بين الدستور والتزوير: هل يقع المجلس الدستوري في الفخ؟

المصدر: نداء الوطن
14 آذار 2026

تواجه الحياة الدستورية في لبنان اختبارًا خطيرًا يتجاوز مجرد خلاف سياسي حول أرقام في الموازنة، ليصل إلى صلب احترام الدستور وآليات الحكم. فالقضية المطروحة اليوم أمام المجلس الدستوري تتعلق بمخالفة دستورية محتملة حصلت عند إقرار قانون موازنة عام 2026، عندما أقدم مجلس النواب على زيادة اعتمادات مالية من دون موافقة مسبقة من مجلس الوزراء، وهو شرط دستوري واضح لا لبس فيه.

بحسب الأصول الدستورية، لا يحق لمجلس النواب إدخال زيادات على مشروع الموازنة إلا بعد موافقة الحكومة عليها. غير أن ما حصل هو أن هذه الزيادات أُقرت من دون أن تكون الحكومة قد وافقت عليها مسبقًا. وعليه، تم الطعن بدستورية القانون أمام المجلس الدستوري، الذي لجأ بدوره إلى مخاطبة الحكومة للاستفسار عمّا إذا كانت قد وافقت على تلك الزيادات قبل صدور القانون.

غير أن المفاجأة تمثلت في جواب الحكومة، إذ أعلنت موافقتها على الزيادات بعد ورود سؤال المجلس الدستوري، وليس قبل صدور القانون. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى: فالموافقة اللاحقة لا يمكن أن تصحح مخالفة دستورية سابقة. بل إن هذا المسار يثير شبهة خطيرة، إذ قد يُعد بمثابة محاولة لتغطية المخالفة عبر إجراء لاحق لا يستند إلى الأسس الدستورية المطلوبة.

والأخطر من ذلك أن الدستور يشترط، في حال إقرار زيادات من هذا النوع، صدور قرار واضح من مجلس الوزراء ضمن محضر جلسة رسمية وبموافقة أكثرية الثلثين. فإذا لم تستطع الحكومة إبراز محضر جلسة يثبت اتخاذ مثل هذا القرار وفق هذه الآلية، فإن الأمر قد يرقى إلى مستوى تزوير سياسي ودستوري يهدف إلى إضفاء شرعية شكلية على إجراء غير دستوري.

إن المجلس الدستوري يقف اليوم أمام لحظة مفصلية. فقراره لن يقتصر على البت في مادة من مواد الموازنة، بل سيحدد أيضًا مدى استقلاليته وقدرته على حماية الدستور من الضغوط السياسية. فإذا قبل المجلس بهذه المعالجة المتأخرة، فإنه يخاطر بفقدان مصداقيته أمام اللبنانيين، وقد يُنظر إليه على أنه خاضع لإملاءات القوى السياسية النافذة.

وتزداد حساسية الملف عندما نعلم أن قسمًا كبيرًا من الزيادات التي أُدخلت على الموازنة خُصص لتمويل جهات مثل مجلس الجنوب ووزارة الصحة وغيرهما من المؤسسات التي تُعتبر، في نظر كثيرين، واقعة تحت نفوذ قوى سياسية محددة، على رأسها “حزب الله” ورئيس مجلس النواب نبيه بري. وهذا ما يعزز الشكوك حول الخلفيات السياسية لهذه الزيادات وأهدافها.

من هنا، فإن قرار المجلس الدستوري لن يكون قرارًا تقنيًا فحسب، بل سيكون بمثابة اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة اللبنانية على احترام قواعدها الدستورية. فإما أن يثبت المجلس أن الدستور ما زال المرجعية العليا التي لا يمكن الالتفاف عليها، وإما أن يؤكد المخاوف من أن ما يُعرف بـ “الدولة العميقة” ما زال قادرًا على فرض إرادته، حتى بمساعدة حكومة تُقدَّم في ظاهرها على أنها حكومة إصلاح.

إن الحفاظ على ما تبقى من ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم الدستورية يتطلب موقفًا واضحًا وحاسمًا: الدستور لا يُصحَّح بأثر رجعي، والمخالفات لا تتحول إلى شرعية بمجرد تبريرها بعد وقوعها. وفي لحظة الانهيار التي يعيشها لبنان، يصبح احترام الدستور ليس ترفًا قانونيًا، بل شرطًا أساسيًا لإنقاذ ما تبقى من الدولة.

بين الدستور والتزوير: هل يقع المجلس الدستوري في الفخ؟

المصدر: نداء الوطن
14 آذار 2026

تواجه الحياة الدستورية في لبنان اختبارًا خطيرًا يتجاوز مجرد خلاف سياسي حول أرقام في الموازنة، ليصل إلى صلب احترام الدستور وآليات الحكم. فالقضية المطروحة اليوم أمام المجلس الدستوري تتعلق بمخالفة دستورية محتملة حصلت عند إقرار قانون موازنة عام 2026، عندما أقدم مجلس النواب على زيادة اعتمادات مالية من دون موافقة مسبقة من مجلس الوزراء، وهو شرط دستوري واضح لا لبس فيه.

بحسب الأصول الدستورية، لا يحق لمجلس النواب إدخال زيادات على مشروع الموازنة إلا بعد موافقة الحكومة عليها. غير أن ما حصل هو أن هذه الزيادات أُقرت من دون أن تكون الحكومة قد وافقت عليها مسبقًا. وعليه، تم الطعن بدستورية القانون أمام المجلس الدستوري، الذي لجأ بدوره إلى مخاطبة الحكومة للاستفسار عمّا إذا كانت قد وافقت على تلك الزيادات قبل صدور القانون.

غير أن المفاجأة تمثلت في جواب الحكومة، إذ أعلنت موافقتها على الزيادات بعد ورود سؤال المجلس الدستوري، وليس قبل صدور القانون. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى: فالموافقة اللاحقة لا يمكن أن تصحح مخالفة دستورية سابقة. بل إن هذا المسار يثير شبهة خطيرة، إذ قد يُعد بمثابة محاولة لتغطية المخالفة عبر إجراء لاحق لا يستند إلى الأسس الدستورية المطلوبة.

والأخطر من ذلك أن الدستور يشترط، في حال إقرار زيادات من هذا النوع، صدور قرار واضح من مجلس الوزراء ضمن محضر جلسة رسمية وبموافقة أكثرية الثلثين. فإذا لم تستطع الحكومة إبراز محضر جلسة يثبت اتخاذ مثل هذا القرار وفق هذه الآلية، فإن الأمر قد يرقى إلى مستوى تزوير سياسي ودستوري يهدف إلى إضفاء شرعية شكلية على إجراء غير دستوري.

إن المجلس الدستوري يقف اليوم أمام لحظة مفصلية. فقراره لن يقتصر على البت في مادة من مواد الموازنة، بل سيحدد أيضًا مدى استقلاليته وقدرته على حماية الدستور من الضغوط السياسية. فإذا قبل المجلس بهذه المعالجة المتأخرة، فإنه يخاطر بفقدان مصداقيته أمام اللبنانيين، وقد يُنظر إليه على أنه خاضع لإملاءات القوى السياسية النافذة.

وتزداد حساسية الملف عندما نعلم أن قسمًا كبيرًا من الزيادات التي أُدخلت على الموازنة خُصص لتمويل جهات مثل مجلس الجنوب ووزارة الصحة وغيرهما من المؤسسات التي تُعتبر، في نظر كثيرين، واقعة تحت نفوذ قوى سياسية محددة، على رأسها “حزب الله” ورئيس مجلس النواب نبيه بري. وهذا ما يعزز الشكوك حول الخلفيات السياسية لهذه الزيادات وأهدافها.

من هنا، فإن قرار المجلس الدستوري لن يكون قرارًا تقنيًا فحسب، بل سيكون بمثابة اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة اللبنانية على احترام قواعدها الدستورية. فإما أن يثبت المجلس أن الدستور ما زال المرجعية العليا التي لا يمكن الالتفاف عليها، وإما أن يؤكد المخاوف من أن ما يُعرف بـ “الدولة العميقة” ما زال قادرًا على فرض إرادته، حتى بمساعدة حكومة تُقدَّم في ظاهرها على أنها حكومة إصلاح.

إن الحفاظ على ما تبقى من ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم الدستورية يتطلب موقفًا واضحًا وحاسمًا: الدستور لا يُصحَّح بأثر رجعي، والمخالفات لا تتحول إلى شرعية بمجرد تبريرها بعد وقوعها. وفي لحظة الانهيار التي يعيشها لبنان، يصبح احترام الدستور ليس ترفًا قانونيًا، بل شرطًا أساسيًا لإنقاذ ما تبقى من الدولة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار