“حزب الله” يشارك في الدفاع عن إيران بخلاف حوثيّي اليمن… لماذا؟

هل يمكن إعاقة الاستراتيجيا الحربية لـ”حزب الله” وكيف؟ تجيب باحثة أميركية من أصل عربي عن ذلك بالآتي: قبل أن يلتحق “الحزب” بالحرب كان الاعتقاد السائد في لبنان أنه سيتحاشى على الأرجح المخاطرة ببنيته الداخلية الهشة وقاعدة دعمه الشعبي ما لم يتعرّض لهجوم مباشر.
إلا أن هذا التقدير أخطأ في استيعاب حقيقة جوهرية هي أن الحرس الثوري الإسلامي الإيراني قد أسّس “حزب الله” قبل عقود تحديداً للحظة الراهنة، إذ لا وظيفة له في نظر “الحرس” سوى الدفاع عن النظام الإيراني، لا عن لبنان ولا عن نفسه. وقد أثارت مصادر مقرّبة من دوائر “حزب الله” بأن “قوة القدس” الذراع الخارجية الرئيسية لـ”الحرس الثوري” هي التي اتخذت قرار فتح الجبهة اللبنانية. وبافتتاح جبهة جديدة مع إسرائيل يسعى “الحرس” إلى تحويل جزء من الضغط العسكري عن إيران، وإيصال رسالة مفادها أن النظام سيفعّل كل وكلائه الإقليميين إذا تواصلت الضربات المتحالفة عليه. بيد أن ثمن هذه الاستراتيجية عمليات عسكرية إسرائيلية أشد وطأةً في لبنان وعليه.
كما أنها تزيد من إضعاف “حزب الله” وتهدّد بعزله سياسياً. في الثاني من آذار الماضي أصدر مجلس الوزراء اللبناني قراراً رسمياً يحظر على “الحزب” تنفيذ أي عمليات عسكرية داخل البلاد بما فيها الدفاعية. وفي المقابل تعبّر القاعدة الشيعية بصوت عالٍ عن استيائها المتنامي لا سيما أنه لم يقدّم أي نوع من المساعدة للآلاف الذين شرّدتهم العمليات الإسرائيلية على مدى السنتين الماضيتين ونصف السنة. ستكون المرحلة المقبلة فارقة بالنسبة الى لبنان ولذا يغدو من الحكمة أن تركّز بيروت جهودها على أربعة محاور جوهرية. الأول الجيش اللبناني وعليه تطبيق القرار الحكومة الأخير بالانتشار في المناطق التي يستطيع منها منع “حزب الله” من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل. الثاني على السلطات اللبنانية إصدار مذكرات اعتقال بحق كل عنصر من عناصر “الحزب” يتجاهل قرار الحكومة. الثالث على مجلس الوزراء إعادة النظر في قراره المقتصر على حظر الأنشطة العسكرية وحدها، إذ يُبقي هذا النهج “الحزب” مشاركاً في القرار السياسي الحكومي، وهو الدور الذي مكّنه من إعادة بناء نفسه في أعقاب نزاعاته السابقة مع إسرائيل. وبما أن الانتخابات النيابية المقررة في أيار المقبل أُجّلت نحو سنتين بسبب الحرب، فقد تكون الإجراءات الحكومية الإضافية هي المسار الوحيد لتقليص نفوذه السياسي في المرحلة الراهنة. الرابع على القادة اللبنانيين ترجمة مساعيهم الديبلوماسية خطوات ملموسة، وذلك بتوجيه رسالة إلى إدارة ترامب عبر السفير في بيروت ميشال عيسى تؤكد استعدادهم للتفاوض المباشر مع إسرائيل على اتفاق سلام يضع حداً للحرب الدائمة بين البلدين. وقد حصل ذلك أخيراً. إن أثبتت بيروت جدّيتها في تطبيق “الحظر العسكري” على “حزب الله” وأبدت شجاعة كافية في كبح هجماته فينبغي ساعتها أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لإحياء آلية وقف إطلاق النار التي أُرسيت في نوفمبر 2024 وتوسيع نطاقها. هذه الآلية الفاعلة تحظى فعلاً بمشاركة مدنية إسرائيلية ولبنانية ملموسة، ومن شأنها تيسير التوصل الى إتفاق سلام أكثر شمولاً. غير أن توسيع نطاقها يبقى ضرورةً لا مفرّ منها، إذ إن آليّةً منصبّة على تطبيق وقف إطلاق النار وحده لن تحول دون اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل و”حزب الله” بل ستؤجلها فقط.
ماذا سيفعل الحوثيون اليمنيون شركاء “حزب الله” اللبناني في التحالف مع إيران ضد إسرائيل؟ يقول باحث أميركي مهم إن الحرب تضع الحوثيين في اليمن أمام خيارات عسيرة، إذ اكتفى زعيمهم عبد الملك الحوثي بإطلاق تصريحات داعمة لإيران ومُدينة لـ”الإجرام الإسرائيلي” وينعى المرشد الإيراني خامنئي بعد مقتله وبالتعهد بالتضامن مع طهران. إلا أنه أحجم عن التعهد بأي رد عسكري مكتفياً بالإشارة إلى أن الموقف الإيراني صامد والردّ قوي. في أول آذار الجاري نظم الحوثيون مسيرة شعبية حاشدة في صنعاء تحت شعار التضامن مع الشعب الإيراني. داخل الحركة يدور جدل محتدم حول جدوى الانخراط العسكري إلى جانب إيران. منظّرون حوثيون كثيرون يريدون على الأرجح استئناف الهجمات على إسرائيل وحركة الملاحة في البحر الأحمر والأهداف الأميركية وربما الحلفاء الخليجيين لواشنطن في إطار ما يعدّونه معركةً مصيرية على مستقبل المنطقة. فهم يشعرون بالتزام أخلاقي لمنع إسرائيل والولايات المتحدة من هزيمة إيران وإزاحة ما يسمونه الركيزة الأساسية في مواجهة “المشروع الهيمني” مهما تكن التكاليف. لكن في المقابل يتذرّع “البراغماتيون” داخل الحركة بأن الحوثيين سيخسرون الكثير إذا انضموا الى القتال. فالحركة تخوض حواراً مستمراً مع المملكة العربية السعودية ولديها فرصة لتحقيق تفاهم يتيح لها دوراً بارزاً في اليمن ما بعد الحرب. والانحياز العسكري إلى طهران بضرب أهداف سعودية كفيل بنسف هذه المكتسبات وفتح المجال أمام خصوم الحوثيين داخل الحكومة اليمنية. يعمل هؤلاء على تحسين التنسيق في ما بينهم حتى لا يفاجأوا بأيّ شيء في المرحلة المقبلة.
ويرى بعضهم في الحرب الدائرة فرصةً لإظهار استقلالية ما عن طهران ولالتزام الحياد إيثاراً لاستقلاليتهم في اتخاذ القرارات، كما لإقناع شعبهم بأنهم يضعون مصلحة اليمن فوق مصالح راعيها الأجنبي. طبعاً لن يكون أيٌ من هذه الخيارات سهلاً على حركة الحوثيين. والكلمة الفصل ستبقى لـ”عبد الملك” الذي أظهر ميلاً راسخاً نحو الانخراط في المعارك الإقليمية والأيديولوجية منذ اندلاع حرب غزة. وهو يتريّث في الوقت الراهن ولا يُفصح واليمنيون معه في انتظار ما ستؤول إليه الأمور.
“حزب الله” يشارك في الدفاع عن إيران بخلاف حوثيّي اليمن… لماذا؟

هل يمكن إعاقة الاستراتيجيا الحربية لـ”حزب الله” وكيف؟ تجيب باحثة أميركية من أصل عربي عن ذلك بالآتي: قبل أن يلتحق “الحزب” بالحرب كان الاعتقاد السائد في لبنان أنه سيتحاشى على الأرجح المخاطرة ببنيته الداخلية الهشة وقاعدة دعمه الشعبي ما لم يتعرّض لهجوم مباشر.
إلا أن هذا التقدير أخطأ في استيعاب حقيقة جوهرية هي أن الحرس الثوري الإسلامي الإيراني قد أسّس “حزب الله” قبل عقود تحديداً للحظة الراهنة، إذ لا وظيفة له في نظر “الحرس” سوى الدفاع عن النظام الإيراني، لا عن لبنان ولا عن نفسه. وقد أثارت مصادر مقرّبة من دوائر “حزب الله” بأن “قوة القدس” الذراع الخارجية الرئيسية لـ”الحرس الثوري” هي التي اتخذت قرار فتح الجبهة اللبنانية. وبافتتاح جبهة جديدة مع إسرائيل يسعى “الحرس” إلى تحويل جزء من الضغط العسكري عن إيران، وإيصال رسالة مفادها أن النظام سيفعّل كل وكلائه الإقليميين إذا تواصلت الضربات المتحالفة عليه. بيد أن ثمن هذه الاستراتيجية عمليات عسكرية إسرائيلية أشد وطأةً في لبنان وعليه.
كما أنها تزيد من إضعاف “حزب الله” وتهدّد بعزله سياسياً. في الثاني من آذار الماضي أصدر مجلس الوزراء اللبناني قراراً رسمياً يحظر على “الحزب” تنفيذ أي عمليات عسكرية داخل البلاد بما فيها الدفاعية. وفي المقابل تعبّر القاعدة الشيعية بصوت عالٍ عن استيائها المتنامي لا سيما أنه لم يقدّم أي نوع من المساعدة للآلاف الذين شرّدتهم العمليات الإسرائيلية على مدى السنتين الماضيتين ونصف السنة. ستكون المرحلة المقبلة فارقة بالنسبة الى لبنان ولذا يغدو من الحكمة أن تركّز بيروت جهودها على أربعة محاور جوهرية. الأول الجيش اللبناني وعليه تطبيق القرار الحكومة الأخير بالانتشار في المناطق التي يستطيع منها منع “حزب الله” من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل. الثاني على السلطات اللبنانية إصدار مذكرات اعتقال بحق كل عنصر من عناصر “الحزب” يتجاهل قرار الحكومة. الثالث على مجلس الوزراء إعادة النظر في قراره المقتصر على حظر الأنشطة العسكرية وحدها، إذ يُبقي هذا النهج “الحزب” مشاركاً في القرار السياسي الحكومي، وهو الدور الذي مكّنه من إعادة بناء نفسه في أعقاب نزاعاته السابقة مع إسرائيل. وبما أن الانتخابات النيابية المقررة في أيار المقبل أُجّلت نحو سنتين بسبب الحرب، فقد تكون الإجراءات الحكومية الإضافية هي المسار الوحيد لتقليص نفوذه السياسي في المرحلة الراهنة. الرابع على القادة اللبنانيين ترجمة مساعيهم الديبلوماسية خطوات ملموسة، وذلك بتوجيه رسالة إلى إدارة ترامب عبر السفير في بيروت ميشال عيسى تؤكد استعدادهم للتفاوض المباشر مع إسرائيل على اتفاق سلام يضع حداً للحرب الدائمة بين البلدين. وقد حصل ذلك أخيراً. إن أثبتت بيروت جدّيتها في تطبيق “الحظر العسكري” على “حزب الله” وأبدت شجاعة كافية في كبح هجماته فينبغي ساعتها أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لإحياء آلية وقف إطلاق النار التي أُرسيت في نوفمبر 2024 وتوسيع نطاقها. هذه الآلية الفاعلة تحظى فعلاً بمشاركة مدنية إسرائيلية ولبنانية ملموسة، ومن شأنها تيسير التوصل الى إتفاق سلام أكثر شمولاً. غير أن توسيع نطاقها يبقى ضرورةً لا مفرّ منها، إذ إن آليّةً منصبّة على تطبيق وقف إطلاق النار وحده لن تحول دون اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل و”حزب الله” بل ستؤجلها فقط.
ماذا سيفعل الحوثيون اليمنيون شركاء “حزب الله” اللبناني في التحالف مع إيران ضد إسرائيل؟ يقول باحث أميركي مهم إن الحرب تضع الحوثيين في اليمن أمام خيارات عسيرة، إذ اكتفى زعيمهم عبد الملك الحوثي بإطلاق تصريحات داعمة لإيران ومُدينة لـ”الإجرام الإسرائيلي” وينعى المرشد الإيراني خامنئي بعد مقتله وبالتعهد بالتضامن مع طهران. إلا أنه أحجم عن التعهد بأي رد عسكري مكتفياً بالإشارة إلى أن الموقف الإيراني صامد والردّ قوي. في أول آذار الجاري نظم الحوثيون مسيرة شعبية حاشدة في صنعاء تحت شعار التضامن مع الشعب الإيراني. داخل الحركة يدور جدل محتدم حول جدوى الانخراط العسكري إلى جانب إيران. منظّرون حوثيون كثيرون يريدون على الأرجح استئناف الهجمات على إسرائيل وحركة الملاحة في البحر الأحمر والأهداف الأميركية وربما الحلفاء الخليجيين لواشنطن في إطار ما يعدّونه معركةً مصيرية على مستقبل المنطقة. فهم يشعرون بالتزام أخلاقي لمنع إسرائيل والولايات المتحدة من هزيمة إيران وإزاحة ما يسمونه الركيزة الأساسية في مواجهة “المشروع الهيمني” مهما تكن التكاليف. لكن في المقابل يتذرّع “البراغماتيون” داخل الحركة بأن الحوثيين سيخسرون الكثير إذا انضموا الى القتال. فالحركة تخوض حواراً مستمراً مع المملكة العربية السعودية ولديها فرصة لتحقيق تفاهم يتيح لها دوراً بارزاً في اليمن ما بعد الحرب. والانحياز العسكري إلى طهران بضرب أهداف سعودية كفيل بنسف هذه المكتسبات وفتح المجال أمام خصوم الحوثيين داخل الحكومة اليمنية. يعمل هؤلاء على تحسين التنسيق في ما بينهم حتى لا يفاجأوا بأيّ شيء في المرحلة المقبلة.
ويرى بعضهم في الحرب الدائرة فرصةً لإظهار استقلالية ما عن طهران ولالتزام الحياد إيثاراً لاستقلاليتهم في اتخاذ القرارات، كما لإقناع شعبهم بأنهم يضعون مصلحة اليمن فوق مصالح راعيها الأجنبي. طبعاً لن يكون أيٌ من هذه الخيارات سهلاً على حركة الحوثيين. والكلمة الفصل ستبقى لـ”عبد الملك” الذي أظهر ميلاً راسخاً نحو الانخراط في المعارك الإقليمية والأيديولوجية منذ اندلاع حرب غزة. وهو يتريّث في الوقت الراهن ولا يُفصح واليمنيون معه في انتظار ما ستؤول إليه الأمور.



