القبول بشروط التفاوض اليوم أفضل من الغد

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
17 آذار 2026

شبّه سياسي لبناني مخضرم سبق له أن حذّر من إدخال لبنان في “لعبة” الكبار”، وضع “حزب الله” اليوم بوضع ذاك، الذي حُكم عليه إمّا بأن يأكل مئة “قرن حرّ”، أو ينال مئة جلدة، أو القبول بما يُفرض عليه من شروط لكي يقبل بأن يجلس على طاولة المفاوضات مع خصمه، وقبوله بتسوية تنهي صراعه التاريخي مع عدّوه، الذي استطاع بفضل قوة عضلاته أن يفرض شروطه.

ما جرى أن هذا المحكوم عليه، ولكي لا “يكسر” كلمته، ويخضع للشروط التفاوضية” اختار أن يأكل المئة “قرن” حرّ. ولكن ما أن وصل إلى “القرن” الخمسين حتى انهارت قواه بعدما “طلعت” عيناه من وجهه، ورفع العشرة، ونادى بأعلى صوته بعدم قدرته على الاستمرار. وذهب إلى خيار الجلدات المئة. وما أن انهال عليه الجلاّد بالضرب حتى صرخ بأعلى صوته “أمان”، وانهار صريعًا على الأرض. وبعدما استرجع بعضًا من قواه قال “لنجلس إلى طاولة المفاوضات، وهي الشرّ الذي لا بدّ منه”. وهكذا وبعدما أكل خمسين “قرن” حر، وذاق مرارة وقساوة الجلدات رأى أن لا بدّ من الجلوس إلى طاولة التسوية، التي عادة ما يفرض شروطها وتوقيتها وظروفها، الذي يعتبر نفسه الأقوى.

هذا ما حصل في حرب تموز 2006، وهذا ما حصل بعد حرب “الاسناد الأولى”، وهذا ما سيحصل حتمًا بعد حرب “الاسناد الثانية”. ولا يتوقع أحد أن يأتي أي اتفاق مستقبلي لوقف إطلاق النار أقل “ذلًا” ومرارة من سابقاته من الاتفاقات، التي لم تكن لمصلحة “حزب الله”، الذي قبل بهذه الشروط غير المنطقية على مضض، حتى وإن انقلب عليها لاحقًا.

إن حال الذين جلسوا في الماضي وسيجلسون في المستقبل إلى طاولة المفاوضات بعد تدمير واسع لقرى جنوبية بأكملها، وبعد سقوط مئات الضحايا وإصابة الألاف بجروح لن تندمل بسرعة وبسهولة، هي تمامًا كحال آكل الحر والمعنّف بجلدات لا ترحم.

وفي رأي هذا السياسي المخضرم أن قبول “حزب الله” بشروط التفاوض، التي يُمكن أن تعرض عليه اليوم، أفضل بكثير من اضطراره للقبول بشروط تفاوضية أكثر قساوة في الغد في حال توافر لهذه المفاوضات أن ترى النور، خصوصًا أن ما تسعى إليه إسرائيل بات واضحًا، وهي لن توقف حربها إلاّ إذا ضمنت أمن حدودها الشمالية. وهذا الأمر لن يتحقّق، كما تدّعي” إلاّ بنزع كامل سلاح “حزب الله” بعدما أصبح كتنظيم مسلح “خارج على القانون” كما صنفته القرارات الحكومية في جلسة 2 آذار.

وإذا كان ميزان القوى في الحروب هو الذي يرسم في النهاية خطوط التسويات، فإن السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين اليوم لم يعد متعلقًا بمن يربح أو يخسر في هذه الحرب العبثية بقدر ما أصبح متعلقًا بمدى قدرة لبنان على تحمّل جولات إضافية من الدمار والنزف البشري والاقتصادي. فالتجارب السابقة أثبتت أن نهاية كل مواجهة تكون عند طاولة المفاوضات، ولكن بعد أثمان باهظة يدفعها البلد وأهله. ولذلك فإن الحكمة، كما يقول هذا السياسي المخضرم، تقضي بأن يُختصر الطريق إلى التسوية قبل أن يتحوّل ما تبقّى من لبنان إلى مجرد أوراق تفاوض إضافية على طاولة الكبار.

في المقابل، فإن “حزب الله” لا يزال يرفض هذا المنطق جملة وتفصيلًا، ويؤكد في أدبياته وخطاب قياداته أن ما يجري ليس حربًا خاسرة كما يصوّرها خصومه، بل هي معركة طويلة تهدف إلى فرض معادلة ردع جديدة مع إسرائيل. ومن وجهة نظره، فإن أي وقف للحرب قبل تحقيق هذا الهدف سيُفسَّر على أنه تراجع تحت الضغط العسكري والسياسي، وهو ما سيمنح إسرائيل فرصة لإعادة فرض شروط غير متوازنة تمسّ بقدرة “المقاومة” على حماية لبنان. ولذلك، فإن قيادات “الحزب”، وفي طليعتهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، يصرّون على التأكيد أن الاستمرار في المواجهة، مهما بلغت كلفته والتضحيات المبذولة، يبقى الطريق الوحيد لانتزاع شروط تفاوضية أفضل لاحقًا، انطلاقًا من قناعة راسخة لديهم بأن إسرائيل، كما في تجارب سابقة، لن تقبل بتسوية إلا عندما تشعر بأن كلفة الحرب أصبحت أعلى من كلفة التفاهم.

وبين استمرار الحرب المتدرّجة في عنفها وضراوتها، وبين الخيارات المتاحة لتحقيق خرق ديبلوماسي في جدار الحرب القائمة، والتي لا تشبه سابقاتها من حيث أهدافها، يُكتب على المواطن اللبناني أن يدفع ثمن هذه الحرب، التي لم يسعَ إليها، ويحاول الخروج منها بأقل أضرار ممكنة. وهذا ما يحاول أن يفعله رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.

القبول بشروط التفاوض اليوم أفضل من الغد

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
17 آذار 2026

شبّه سياسي لبناني مخضرم سبق له أن حذّر من إدخال لبنان في “لعبة” الكبار”، وضع “حزب الله” اليوم بوضع ذاك، الذي حُكم عليه إمّا بأن يأكل مئة “قرن حرّ”، أو ينال مئة جلدة، أو القبول بما يُفرض عليه من شروط لكي يقبل بأن يجلس على طاولة المفاوضات مع خصمه، وقبوله بتسوية تنهي صراعه التاريخي مع عدّوه، الذي استطاع بفضل قوة عضلاته أن يفرض شروطه.

ما جرى أن هذا المحكوم عليه، ولكي لا “يكسر” كلمته، ويخضع للشروط التفاوضية” اختار أن يأكل المئة “قرن” حرّ. ولكن ما أن وصل إلى “القرن” الخمسين حتى انهارت قواه بعدما “طلعت” عيناه من وجهه، ورفع العشرة، ونادى بأعلى صوته بعدم قدرته على الاستمرار. وذهب إلى خيار الجلدات المئة. وما أن انهال عليه الجلاّد بالضرب حتى صرخ بأعلى صوته “أمان”، وانهار صريعًا على الأرض. وبعدما استرجع بعضًا من قواه قال “لنجلس إلى طاولة المفاوضات، وهي الشرّ الذي لا بدّ منه”. وهكذا وبعدما أكل خمسين “قرن” حر، وذاق مرارة وقساوة الجلدات رأى أن لا بدّ من الجلوس إلى طاولة التسوية، التي عادة ما يفرض شروطها وتوقيتها وظروفها، الذي يعتبر نفسه الأقوى.

هذا ما حصل في حرب تموز 2006، وهذا ما حصل بعد حرب “الاسناد الأولى”، وهذا ما سيحصل حتمًا بعد حرب “الاسناد الثانية”. ولا يتوقع أحد أن يأتي أي اتفاق مستقبلي لوقف إطلاق النار أقل “ذلًا” ومرارة من سابقاته من الاتفاقات، التي لم تكن لمصلحة “حزب الله”، الذي قبل بهذه الشروط غير المنطقية على مضض، حتى وإن انقلب عليها لاحقًا.

إن حال الذين جلسوا في الماضي وسيجلسون في المستقبل إلى طاولة المفاوضات بعد تدمير واسع لقرى جنوبية بأكملها، وبعد سقوط مئات الضحايا وإصابة الألاف بجروح لن تندمل بسرعة وبسهولة، هي تمامًا كحال آكل الحر والمعنّف بجلدات لا ترحم.

وفي رأي هذا السياسي المخضرم أن قبول “حزب الله” بشروط التفاوض، التي يُمكن أن تعرض عليه اليوم، أفضل بكثير من اضطراره للقبول بشروط تفاوضية أكثر قساوة في الغد في حال توافر لهذه المفاوضات أن ترى النور، خصوصًا أن ما تسعى إليه إسرائيل بات واضحًا، وهي لن توقف حربها إلاّ إذا ضمنت أمن حدودها الشمالية. وهذا الأمر لن يتحقّق، كما تدّعي” إلاّ بنزع كامل سلاح “حزب الله” بعدما أصبح كتنظيم مسلح “خارج على القانون” كما صنفته القرارات الحكومية في جلسة 2 آذار.

وإذا كان ميزان القوى في الحروب هو الذي يرسم في النهاية خطوط التسويات، فإن السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين اليوم لم يعد متعلقًا بمن يربح أو يخسر في هذه الحرب العبثية بقدر ما أصبح متعلقًا بمدى قدرة لبنان على تحمّل جولات إضافية من الدمار والنزف البشري والاقتصادي. فالتجارب السابقة أثبتت أن نهاية كل مواجهة تكون عند طاولة المفاوضات، ولكن بعد أثمان باهظة يدفعها البلد وأهله. ولذلك فإن الحكمة، كما يقول هذا السياسي المخضرم، تقضي بأن يُختصر الطريق إلى التسوية قبل أن يتحوّل ما تبقّى من لبنان إلى مجرد أوراق تفاوض إضافية على طاولة الكبار.

في المقابل، فإن “حزب الله” لا يزال يرفض هذا المنطق جملة وتفصيلًا، ويؤكد في أدبياته وخطاب قياداته أن ما يجري ليس حربًا خاسرة كما يصوّرها خصومه، بل هي معركة طويلة تهدف إلى فرض معادلة ردع جديدة مع إسرائيل. ومن وجهة نظره، فإن أي وقف للحرب قبل تحقيق هذا الهدف سيُفسَّر على أنه تراجع تحت الضغط العسكري والسياسي، وهو ما سيمنح إسرائيل فرصة لإعادة فرض شروط غير متوازنة تمسّ بقدرة “المقاومة” على حماية لبنان. ولذلك، فإن قيادات “الحزب”، وفي طليعتهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، يصرّون على التأكيد أن الاستمرار في المواجهة، مهما بلغت كلفته والتضحيات المبذولة، يبقى الطريق الوحيد لانتزاع شروط تفاوضية أفضل لاحقًا، انطلاقًا من قناعة راسخة لديهم بأن إسرائيل، كما في تجارب سابقة، لن تقبل بتسوية إلا عندما تشعر بأن كلفة الحرب أصبحت أعلى من كلفة التفاهم.

وبين استمرار الحرب المتدرّجة في عنفها وضراوتها، وبين الخيارات المتاحة لتحقيق خرق ديبلوماسي في جدار الحرب القائمة، والتي لا تشبه سابقاتها من حيث أهدافها، يُكتب على المواطن اللبناني أن يدفع ثمن هذه الحرب، التي لم يسعَ إليها، ويحاول الخروج منها بأقل أضرار ممكنة. وهذا ما يحاول أن يفعله رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار