بعد تعثر «الفرنسية»… أي أمل لنظيرتها «الأممية»؟

لم تضف الإحاطة التي قدّمتها المنسقة الخاصة للامم المتحدة في لبنان جينين هينيس بلاسخارت، عن تداعيات الأعمال العدائية في لبنان إلى مجلس الأمن حول تنفيذ القرار 1701، على معلومات الأمين العام أنطونيو غوتيريش، العائد للتو من زيارته إلى بيروت، عدا عن بعثات الدول ذات العضوية الدائمة. ولكن ما لفت النظر، يكمن في الاتهام المباشر لـ»حزب الله» عن «الحرائق المستعرة في المنطقة، عندما شنّ هجوماً على إسرائيل في الساعات الأولى من 2 آذار، ناشراً بذلك شرارات لا تزال تحرق لبنان». وعليه، كيف يمكن قراءة هذا الموقف الصعب؟
قد يستخف البعض من مضمون أي قرار أو توجُّه يسود في أروقة الأمم المتحدة، التي عجزت في العديد من الدول عن تطبيق قراراتها، بعدما تحوّلت إلى ما يشبه أي منتدى دولي تصدر عنه توصيات تحمل مجموعة من الملاحظات، تتناول خطوات يُقال إنّها «ملزمة»، قبل أن يتبيّن أنّها مجرّد «استشارة» يمكن تنفيذها إن توفّرت القوّة الكافية للمستفيد منها، وإلّا ستدخل أرشيفها من ضمن جدول طويل يجمع باقة من القرارات التي لم ترَ النور على مدى عقود من الزمن.
هذا في المطلق، لكن وأمام مجموعة الحقائق التي انتهت إليها حرب «إسناد إيران»، والنتائج التي ترتبت عليها، حظِيَت المبادرة التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قبل أيام على زيارته إلى لبنان منتصف آذار، بنسبة مقبولة من العناية. فهو وفي ظل الظروف المعقّدة وتصاعد العمليات العسكرية، كلّف السيدة بلاسخارت القيام بمهمّة عاجلة في تل أبيب في التاسع من آذار، لجسّ نبض إسرائيل حول كيفية وقف التصعيد وحماية قوات «اليونيفيل»، التي تمضي سنتها الأخيرة في لبنان. فتوجّهت إلى تل أبيب بمهمّة سياسية وديبلوماسية، لتستبق زيارة غوتي ريتش حاكي. ذلك أنّها جاءت في توقيتها عشية زيارة غوتيريش ما بين 15 و18 آذار، في ظل الحرب التي يعيشها لبنان، قبل أن يلملم ما انتهت إليه الحروب السابقة من جروح وندوب في البشر والحجر. كما بالنسبة إلى تزامنها مع تلك الفرنسية، التي قادها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً، والتي ستُستكمل اليوم بوصول وزير خارجيته جان لوي بارو إلى بيروت، بأبعادها التي أدّت إلى تحريك الاتصالات الدولية، وعقد اجتماع مجلس الأمن المخصَّص للبحث في ما يجري على الساحة اللبنانية.
وعلى رغم من عدم الثقة بقدرة الأمم المتحدة على اجتراح أي حل، ثَبُت لها أنّ بقدرتها التصرُّف تحت راية «اليونيفيل» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنّه وفي ظل الدعم الخفيّ الذي حظيَ به من مجموعة الدول الأعضاء في مجلس الأمن، حاول تسويق مجموعة الأفكار التي صاغها ماكرون، بالتنسيق والتفاهم مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، متسلّحاً بشبه إجماع لبناني، بعدما تبلّغ أنّ اتفاقاً لوقف النار سيجعل رئيس المجلس النيابي نبيه بري على الخط، داعماً لاقتراح عون الخاص بالتلازم بين مجموعة من الخطوات التي يمكن أن تؤدّي إلى وقف للنار، وقرار بإنهاء وجود السلاح غير الشرعي وانسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة ومحيطها وتعزيز قدرات الجيش والقوى العسكرية.
وقبل أن يكتمل الحراك الفرنسي والأممي، كانت التطوُّرات في الميدان قد تجاوزت ما هو مطروح. فترك الجانب الأميركي المبادرة الفرنسية رهن الموافقة الإسرائيلية لانشغالها بالحرب على إيران، ورفعت إيران من تصلُّبها بتبنّي الحرب التي يخوضها الحزب في لبنان، فسقطت كل الحجج بأبعاد الحرب اللبنانية التي يمكن أن تبدّل في رأي القيادة العسكرية للحزب، بعد أن ثَبُت عدم قدرة المسؤولين السياسيِّين منهم على لجم القرار العسكري، لا بل فقد تبنّوها جميعاً. فانقطعت كل أشكال الاتصالات بين عين التينة والضاحية الجنوبية لفترة، وبقيت مقطوعة بينها وبعبدا، وتبنّى بري معظم مطالب الحزب، على رغم من عدم قناعته بالشروط الكافية لشن حرب من هذا النوع في هذه اللحظة الإقليمية والدولية الصعبة.
تزامناً، ارتفعت حدّة الاتهامات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، على خلفية تحكّم طهران بالساحة اللبنانية وقدرتها على إيلامها بكمّ من الصواريخ النوعية من مسافات قريبة يستحيل معالجتها بالصواريخ المضادة لها، وآليات مواجهتها لقرب مصدرها من هدفها. وانتفت الحجج الداخلية ليخوض الحزب حربه، فبات يتصرَّف على خلفية مقاطعته لجميع اللبنانيِّين، ومن دون احتساب أي ردّ فعل رافض مهما كان حجمه كبيراً، إلى درجة فقدان مَن يؤيّد حرباً «لإسناد إيران» حتى من ضمن بيئته اللصيقة.
ولذلك، بقِيَت الساحة الداخلية مسرحاً دائماً لها، يستحيل فصلها عمّا يجري في إيران ومحيطها، بمعزل عن النتائج التي أسفرت عنها، بعد أن سادت نظرية رأت أنّ هدف الحرب وأهدافها يتجاوز النتائج الكارثية التي انتهت إليها. من ارتفاع عدّاد القتلى والشهداء الذي اقترب من الألف، وتجاوز عدد الجرحى الآلاف الثلاثة واقترب عدد النازحين من المليون ما بين المسجّلين على لوائح مراكز الإيواء ومَن شتتهم في كل لبنان، بعد أن تحوّل الجنوب والبقاع، بعد الضاحية، إلى مناطق غير آمنة. وهكذا تلاحقت النكبات، وتوسّع نطاق القصف إلى مناطق اعتقد البعض أنّها آمنة، بالتزامن مع شمولها البقاعَين الشمالي والغربي وجنوبي وشمال نهر الليطاني، قبل أن يُضيف التوغل البري المحدود على بعض الجبهات الجنوبية، ما يسفر عنه «الإخلاء القسري» لمدينة صور وبلداتها والمخيّمات الفلسطينية المحيطة بها، وكانت ملجأ لأبناء القرى الحدودية المدمَّرة التي يستحيل العودة إليها.
وانطلاقاً من هذه الوقائع، فقد فسّرت المراجع الديبلوماسية مضمون تقرير بلاسخارت، أنّه أضاف أكثر من إشارة إلى فشل المساعي الأممية للتهدئة، مع أخرى أياً كان مصدرها، إلى وقت لا يمكن احتسابه. وأنّه بات من الواجب انتظار ما يمكن أن تنتهي إليه الحرب في إيران مع ارتفاع الحماوة على الساحتَين، قياساً على توسعها لتطال المنشآت النفطية في دول الخليج وإيران معاً، ممّا سيرفع من حماوة الحرب بوجوهها الإقليمية والمحلية إلى أجل غير مسمّى ومن دون أي أفق.
بعد تعثر «الفرنسية»… أي أمل لنظيرتها «الأممية»؟

لم تضف الإحاطة التي قدّمتها المنسقة الخاصة للامم المتحدة في لبنان جينين هينيس بلاسخارت، عن تداعيات الأعمال العدائية في لبنان إلى مجلس الأمن حول تنفيذ القرار 1701، على معلومات الأمين العام أنطونيو غوتيريش، العائد للتو من زيارته إلى بيروت، عدا عن بعثات الدول ذات العضوية الدائمة. ولكن ما لفت النظر، يكمن في الاتهام المباشر لـ»حزب الله» عن «الحرائق المستعرة في المنطقة، عندما شنّ هجوماً على إسرائيل في الساعات الأولى من 2 آذار، ناشراً بذلك شرارات لا تزال تحرق لبنان». وعليه، كيف يمكن قراءة هذا الموقف الصعب؟
قد يستخف البعض من مضمون أي قرار أو توجُّه يسود في أروقة الأمم المتحدة، التي عجزت في العديد من الدول عن تطبيق قراراتها، بعدما تحوّلت إلى ما يشبه أي منتدى دولي تصدر عنه توصيات تحمل مجموعة من الملاحظات، تتناول خطوات يُقال إنّها «ملزمة»، قبل أن يتبيّن أنّها مجرّد «استشارة» يمكن تنفيذها إن توفّرت القوّة الكافية للمستفيد منها، وإلّا ستدخل أرشيفها من ضمن جدول طويل يجمع باقة من القرارات التي لم ترَ النور على مدى عقود من الزمن.
هذا في المطلق، لكن وأمام مجموعة الحقائق التي انتهت إليها حرب «إسناد إيران»، والنتائج التي ترتبت عليها، حظِيَت المبادرة التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قبل أيام على زيارته إلى لبنان منتصف آذار، بنسبة مقبولة من العناية. فهو وفي ظل الظروف المعقّدة وتصاعد العمليات العسكرية، كلّف السيدة بلاسخارت القيام بمهمّة عاجلة في تل أبيب في التاسع من آذار، لجسّ نبض إسرائيل حول كيفية وقف التصعيد وحماية قوات «اليونيفيل»، التي تمضي سنتها الأخيرة في لبنان. فتوجّهت إلى تل أبيب بمهمّة سياسية وديبلوماسية، لتستبق زيارة غوتي ريتش حاكي. ذلك أنّها جاءت في توقيتها عشية زيارة غوتيريش ما بين 15 و18 آذار، في ظل الحرب التي يعيشها لبنان، قبل أن يلملم ما انتهت إليه الحروب السابقة من جروح وندوب في البشر والحجر. كما بالنسبة إلى تزامنها مع تلك الفرنسية، التي قادها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً، والتي ستُستكمل اليوم بوصول وزير خارجيته جان لوي بارو إلى بيروت، بأبعادها التي أدّت إلى تحريك الاتصالات الدولية، وعقد اجتماع مجلس الأمن المخصَّص للبحث في ما يجري على الساحة اللبنانية.
وعلى رغم من عدم الثقة بقدرة الأمم المتحدة على اجتراح أي حل، ثَبُت لها أنّ بقدرتها التصرُّف تحت راية «اليونيفيل» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنّه وفي ظل الدعم الخفيّ الذي حظيَ به من مجموعة الدول الأعضاء في مجلس الأمن، حاول تسويق مجموعة الأفكار التي صاغها ماكرون، بالتنسيق والتفاهم مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، متسلّحاً بشبه إجماع لبناني، بعدما تبلّغ أنّ اتفاقاً لوقف النار سيجعل رئيس المجلس النيابي نبيه بري على الخط، داعماً لاقتراح عون الخاص بالتلازم بين مجموعة من الخطوات التي يمكن أن تؤدّي إلى وقف للنار، وقرار بإنهاء وجود السلاح غير الشرعي وانسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة ومحيطها وتعزيز قدرات الجيش والقوى العسكرية.
وقبل أن يكتمل الحراك الفرنسي والأممي، كانت التطوُّرات في الميدان قد تجاوزت ما هو مطروح. فترك الجانب الأميركي المبادرة الفرنسية رهن الموافقة الإسرائيلية لانشغالها بالحرب على إيران، ورفعت إيران من تصلُّبها بتبنّي الحرب التي يخوضها الحزب في لبنان، فسقطت كل الحجج بأبعاد الحرب اللبنانية التي يمكن أن تبدّل في رأي القيادة العسكرية للحزب، بعد أن ثَبُت عدم قدرة المسؤولين السياسيِّين منهم على لجم القرار العسكري، لا بل فقد تبنّوها جميعاً. فانقطعت كل أشكال الاتصالات بين عين التينة والضاحية الجنوبية لفترة، وبقيت مقطوعة بينها وبعبدا، وتبنّى بري معظم مطالب الحزب، على رغم من عدم قناعته بالشروط الكافية لشن حرب من هذا النوع في هذه اللحظة الإقليمية والدولية الصعبة.
تزامناً، ارتفعت حدّة الاتهامات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، على خلفية تحكّم طهران بالساحة اللبنانية وقدرتها على إيلامها بكمّ من الصواريخ النوعية من مسافات قريبة يستحيل معالجتها بالصواريخ المضادة لها، وآليات مواجهتها لقرب مصدرها من هدفها. وانتفت الحجج الداخلية ليخوض الحزب حربه، فبات يتصرَّف على خلفية مقاطعته لجميع اللبنانيِّين، ومن دون احتساب أي ردّ فعل رافض مهما كان حجمه كبيراً، إلى درجة فقدان مَن يؤيّد حرباً «لإسناد إيران» حتى من ضمن بيئته اللصيقة.
ولذلك، بقِيَت الساحة الداخلية مسرحاً دائماً لها، يستحيل فصلها عمّا يجري في إيران ومحيطها، بمعزل عن النتائج التي أسفرت عنها، بعد أن سادت نظرية رأت أنّ هدف الحرب وأهدافها يتجاوز النتائج الكارثية التي انتهت إليها. من ارتفاع عدّاد القتلى والشهداء الذي اقترب من الألف، وتجاوز عدد الجرحى الآلاف الثلاثة واقترب عدد النازحين من المليون ما بين المسجّلين على لوائح مراكز الإيواء ومَن شتتهم في كل لبنان، بعد أن تحوّل الجنوب والبقاع، بعد الضاحية، إلى مناطق غير آمنة. وهكذا تلاحقت النكبات، وتوسّع نطاق القصف إلى مناطق اعتقد البعض أنّها آمنة، بالتزامن مع شمولها البقاعَين الشمالي والغربي وجنوبي وشمال نهر الليطاني، قبل أن يُضيف التوغل البري المحدود على بعض الجبهات الجنوبية، ما يسفر عنه «الإخلاء القسري» لمدينة صور وبلداتها والمخيّمات الفلسطينية المحيطة بها، وكانت ملجأ لأبناء القرى الحدودية المدمَّرة التي يستحيل العودة إليها.
وانطلاقاً من هذه الوقائع، فقد فسّرت المراجع الديبلوماسية مضمون تقرير بلاسخارت، أنّه أضاف أكثر من إشارة إلى فشل المساعي الأممية للتهدئة، مع أخرى أياً كان مصدرها، إلى وقت لا يمكن احتسابه. وأنّه بات من الواجب انتظار ما يمكن أن تنتهي إليه الحرب في إيران مع ارتفاع الحماوة على الساحتَين، قياساً على توسعها لتطال المنشآت النفطية في دول الخليج وإيران معاً، ممّا سيرفع من حماوة الحرب بوجوهها الإقليمية والمحلية إلى أجل غير مسمّى ومن دون أي أفق.


