الخليج ومؤامرات الهيمنة والتخريب: نحو منظومة عربية للحماية

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
20 آذار 2026

دخلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران منعطفاً جديداً. تكاد أن تتحول إلى حرب شاملة بفعل الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول الخليج، في الوقت الذي تسعى فيه هذه الدول مع كل من تركيا وباكستان في سبيل وقف الحرب. المفارقة، أنه بالتزامن مع انعقاد اجتماع وزراء دول عربية وإسلامية في الرياض، أطلقت إيران صواريخ على العاصمة السعودية، وهذا ما دفع بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان لإجراء اتصال بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي معاتباً، وقد خاطبه بالقول: “ما هذا الجنون الذي تقومون به، نحن نعقد اجتماعاً لأجلكم ومن أجل وقف الحرب، فهل تريدون استهدافنا وتوسيع الحرب وإدخال دول جديدة إليها؟”. في تقديرات العديد من المسؤولين الديبلوماسيين، أن القرار الإيراني أصبح بالكامل في يد الحرس الثوري، ولم يعد هناك أي صلاحيات فعلية للرئيس الإيراني أو لوزير الخارجية. وبالعودة إلى الرياض، فقد عقدت على هامش الاجتماع الموسع لقاءات بين وزراء خارجية تركيا، السعودية، باكستان ومصر، ذلكَ للبحث عن إطار تشاركي لمواجهة تداعيات الحرب على إيران، والمخاوف من الانتقال الإسرائيلي لمواجهة مع هذه الدول مستقبلاً. 

إيران وتوسيع الحرب

على مدى عقود، سعت إسرائيل إلى تقديم نفسها كطرف يسعى إلى التفاهم مع دول خليجية وعربية، استناداً إلى تخويفها من المشروع الإيراني. استثمرت تل أبيب في خوف دول الخليج من إيران ومشروعها التوسعي وقدراتها العسكرية وحلفائها المنتشرين في المنطقة، لدفع العرب إلى إسرائيل. مع اندلاع الحرب على إيران، لجأت طهران إلى ضرب أهداف خليجية، وليس فقط قواعد عسكرية أميركية، بل المرافق الحيوية والمنشآت النفطية، في محاولة لتدفيع هذه الدول كلفة الحرب أو استدراجها إليها، في إطار السعي الإيراني لتوسيع الحرب ورفع كلفتها على الاقتصاد العالمي، وإشعال أزمة عالمية على مستوى الطاقة، بهدف تشكيل ضغط هائل يوقف الحرب. لكن ذلك جدد الأزمة البنيوية في العلاقة بين دول الخليج وإيران، وقضى على كل محاولات التهدئة والتفاهم التي برزت في السنوات القليلة الماضية.

مشروع عربي؟

كان الخليج هو الهدف الدائم والاستراتيجي لمشروع الهيمنة الإقليمية الإيرانية، انطلاقاً من مشروع إيراني واضح المعالم يتواجه مع مشروع إسرائيلي، بينما لم يكن قد ظهر مشروع عربي قادر على طرح رؤيته. أما اليوم، وفي ظل هذه الحرب الحالية وما سبقها وما سيليها، خصوصاً في ظل مواصلة إسرائيل العبث بالساحة العربية، وسعيها الى تشظيتها، أصبح لا بد عربياً من البحث عن كيفية التماسك العربي، انطلاقاً من التعاون بين دول الخليج والمشرق العربي، وبناء سياسات تتجاوز حساسيات الماضي والخلافات البينية والاعتبارات المحلية، لطرح رؤية واضحة تتصدى للتعالي الإسرائيلي والمشروع التوسعي، والتعامل مع ما نتج وينتج عن المشروع الإيراني الذي وصل إلى حد استهداف هذه الدول. 

فعلى مدى سنوات، عملت إيران على تطويق دول الخليج من خلال مدّ نفوذها نحو المشرق العربي، خصوصاً تمددها في العراق، سوريا ولبنان وصولاً إلى اليمن. وقد عبّر حلفاء إيران مراراً عن سعيهم إلى ما سموه “تحرير الأراضي المقدسة في الجزيرة العربية”. عملت إيران أيضاً على الاستحواذ على القضية الفلسطينية ومصادرتها، وأظهرت العرب كأنّهم تخلّوا عن هذه القضية أو تناسوها. بينما هناك ضرورة عربية الآن لاستعادة قضية فلسطين ورعايتها والمطالبة بتثبيت حقوقها.

صدمة خليجية

مع بداية الاعتداءات الإيرانية تكونت صدمة خليجية، لأنّ طهران لم ترضَ بالحياد الخليجي ولم تسعَ لكسبه والاستثمار فيه لوقف الحرب، لا سيما بعد مساعٍ خليجية واضحة لتجنب الحرب على إيران وتداعياتها. هذه الصدمة، دفعت العرب إلى إعادة النظر بمفهوم العلاقة مع إيران، وعلى أي أسس جديدة يجب أن تُبنَى تلك العلاقة، مهما كان شكل النظام الإيراني. ذلكَ من خلال وضع سياسة دفاعية موحدة تؤمن الردع، وسياسة ديبلوماسية قائمة على ضمانات طويلة الأمد بين ضفتي الخليج. وهذا لا يكون إلا باستكمال استعادة العروبة للمشرق العربي.  

إسقاط المسلّمات

مسلمات كثيرة أسقطتها هذه الحرب. منذ ما بعد حرب الخليج لم يكن أحد يتوقع أن يُغلق مضيق هرمز مجدداً. لم يكن أحد يتوقع أن تتعرض دول الخليج العربي إلى هذا الكم من الاعتداءات والضربات. وإحدى أهم الأوهام التي سقطت ذاك الظن بأن هذه الدول بمجرد تعرضها لضربة واحدة، ستنهار عسكرياً وأمنياً واقتصادياً، وهو ما لم يحصل على الإطلاق. ويبدو أن هذه الحرب وفي ضوء المتغيرات التي تحدثها، بإمكانها أن تشكل فرصة حقيقية لولادة مشروع إقليمي جديد يبدأ من الخليج ودوله ويمتد إلى المشرق العربي. 

إنها التجربة الأقوى والأخطر التي تواجهها دول الخليج. فالحرب هي الأكبر منذ حرب الخليج الأولى التي تمر على هذه الدول كمجموعة. وهي المرة الأولى التي تتعرض فيها هذه الدول لهذا المستوى من الضغط ولهذا النوع من التجارب الخطيرة. إذ إن ست دول خليجية تتعرض للاعتداء في الوقت نفسه، بينما هي غير شريكة في الحرب. ومع ذلك، أظهرت قدرة تحمل واستيعاب كبرى، وتمكنت من الدفاع عن نفسها، بالنظر إلى الكم الكبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة الذي أُطلق عليها، وأبقت نفسها في موقف الدفاع من دون الانتقال إلى الهجوم.

موقف حكيم

الاعتداءات، ومحاولات استدراج دول الخليج إلى الحرب أو تكبيدها المزيد من الخسائر، وإغلاق مضيق هرمز، كلها أسباب دفعت تلك الدول إلى البحث عن بدائل. إلى جانب التعامل مع الاعتداءات بموقف سياسي صلب، وفيه الكثير من الحكمة، على الرغم من الضغط الهائل الذي تعرضت له هذه الدول، سواء من قبل الإسرائيليين أو الأميركيين للانخراط في الحرب، إلا أنها قاربت التطورات بواقعية، فلم تنجر ولم تخضع للضغوط، وأظهرت قدرة على ثبات الموقف. 

منذ اللحظة الأولى لم تكن دول الخليج تريد الحرب، لأنها تعرف مخاطرها على المنطقة، وسعت إلى البحث عن تسوية واتفاق. أما مع اندلاعها، فقد مارست إيران سلوكاً عدائياً تجاه العرب، وأصرت على تدفيعهم ثمناً لحرب لم يختاروا الدخول فيها. 

ممرّات جديدة

لكن كل ما يجري يمكنه أن يصب في مصلحة هذه الدول ككل، خصوصاً في حال تشكيل رؤية استراتيجية جديدة لدورها على مستوى المنطقة، من خلال إعادة بناء وحدة خليجية قابلة للتكامل مع مصر ودول عربية أخرى وحتى إقليمية، في إطار اتفاقات سياسية، دفاعية، واقتصادية، والبحث عن ممرات جديدة، لا سيما أن هذه الدول قد سعت سريعاً إلى تأمين بدائل عن مضيق هرمز الذي جرى إغلاقه، على قاعدة التكامل الجغرافي والسياسي مع السعودية للاستفادة من مطاراتها وموانئها. 

إذ فرضت الحرب على السعودية السعي إلى تصدير ما يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً وتجاوز مضيق هرمز. أما الأساس لدى السعودية فيبقى في خط أنابيب شرق-غرب؛ أي من ميناء جبيل باتجاه ميناء ينبع، وهو خط أنابيب يمتد عبر الصحراء، ينقل النفط من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل، ويستوعب قدرة نقل تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا. وبُعيد اندلاع الحرب وإغلاق إيران لمضيق هرمز، فعّلت السعودية هذا الخط، الذي بُني قبل أكثر من أربعين عامًا. ويمكن لهذا الممر أن يشكل نقطة التقاء استراتيجية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، ويحدث تحولاً في الجغرافيا السياسية والاقتصادية. 

فالسعودية وانطلاقاً من علاقتها الاستراتيجية والتحالفية مع سوريا، يمكنها أن تعمل على تفعيل خط تجاري بري عبر الأردن باتجاه سوريا، ومن سوريا إلى تركيا نحو أوروبا، والوصول إلى البحر المتوسط عبر الجغرافيا السورية. وبذلك أيضاً يمكن للسعودية ودول الخليج أن تتجاوز أي مخاطر ستنجم في البحر الأحمر لاحقاً وليس فقط في مضيق هرمز. 

قطر كلاعب أساسي

كذلك يمكن لهذه الحرب أن تشكل فرصة استراتيجية لدولة قطر كلاعب أساسي في سوق الغاز العالمي، وانطلاقاً من العلاقة التكاملية والتشاركية مع دول الخليج ومع سوريا لتفعيل وتطوير أنبوب الغاز الواصل إلى الأراضي السورية، واستخدام الجغرافيا السورية للتكامل مع تركيا والتصدير نحو أوروبا، انطلاقاً من الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط. كما أن لبنان بإمكانه أن يكون إحدى الدول المستفيدة من كل هذه التحولات، إذا نجح بربط نفسه بمثل هذا المشروع، وتفعيل موانئه إلى جانب الموانئ السورية، وتجديد دوره كمحطة تصدير نحو أوروبا عبر المتوسط، في إطار صد أي مطامع إسرائيلية في تحويله إلى بلد ملحق بالسياسة والاقتصاد الإسرائيليين. 

رؤية استراتيجية موحدة

تفرض الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والاعتداءات المتعمدة التي تمارسها الجمهورية الإسلامية على دول الخليج العربي، إعادة التفكير برؤية استراتيجية عربية لليوم التالي للحرب. رؤية لا يمكنها أن تخلو من التكامل بين الخليج والمشرق العربي، على مستويات متعددة سياسياً، عسكرياً، أمنياً واقتصادياً، والبحث عن فتح خطوط جديدة للتجارة والممرات والمعابر. 

لقد بنت دول الخليج العربي رؤيتها واستراتيجياتها على أساس الاستقرار الذي تسعى كل من إسرائيل وإيران إلى ضربه بشكل دائم، وصولاً إلى الحرب الحالية، التي لم تكن دول الخليج طرفاً فيها، لكن إيران تريد استدراجها إليها لتحميلها جزءاً من الكلفة والخسائر. 

الأمن الذاتي

في الخليج هناك قناعة تتكون بأن كل التحالفات والعلاقات التي كانت قائمة على المستوى الخارجي لا بد من إعادة النظر بها، مع التركيز على فكرة الأمن الذاتي القائم على مرتكزات التحالف بين الدول الخليجية، خصوصاً أن الحرب فرضت تقارباً خليجياً، وتعاوناً على صعد مختلفة، من خلال الاتصالات واللقاءات التي عقدت بين زعماء ورؤساء تلك الدول. كما أن ما فرضته الحرب هو أهمية الحفاظ على العلاقات مع الدول الكبرى أو بناء تكتلات تحالفية كبرى، وهذا ما يعني تعزيز علاقة دول الخليج مع السعودية، إضافة إلى تعزيز العلاقة مع غيرها من الدول العربية أو الإقليمية، وهو ما يشكل عنصر ضغط على الأميركيين الذين سيكونون بحاجة دائمة إلى العلاقة الجيدة مع القوى الخليجية، كما مع تركيا وسوريا وباكستان، خصوصاً في ظل تكوين قناعة بأن هدف إسرائيل هو ضرب الدول الكبيرة وذات الاقتصادات النشطة، إما من خلال تطويقها بمشاكل أو من خلال السعي لخلق إشكالات داخل كل دولة لمصلحة منطق دعم “الكيانات الصغرى”.

الدور السعودي

يمكن للسعودية بعد هذه الحرب أن تعمل على إعادة بناء التحالف الخليجي من جديد. إذ إن كل الدول الخليجية ستكون بحاجة للتحالف معها، وهي فرصة يمكنها أن تدفع السعودية لإعادة ترميم الجامعة العربية ودورها، انطلاقاً من الدور السعودي الممتد من الخليج إلى المشرق العربي، كما أنها فرصة لإعادة بناء منظومة إقليمية بالنظر إلى العلاقات الجيدة بين السعودية وتركيا وباكستان. في هذه الحال، ستكون السعودية هي المخولة إبرام الاتفاقات أو التحالفات أو التفاهمات، سواء مع إيران أو الولايات المتحدة الأميركية أو حتى إسرائيل، على قاعدة تحصين الدول العربية لموقفها السياسي بوحدة الموقف، وتتمسك بأحقية القضية الفلسطينية وعدالتها، وفرض أي اتفاق على المستوى الدولي أو الإقليمي أن يشمل حماية فلسطين، وعدم تركها منسية على جدول الحرب الإسرائيلية ومشروع القضم والضم، وهو يقتضي أيضاً حماية لبنان وسوريا من المطامع الإسرائيلية في تحصيل مكاسب سياسية أو جغرافية. 

الخليج ومؤامرات الهيمنة والتخريب: نحو منظومة عربية للحماية

الكاتب: منير الربيع | المصدر: المدن
20 آذار 2026

دخلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران منعطفاً جديداً. تكاد أن تتحول إلى حرب شاملة بفعل الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول الخليج، في الوقت الذي تسعى فيه هذه الدول مع كل من تركيا وباكستان في سبيل وقف الحرب. المفارقة، أنه بالتزامن مع انعقاد اجتماع وزراء دول عربية وإسلامية في الرياض، أطلقت إيران صواريخ على العاصمة السعودية، وهذا ما دفع بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان لإجراء اتصال بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي معاتباً، وقد خاطبه بالقول: “ما هذا الجنون الذي تقومون به، نحن نعقد اجتماعاً لأجلكم ومن أجل وقف الحرب، فهل تريدون استهدافنا وتوسيع الحرب وإدخال دول جديدة إليها؟”. في تقديرات العديد من المسؤولين الديبلوماسيين، أن القرار الإيراني أصبح بالكامل في يد الحرس الثوري، ولم يعد هناك أي صلاحيات فعلية للرئيس الإيراني أو لوزير الخارجية. وبالعودة إلى الرياض، فقد عقدت على هامش الاجتماع الموسع لقاءات بين وزراء خارجية تركيا، السعودية، باكستان ومصر، ذلكَ للبحث عن إطار تشاركي لمواجهة تداعيات الحرب على إيران، والمخاوف من الانتقال الإسرائيلي لمواجهة مع هذه الدول مستقبلاً. 

إيران وتوسيع الحرب

على مدى عقود، سعت إسرائيل إلى تقديم نفسها كطرف يسعى إلى التفاهم مع دول خليجية وعربية، استناداً إلى تخويفها من المشروع الإيراني. استثمرت تل أبيب في خوف دول الخليج من إيران ومشروعها التوسعي وقدراتها العسكرية وحلفائها المنتشرين في المنطقة، لدفع العرب إلى إسرائيل. مع اندلاع الحرب على إيران، لجأت طهران إلى ضرب أهداف خليجية، وليس فقط قواعد عسكرية أميركية، بل المرافق الحيوية والمنشآت النفطية، في محاولة لتدفيع هذه الدول كلفة الحرب أو استدراجها إليها، في إطار السعي الإيراني لتوسيع الحرب ورفع كلفتها على الاقتصاد العالمي، وإشعال أزمة عالمية على مستوى الطاقة، بهدف تشكيل ضغط هائل يوقف الحرب. لكن ذلك جدد الأزمة البنيوية في العلاقة بين دول الخليج وإيران، وقضى على كل محاولات التهدئة والتفاهم التي برزت في السنوات القليلة الماضية.

مشروع عربي؟

كان الخليج هو الهدف الدائم والاستراتيجي لمشروع الهيمنة الإقليمية الإيرانية، انطلاقاً من مشروع إيراني واضح المعالم يتواجه مع مشروع إسرائيلي، بينما لم يكن قد ظهر مشروع عربي قادر على طرح رؤيته. أما اليوم، وفي ظل هذه الحرب الحالية وما سبقها وما سيليها، خصوصاً في ظل مواصلة إسرائيل العبث بالساحة العربية، وسعيها الى تشظيتها، أصبح لا بد عربياً من البحث عن كيفية التماسك العربي، انطلاقاً من التعاون بين دول الخليج والمشرق العربي، وبناء سياسات تتجاوز حساسيات الماضي والخلافات البينية والاعتبارات المحلية، لطرح رؤية واضحة تتصدى للتعالي الإسرائيلي والمشروع التوسعي، والتعامل مع ما نتج وينتج عن المشروع الإيراني الذي وصل إلى حد استهداف هذه الدول. 

فعلى مدى سنوات، عملت إيران على تطويق دول الخليج من خلال مدّ نفوذها نحو المشرق العربي، خصوصاً تمددها في العراق، سوريا ولبنان وصولاً إلى اليمن. وقد عبّر حلفاء إيران مراراً عن سعيهم إلى ما سموه “تحرير الأراضي المقدسة في الجزيرة العربية”. عملت إيران أيضاً على الاستحواذ على القضية الفلسطينية ومصادرتها، وأظهرت العرب كأنّهم تخلّوا عن هذه القضية أو تناسوها. بينما هناك ضرورة عربية الآن لاستعادة قضية فلسطين ورعايتها والمطالبة بتثبيت حقوقها.

صدمة خليجية

مع بداية الاعتداءات الإيرانية تكونت صدمة خليجية، لأنّ طهران لم ترضَ بالحياد الخليجي ولم تسعَ لكسبه والاستثمار فيه لوقف الحرب، لا سيما بعد مساعٍ خليجية واضحة لتجنب الحرب على إيران وتداعياتها. هذه الصدمة، دفعت العرب إلى إعادة النظر بمفهوم العلاقة مع إيران، وعلى أي أسس جديدة يجب أن تُبنَى تلك العلاقة، مهما كان شكل النظام الإيراني. ذلكَ من خلال وضع سياسة دفاعية موحدة تؤمن الردع، وسياسة ديبلوماسية قائمة على ضمانات طويلة الأمد بين ضفتي الخليج. وهذا لا يكون إلا باستكمال استعادة العروبة للمشرق العربي.  

إسقاط المسلّمات

مسلمات كثيرة أسقطتها هذه الحرب. منذ ما بعد حرب الخليج لم يكن أحد يتوقع أن يُغلق مضيق هرمز مجدداً. لم يكن أحد يتوقع أن تتعرض دول الخليج العربي إلى هذا الكم من الاعتداءات والضربات. وإحدى أهم الأوهام التي سقطت ذاك الظن بأن هذه الدول بمجرد تعرضها لضربة واحدة، ستنهار عسكرياً وأمنياً واقتصادياً، وهو ما لم يحصل على الإطلاق. ويبدو أن هذه الحرب وفي ضوء المتغيرات التي تحدثها، بإمكانها أن تشكل فرصة حقيقية لولادة مشروع إقليمي جديد يبدأ من الخليج ودوله ويمتد إلى المشرق العربي. 

إنها التجربة الأقوى والأخطر التي تواجهها دول الخليج. فالحرب هي الأكبر منذ حرب الخليج الأولى التي تمر على هذه الدول كمجموعة. وهي المرة الأولى التي تتعرض فيها هذه الدول لهذا المستوى من الضغط ولهذا النوع من التجارب الخطيرة. إذ إن ست دول خليجية تتعرض للاعتداء في الوقت نفسه، بينما هي غير شريكة في الحرب. ومع ذلك، أظهرت قدرة تحمل واستيعاب كبرى، وتمكنت من الدفاع عن نفسها، بالنظر إلى الكم الكبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة الذي أُطلق عليها، وأبقت نفسها في موقف الدفاع من دون الانتقال إلى الهجوم.

موقف حكيم

الاعتداءات، ومحاولات استدراج دول الخليج إلى الحرب أو تكبيدها المزيد من الخسائر، وإغلاق مضيق هرمز، كلها أسباب دفعت تلك الدول إلى البحث عن بدائل. إلى جانب التعامل مع الاعتداءات بموقف سياسي صلب، وفيه الكثير من الحكمة، على الرغم من الضغط الهائل الذي تعرضت له هذه الدول، سواء من قبل الإسرائيليين أو الأميركيين للانخراط في الحرب، إلا أنها قاربت التطورات بواقعية، فلم تنجر ولم تخضع للضغوط، وأظهرت قدرة على ثبات الموقف. 

منذ اللحظة الأولى لم تكن دول الخليج تريد الحرب، لأنها تعرف مخاطرها على المنطقة، وسعت إلى البحث عن تسوية واتفاق. أما مع اندلاعها، فقد مارست إيران سلوكاً عدائياً تجاه العرب، وأصرت على تدفيعهم ثمناً لحرب لم يختاروا الدخول فيها. 

ممرّات جديدة

لكن كل ما يجري يمكنه أن يصب في مصلحة هذه الدول ككل، خصوصاً في حال تشكيل رؤية استراتيجية جديدة لدورها على مستوى المنطقة، من خلال إعادة بناء وحدة خليجية قابلة للتكامل مع مصر ودول عربية أخرى وحتى إقليمية، في إطار اتفاقات سياسية، دفاعية، واقتصادية، والبحث عن ممرات جديدة، لا سيما أن هذه الدول قد سعت سريعاً إلى تأمين بدائل عن مضيق هرمز الذي جرى إغلاقه، على قاعدة التكامل الجغرافي والسياسي مع السعودية للاستفادة من مطاراتها وموانئها. 

إذ فرضت الحرب على السعودية السعي إلى تصدير ما يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً وتجاوز مضيق هرمز. أما الأساس لدى السعودية فيبقى في خط أنابيب شرق-غرب؛ أي من ميناء جبيل باتجاه ميناء ينبع، وهو خط أنابيب يمتد عبر الصحراء، ينقل النفط من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل، ويستوعب قدرة نقل تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا. وبُعيد اندلاع الحرب وإغلاق إيران لمضيق هرمز، فعّلت السعودية هذا الخط، الذي بُني قبل أكثر من أربعين عامًا. ويمكن لهذا الممر أن يشكل نقطة التقاء استراتيجية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، ويحدث تحولاً في الجغرافيا السياسية والاقتصادية. 

فالسعودية وانطلاقاً من علاقتها الاستراتيجية والتحالفية مع سوريا، يمكنها أن تعمل على تفعيل خط تجاري بري عبر الأردن باتجاه سوريا، ومن سوريا إلى تركيا نحو أوروبا، والوصول إلى البحر المتوسط عبر الجغرافيا السورية. وبذلك أيضاً يمكن للسعودية ودول الخليج أن تتجاوز أي مخاطر ستنجم في البحر الأحمر لاحقاً وليس فقط في مضيق هرمز. 

قطر كلاعب أساسي

كذلك يمكن لهذه الحرب أن تشكل فرصة استراتيجية لدولة قطر كلاعب أساسي في سوق الغاز العالمي، وانطلاقاً من العلاقة التكاملية والتشاركية مع دول الخليج ومع سوريا لتفعيل وتطوير أنبوب الغاز الواصل إلى الأراضي السورية، واستخدام الجغرافيا السورية للتكامل مع تركيا والتصدير نحو أوروبا، انطلاقاً من الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط. كما أن لبنان بإمكانه أن يكون إحدى الدول المستفيدة من كل هذه التحولات، إذا نجح بربط نفسه بمثل هذا المشروع، وتفعيل موانئه إلى جانب الموانئ السورية، وتجديد دوره كمحطة تصدير نحو أوروبا عبر المتوسط، في إطار صد أي مطامع إسرائيلية في تحويله إلى بلد ملحق بالسياسة والاقتصاد الإسرائيليين. 

رؤية استراتيجية موحدة

تفرض الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والاعتداءات المتعمدة التي تمارسها الجمهورية الإسلامية على دول الخليج العربي، إعادة التفكير برؤية استراتيجية عربية لليوم التالي للحرب. رؤية لا يمكنها أن تخلو من التكامل بين الخليج والمشرق العربي، على مستويات متعددة سياسياً، عسكرياً، أمنياً واقتصادياً، والبحث عن فتح خطوط جديدة للتجارة والممرات والمعابر. 

لقد بنت دول الخليج العربي رؤيتها واستراتيجياتها على أساس الاستقرار الذي تسعى كل من إسرائيل وإيران إلى ضربه بشكل دائم، وصولاً إلى الحرب الحالية، التي لم تكن دول الخليج طرفاً فيها، لكن إيران تريد استدراجها إليها لتحميلها جزءاً من الكلفة والخسائر. 

الأمن الذاتي

في الخليج هناك قناعة تتكون بأن كل التحالفات والعلاقات التي كانت قائمة على المستوى الخارجي لا بد من إعادة النظر بها، مع التركيز على فكرة الأمن الذاتي القائم على مرتكزات التحالف بين الدول الخليجية، خصوصاً أن الحرب فرضت تقارباً خليجياً، وتعاوناً على صعد مختلفة، من خلال الاتصالات واللقاءات التي عقدت بين زعماء ورؤساء تلك الدول. كما أن ما فرضته الحرب هو أهمية الحفاظ على العلاقات مع الدول الكبرى أو بناء تكتلات تحالفية كبرى، وهذا ما يعني تعزيز علاقة دول الخليج مع السعودية، إضافة إلى تعزيز العلاقة مع غيرها من الدول العربية أو الإقليمية، وهو ما يشكل عنصر ضغط على الأميركيين الذين سيكونون بحاجة دائمة إلى العلاقة الجيدة مع القوى الخليجية، كما مع تركيا وسوريا وباكستان، خصوصاً في ظل تكوين قناعة بأن هدف إسرائيل هو ضرب الدول الكبيرة وذات الاقتصادات النشطة، إما من خلال تطويقها بمشاكل أو من خلال السعي لخلق إشكالات داخل كل دولة لمصلحة منطق دعم “الكيانات الصغرى”.

الدور السعودي

يمكن للسعودية بعد هذه الحرب أن تعمل على إعادة بناء التحالف الخليجي من جديد. إذ إن كل الدول الخليجية ستكون بحاجة للتحالف معها، وهي فرصة يمكنها أن تدفع السعودية لإعادة ترميم الجامعة العربية ودورها، انطلاقاً من الدور السعودي الممتد من الخليج إلى المشرق العربي، كما أنها فرصة لإعادة بناء منظومة إقليمية بالنظر إلى العلاقات الجيدة بين السعودية وتركيا وباكستان. في هذه الحال، ستكون السعودية هي المخولة إبرام الاتفاقات أو التحالفات أو التفاهمات، سواء مع إيران أو الولايات المتحدة الأميركية أو حتى إسرائيل، على قاعدة تحصين الدول العربية لموقفها السياسي بوحدة الموقف، وتتمسك بأحقية القضية الفلسطينية وعدالتها، وفرض أي اتفاق على المستوى الدولي أو الإقليمي أن يشمل حماية فلسطين، وعدم تركها منسية على جدول الحرب الإسرائيلية ومشروع القضم والضم، وهو يقتضي أيضاً حماية لبنان وسوريا من المطامع الإسرائيلية في تحصيل مكاسب سياسية أو جغرافية. 

مزيد من الأخبار