي سمح لـ “حزب الله” بالحفاظ على سلاحه وتعزيزه بعد كل مواجهة.
التجربة الأولى تعود إلى حرب تموز 2006، باعتبار أن مرحلة ما قبلها كانت خاضعة لاحتلال الأسد للبنان، وذلك عندما وافق “حزب الله”، بعد هزيمته العسكرية، على القرار الدولي 1701 الذي نصّ بوضوح على تطبيق القرار 1559، أي نزع سلاحه، ومنع إيران من إدخال السلاح غير الشرعي له، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. غير أن ما حصل لاحقًا كان عكس ذلك تمامًا. فقد انقلب “الحزب” على مضمون القرار، ولم يكن هناك من يتابع تنفيذه بجدية: لا الدولة اللبنانية التي لم تبادر إلى فرضه، ولا المجتمع الدولي الذي لم يسهر فعليًا على تطبيقه، ولا إسرائيل التي أهملت التطبيق. فاستفاد “حزب الله” من هذا الواقع ليحافظ على ترسانته، ويعمل على تعزيزها وتطويرها وتوسيع حضوره العسكري والأمني في الداخل اللبناني.
أما التجربة الثانية فكانت بعد الحرب التي أعلنها “حزب الله” ضد إسرائيل وأطلق عليها تسمية “إسناد غزة”، عندما وافق “الحزب” في 27 تشرين الثاني 2024 على اتفاق لوقف إطلاق النار. هذا الاتفاق، الذي وقع عليه بهدف وقف الضربات الإسرائيلية وخشيته من وصول جيش الدفاع الإسرائيلي إلى الضاحية الجنوبية، نصّ بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية، وحدّد الجهات التي يحق لها حمل السلاح في لبنان، أي القوى الشرعية التابعة للدولة. كما أكد بسط سيادة الدولة وحدها على كامل الأراضي اللبنانية. لكن، كما حصل بعد 2006، عمد “الحزب” إلى تحوير مضمون الاتفاق ومحاولة الالتفاف عليه، تمامًا كما يفعل منذ عقود وسنوات مع اتفاق الطائف، مدّعيًا أنه يشرّع ما يسمّى “المقاومة”، فيما النص واضح في التأكيد على بسط سلطة الدولة وحلّ جميع الميليشيات، وجوهر الاتفاق يقوم على احتكار الدولة وحدها القوة الشرعية. وكل ما يُقال خلاف ذلك ليس سوى تضليل. أما ما سُمّي “المقاومة الإسلامية في لبنان”، فقد استمر سلاحها لا بسبب نص دستوري غير موجود، بل بفعل الاحتلال الأسدي للبنان، واستمر ما بعده بفعل الأمر الواقع.
هذه السوابق جعلت الجميع يدرك أن “حزب الله” يستخدم وقف إطلاق النار وسيلةً للحفاظ على سلاحه وليس لإنهاء الحروب. فهو يفتعل المواجهات، ثم يسعى إلى وقفها عندما تتفاقم كلفتها، مستفيدًا من معاناة المدنيين والتهجير والدمار للضغط على الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي من أجل فرض وقف لإطلاق النار، ليعود بعدها إلى إعادة بناء قوته العسكرية والتحضير لجولة جديدة.
لكن الحرب الحالية تختلف عن كل ما سبق. فـ “حرب الإسناد” التي فتحها “الحزب”، على خلفية عملية 7 تشرين الأول 2023، أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من الصراع. ولم تعد إسرائيل، كما المجتمع الدولي، مستعدة للتعامل مع “حزب الله” وفق قواعد الاشتباك القديمة أو منطق تبادل الضربات المحدودة. فالمقاربة السائدة اليوم تقوم على حسم هذا الاشتباك لا إدارته، وإنهائه لا تأجيله.
المشكلة أن “حزب الله” لم يدرك بعد هذا التحول. فهو ما زال يحاول إقناع إسرائيل والمجتمع الدولي بأنه يريد العودة إلى ما قبل 7 و8 تشرين الأول، وأنه قادر على ضمان أمن سكان شمالي إسرائيل إذا توقفت الحرب. غير أن هذه المعادلة لم تعد مقبولة. فالتجارب السابقة أثبتت أن أي وقفٍ لإطلاق النار لا يترافق مع معالجة جذرية لمشكلة السلاح غير الشرعي يتحول سريعًا إلى مقدمة لحرب جديدة مع تنظيم يتحرّك أيديولوجيًا ويُدار من طهران.
ومن هنا يختلف المشهد اليوم على ثلاثة مستويات أساسية:
أولًا، الدولة اللبنانية نفسها اتخذت مسارًا مختلفًا هذه المرة. فقد أصدرت الحكومة قرارًا واضحًا في 5 آب يقضي بنزع السلاح غير الشرعي، ثم عادت في 2 آذار لتقرّر حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ “الحزب” وتعطيل بنيته المسلحة. وهذه المرة لا يمكن لأي وقف لإطلاق النار أن يتجاهل هذا المسار الذي يهدف إلى إعادة احتكار الدولة للسلاح والقرار السيادي، فضلًا عن إبداء استعدادها للتفاوض المباشر مع إسرائيل، ما يعني إسقاط السلاح من خلال القرار الحكومي، وإسقاط الذريعة عبر تأكيد الدولة أنها لا تريد مواجهة إسرائيل.
ثانيًا، إسرائيل لم تعد مستعدة لوقف الحرب من دون ضمانات حقيقية تمنع تكرار التجربة السابقة. فهدفها هذه المرة ليس مجرد وقف العمليات العسكرية، بل التأكد من أن وقف إطلاق النار سيؤدي إلى إزالة التهديد العسكري الذي يشكله “الحزب”، بحيث لا يعود لبنان منصةً لاستهدافها. وبالتالي لن توقف حربها قبل القضاء على “الحزب نهائيًا”، والتأكد من أن الدولة اللبنانية تسيطر فعليًا على الأرض.
ثالثًا، المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة والدول الغربية والعربية، لم يعد مستعدًا للتساهل كما حصل في الماضي. فهذه الدول تدرك أن بقاء سلاح “حزب الله” يعني إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للمواجهة الإيرانية مع إسرائيل، وهو ما تريد هذه الدول وضع حد له نهائيًا.
إلى جانب كل ذلك، هناك عامل داخلي لا يقل أهمية: فمعظم اللبنانيين باتوا يريدون أن تكون هذه الحرب الأخيرة نهايةً لسلسلة الحروب التي فُرضت عليهم منذ عقود. فلبنان لم يعد قادرًا على تحمّل حروب متكررة تُفتعل باسم قضايا إقليمية لا علاقة له بها.
لذلك، فإن وقف إطلاق النار المقبل لن يكون، كما في السابق، مجرد هدنة موقتة، بل يُراد له أن يكون مدخلًا لإنهاء سبب الحروب نفسها، أي السلاح الخارج عن سلطة الدولة. وبمعنى أوضح، لن تتوقف هذه الحرب قبل نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك تنظيمه العسكري والأمني، وقبل أن تضمن الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي أن وقفها هذه المرة سيؤدي فعليًا إلى استعادة الدولة دورها الكامل وبسط سيادتها على جميع أراضيها، بحيث لا يبقى لبنان بعد اليوم ساحةً لحروب الآخرين.







