إسرائيل لواشنطن: سنقتلع “إيران الصغيرة” عن حدودنا!

نجحت إسرائيل في إقناع الإدارة الأميركية بأنّ لبنان الرسمي لن يجرؤ على نزع سلاح “الحزب”، ولو طال الانتظار 100 عام. وتاليًا، هي اقتنعت بوجوب “جَرْفِ” البيئة الحاضنة لهذا السلاح من أساسها، ورفع الغطاء عن العاصمة.
الخطيئة التي ترتكبها البيئة السياسية الشيعيّة حاليًا هي في الرّهان على المعاندة ورفض الحلول في لبنان، لعلّ تسوية أميركية – إيرانية تتمّ، فيستفيد منها “حزب الله” ويحافظ على سلاحه وعلى النفوذ. فهذا الافتراض، عدا عن أنه معيب فعلًا لأنه يشكّل اعترافًا جديدًا وصريحًا بأنّ الحرب التي يخوضها “الحزب” خلفيّتها الارتهان لإيران وليس الدفاع عن الجنوب، فإنّه أيضًا خاطئ، أولًا بسبب الشكوك الكبيرة في حصول تسوية هناك، وثانيًا لأن واشنطن إذا توصّلت إلى تسوية هناك، فإنّها بالتأكيد ستحاول طمأنة الحليف والشريك الإسرائيلي بإزاحة “إيران الصغيرة” الموجودة على حدوده أي “حزب الله” بشكلٍ تامٍّ ونهائِيٍ. وفي الواقع، أطلق الإسرائيليون مرارًا تأكيدات بأنّهم لن يقبلوا باستمرار “الحزب” على حدودهم، باعتباره جزءًا من نفوذ إيران، أيًّا كانت طبيعة الصراع مع إيران نفسها. وقد أبلغوا الأميركيين بذلك، وواضح أنّهم وجدوا التفهّم.
لذلك، يُخطئ من يعتقد أن هناك “انفلاتًا” عسكريًّا إسرائيليًّا في الحرب الدائرة حاليًّا ضدّ “حزب الله”. ففي الواقع، حصل الإسرائيليّون على ضوء أخضر نادر من الإدارة الأميركية التي لطالما تردّدت في إطلاق يد أي طرف سواها في لبنان. وهذا التطوّر جاء نتيجةً حتميةً لبلوغ واشنطن درجة متقدمة من الاقتناع بأنّ مسار الدبلوماسية في لبنان قد مات تحت أيدي الجرّاح الذي أخذ على عاتقه إجراء عملية الاستئصال الموعودة لسلاح “حزب الله”. وهذا الجرّاح هو لبنان الرسمي. ووراء هذا الفشل الرسمي، يكمن أيضًا سرّ التطوّر في طبيعة الضربات الإسرائيلية. فهي تقدّمت من قرى الحدود وجنوب الليطاني لتعصف بمدينة صور وتبلغ الزهراني وتلامس زقاق البلاط والباشورة، على مسافة خطوتَيْن من السراي الكبير، مع ملامح تهديد بدفع لبنان بكامله، الذي تعمل محطّاته بعجز وصعوبة، إلى وضعيّة الظلام الكامل.
علّة العلل تكمن في أنّ لبنان الرسمي أثبت بما لا يقبل الشكّ أنّه لن يلتزم أبدًا بالتعهّدات التي قطعها للإسرائيليين في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وأخذها الأميركيون على عاتقهم، وخلاصتها أنّ نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك تنظيمه العسكري سيتحقّقان. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها واشنطن، بالوساطات المكّوكية التي أجراها موفدوها منذ ذلك الحين، فإن الموقف اللبناني بقي في دائرة “تأجيل المشكلة” وكسب الوقت لعلّ المخرج يأتي من مكان ما. وحتّى الأسابيع الأخيرة للحرب، بقيت الحكومة اللبنانية تُطلق إشارات التطمين إلى أنّها ستنفّذ قراراتها، وأنّ المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح ستنطلق. ولكن، لا أساس واقعيًّا لهذا التطمين. وبدا “حزب الله” أكثر استعدادًا لتفجير حرب أهلية ردًّا على أي خطوة تنفّذها الدولة. وللإمعان في التحدّي، بعث برسائل تطمين إلى القوى الدولية وإسرائيل بأنّه لن يتورّط في الحرب الدائرة مع إيران، لكنّه سرعان ما انزلق إليها، غير عابئ باعتراض الدولة وغالبية اللبنانيين.
إذًا، أخطر ما يجري اليوم هو أنّ واشنطن استجابت لإسرائيل، وبقوة، ومنحتها الضوء الأخضر لإجراء “الجراحة العميقة”، ولو بلا تخدير، من أجل اقتلاع “إيران الصغيرة” عن حدودها. وفي الواقع، أصبح التدمير “خيارًا عقلانيًّا” تقتنع واشنطن بأنه ضرورة، بعدما استنفدت كل الفرص لتطبيق القرار 1701 وحل مسألة السلاح. و”الفيتو” الذي كان الأميركيّون يضعونه أمام إسرائيل، لضبط قواعد الاشتباك بينها وبين لبنان، تراجع إلى حدٍّ كبيرٍ، وربّما هو يتجه إلى السقوط نهائيًا في المراحل المقبلة. وفي بعض الجوانب، ربّما انتقلوا من وضع القيود إلى منح التفويض لإسرائيل. وباتت واشنطن مقتنعةً بأنّ حليفتها لا تجرّها إلى الحرب في لبنان، بل تُنجز لها ما حاولت تحقيقه بالدبلوماسية.
إنّها استراتيجية “الكيّ” كدواءٍ أخيرٍ. لكنّها تقود اليوم إلى إخلاء منطقةٍ واسعةٍ تبدأ بالزّهراني وتمتدّ إلى الحدود. وبات واضحًا أن إسرائيل تقاتل وفق هندسة جغرافية وديموغرافية دقيقة، لفرض واقع عازل بالقوة، يشكّل أقصى مستوى من الضغط. وقد اقتنعت واشنطن بأنّ هذا المسار هو الوسيلة التي لا بد منها للضغط على لبنان.
وفيما ينشغل الأميركي بإدارة صراعاته الكبرى عبر العالم، من أميركا اللاتينية إلى أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وصولًا إلى الصين وجنوب شرق آسيا، ويهتمّ بمصادر الطاقة وأسعارها وطرق المواصلات البحرية في ظلّ الحرب مع إيران وتداعياتها، لضمان مصالحه الكبرى، تنكبّ إسرائيل على ضمان مصالحه في بقعة الشرق الأوسط، وتهتم خصوصًا بالدائرة الصلبة التي تعنيها في الدرجة الأولى على حدودها، من غزّة والضفّة الغربيّة إلى سوريا ولبنان. وقد تلاقت مصالحها تمامًا مع مصالح واشنطن بإزاحة خطر النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية. ولذلك، تبدو إسرائيل اليوم شريكةً في الإنجاز، بعدما كانت في السابق أقرب إلى الشريك الإقليمي، ذي الدور الثانوي.
واشنطن تتبنّى اليوم نظرية بنيامين نتنياهو وحكومته باعتبار النّار خيارًا وحيدًا للتعامل مع إيران وأذرعها، وباتت تعتبر أن الأكلاف التي تدفعها في المواجهة الحالية ليست سوى “أضرار جانبية” في الطريق إلى جعل القرن الحالي أميركيًّا بامتياز. وفي الموازاة، نجحت إسرائيل في إقناع الإدارة الأميركية بأنّ لبنان الرسمي لن يجرؤ على نزع سلاح “حزب الله”، ولو طال الانتظار 100 عام. وتاليًا، هي اقتنعت بوجوب “جرف” البيئة الحاضنة لهذا السلاح من أساسها، ورفع الغطاء عن العاصمة. وفي عبارة أخرى، يُعاقب لبنان اليوم، بسبب ارتكابه خطأً فادحًا بتَيْئيس واشنطن، الطرف الأقوى والأقدر على حمايته واحتضانه.
إسرائيل لواشنطن: سنقتلع “إيران الصغيرة” عن حدودنا!

نجحت إسرائيل في إقناع الإدارة الأميركية بأنّ لبنان الرسمي لن يجرؤ على نزع سلاح “الحزب”، ولو طال الانتظار 100 عام. وتاليًا، هي اقتنعت بوجوب “جَرْفِ” البيئة الحاضنة لهذا السلاح من أساسها، ورفع الغطاء عن العاصمة.
الخطيئة التي ترتكبها البيئة السياسية الشيعيّة حاليًا هي في الرّهان على المعاندة ورفض الحلول في لبنان، لعلّ تسوية أميركية – إيرانية تتمّ، فيستفيد منها “حزب الله” ويحافظ على سلاحه وعلى النفوذ. فهذا الافتراض، عدا عن أنه معيب فعلًا لأنه يشكّل اعترافًا جديدًا وصريحًا بأنّ الحرب التي يخوضها “الحزب” خلفيّتها الارتهان لإيران وليس الدفاع عن الجنوب، فإنّه أيضًا خاطئ، أولًا بسبب الشكوك الكبيرة في حصول تسوية هناك، وثانيًا لأن واشنطن إذا توصّلت إلى تسوية هناك، فإنّها بالتأكيد ستحاول طمأنة الحليف والشريك الإسرائيلي بإزاحة “إيران الصغيرة” الموجودة على حدوده أي “حزب الله” بشكلٍ تامٍّ ونهائِيٍ. وفي الواقع، أطلق الإسرائيليون مرارًا تأكيدات بأنّهم لن يقبلوا باستمرار “الحزب” على حدودهم، باعتباره جزءًا من نفوذ إيران، أيًّا كانت طبيعة الصراع مع إيران نفسها. وقد أبلغوا الأميركيين بذلك، وواضح أنّهم وجدوا التفهّم.
لذلك، يُخطئ من يعتقد أن هناك “انفلاتًا” عسكريًّا إسرائيليًّا في الحرب الدائرة حاليًّا ضدّ “حزب الله”. ففي الواقع، حصل الإسرائيليّون على ضوء أخضر نادر من الإدارة الأميركية التي لطالما تردّدت في إطلاق يد أي طرف سواها في لبنان. وهذا التطوّر جاء نتيجةً حتميةً لبلوغ واشنطن درجة متقدمة من الاقتناع بأنّ مسار الدبلوماسية في لبنان قد مات تحت أيدي الجرّاح الذي أخذ على عاتقه إجراء عملية الاستئصال الموعودة لسلاح “حزب الله”. وهذا الجرّاح هو لبنان الرسمي. ووراء هذا الفشل الرسمي، يكمن أيضًا سرّ التطوّر في طبيعة الضربات الإسرائيلية. فهي تقدّمت من قرى الحدود وجنوب الليطاني لتعصف بمدينة صور وتبلغ الزهراني وتلامس زقاق البلاط والباشورة، على مسافة خطوتَيْن من السراي الكبير، مع ملامح تهديد بدفع لبنان بكامله، الذي تعمل محطّاته بعجز وصعوبة، إلى وضعيّة الظلام الكامل.
علّة العلل تكمن في أنّ لبنان الرسمي أثبت بما لا يقبل الشكّ أنّه لن يلتزم أبدًا بالتعهّدات التي قطعها للإسرائيليين في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وأخذها الأميركيون على عاتقهم، وخلاصتها أنّ نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك تنظيمه العسكري سيتحقّقان. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها واشنطن، بالوساطات المكّوكية التي أجراها موفدوها منذ ذلك الحين، فإن الموقف اللبناني بقي في دائرة “تأجيل المشكلة” وكسب الوقت لعلّ المخرج يأتي من مكان ما. وحتّى الأسابيع الأخيرة للحرب، بقيت الحكومة اللبنانية تُطلق إشارات التطمين إلى أنّها ستنفّذ قراراتها، وأنّ المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح ستنطلق. ولكن، لا أساس واقعيًّا لهذا التطمين. وبدا “حزب الله” أكثر استعدادًا لتفجير حرب أهلية ردًّا على أي خطوة تنفّذها الدولة. وللإمعان في التحدّي، بعث برسائل تطمين إلى القوى الدولية وإسرائيل بأنّه لن يتورّط في الحرب الدائرة مع إيران، لكنّه سرعان ما انزلق إليها، غير عابئ باعتراض الدولة وغالبية اللبنانيين.
إذًا، أخطر ما يجري اليوم هو أنّ واشنطن استجابت لإسرائيل، وبقوة، ومنحتها الضوء الأخضر لإجراء “الجراحة العميقة”، ولو بلا تخدير، من أجل اقتلاع “إيران الصغيرة” عن حدودها. وفي الواقع، أصبح التدمير “خيارًا عقلانيًّا” تقتنع واشنطن بأنه ضرورة، بعدما استنفدت كل الفرص لتطبيق القرار 1701 وحل مسألة السلاح. و”الفيتو” الذي كان الأميركيّون يضعونه أمام إسرائيل، لضبط قواعد الاشتباك بينها وبين لبنان، تراجع إلى حدٍّ كبيرٍ، وربّما هو يتجه إلى السقوط نهائيًا في المراحل المقبلة. وفي بعض الجوانب، ربّما انتقلوا من وضع القيود إلى منح التفويض لإسرائيل. وباتت واشنطن مقتنعةً بأنّ حليفتها لا تجرّها إلى الحرب في لبنان، بل تُنجز لها ما حاولت تحقيقه بالدبلوماسية.
إنّها استراتيجية “الكيّ” كدواءٍ أخيرٍ. لكنّها تقود اليوم إلى إخلاء منطقةٍ واسعةٍ تبدأ بالزّهراني وتمتدّ إلى الحدود. وبات واضحًا أن إسرائيل تقاتل وفق هندسة جغرافية وديموغرافية دقيقة، لفرض واقع عازل بالقوة، يشكّل أقصى مستوى من الضغط. وقد اقتنعت واشنطن بأنّ هذا المسار هو الوسيلة التي لا بد منها للضغط على لبنان.
وفيما ينشغل الأميركي بإدارة صراعاته الكبرى عبر العالم، من أميركا اللاتينية إلى أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وصولًا إلى الصين وجنوب شرق آسيا، ويهتمّ بمصادر الطاقة وأسعارها وطرق المواصلات البحرية في ظلّ الحرب مع إيران وتداعياتها، لضمان مصالحه الكبرى، تنكبّ إسرائيل على ضمان مصالحه في بقعة الشرق الأوسط، وتهتم خصوصًا بالدائرة الصلبة التي تعنيها في الدرجة الأولى على حدودها، من غزّة والضفّة الغربيّة إلى سوريا ولبنان. وقد تلاقت مصالحها تمامًا مع مصالح واشنطن بإزاحة خطر النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية. ولذلك، تبدو إسرائيل اليوم شريكةً في الإنجاز، بعدما كانت في السابق أقرب إلى الشريك الإقليمي، ذي الدور الثانوي.
واشنطن تتبنّى اليوم نظرية بنيامين نتنياهو وحكومته باعتبار النّار خيارًا وحيدًا للتعامل مع إيران وأذرعها، وباتت تعتبر أن الأكلاف التي تدفعها في المواجهة الحالية ليست سوى “أضرار جانبية” في الطريق إلى جعل القرن الحالي أميركيًّا بامتياز. وفي الموازاة، نجحت إسرائيل في إقناع الإدارة الأميركية بأنّ لبنان الرسمي لن يجرؤ على نزع سلاح “حزب الله”، ولو طال الانتظار 100 عام. وتاليًا، هي اقتنعت بوجوب “جرف” البيئة الحاضنة لهذا السلاح من أساسها، ورفع الغطاء عن العاصمة. وفي عبارة أخرى، يُعاقب لبنان اليوم، بسبب ارتكابه خطأً فادحًا بتَيْئيس واشنطن، الطرف الأقوى والأقدر على حمايته واحتضانه.








