الطّريق إلى اتّفاق جديد مع إسرائيل

الكاتب: جوزفين ديب | المصدر: اساس ميديا
22 آذار 2026

عام 1983، أسقطت انتفاضة 6 شباط اتّفاق 17 أيّار الذي وُلد بعد اجتياح إسرائيليّ للبنان وضغط دوليّ، وبرعاية أميركيّة. يومها، وتزامناً مع بدء بروز “الشيعيّة السياسيّة”، قاد الانتفاضة رئيس حركة أمل نبيه برّي وإلى جانبه الحليف التاريخيّ في الميدان والسياسة رئيس الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ وليد جنبلاط، ومعهما المجموعات العروبيّة المختلفة التي أعطت بُعداً سنّيّاً عربيّاً للانتفاضة.

 

أُسقِط الخيار المسيحيّ بالذهاب إلى اتّفاق مع إسرائيل من دون غطاء وطنيّ شامل، وتحديداً شراكة المسلمين، ومن دون غطاء عربيّ، بينما كانت نظريّات منسوبة إلى وزير الخارجيّة الأميركيّ هنري كيسنجر، بصرف النظر عن دقّتها، قد بدأت تطرح خياراً للمسيحيّين في بداية الحرب الأهليّة لترحيلهم إلى الغرب. إلّا أنّ التحوّل لم يبدأ فقط برفض المسيحيّين المغادرة، بل بتراجع رافعتهم الدوليّة تدريجاً، إلى حدّ انكفاء تأثيرها إلى حدّ كبير، لا سيما مع انحسار الدور الفرنسيّ في المراحل اللاحقة.

اليوم، وبعد هذه الحرب التي تصفها المراجع الدبلوماسيّة المعنيّة بلبنان بأنّها مفصليّة، يبدو لبنان في لحظة تأسيسيّة انطلق مسارها منذ انتفاضة 6 شباط، لحظة فرضت واقعاً سياسيّاً جديداً، ليس فقط على مستوى أيّ اتّفاق مقبل مع إسرائيل، بل على صعيد موازين القوى الداخليّة وأدوار الطوائف في صياغة المشهد المقبل.

تفويت الفرصة الأخيرة: العهد والقوى المسيحيّة

شكّل انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة الفرصة الأخيرة لإعادة تثبيت الدور المسيحيّ في الدولة، عبر إنتاج توازن سياسيّ جديد وخطاب وطنيّ جامع. إلّا أنّ هذه اللحظة تراجعت مع تراجع الدعم الدوليّ الذي رافق الأشهر الأولى للعهد.

إلّا أنّ هذا التراجع ليس وليد اللحظة فقط، بل هو مسار متراكم يعود، بالحدّ الأدنى، إلى ما بعد اتّفاق 17 أيّار، منذ الحرب الأهليّة وصولاً إلى أداء القوى المسيحيّة التقليديّة في مرحلة ما بعد الحرب. انتقلت هذه القوى ونقلت معها الدور المسيحيّ من موقع الشريك المؤثّر إلى موقع محصور بالتنافس الداخليّ، وسط خطاب طائفيّ ومزايدات شعبويّة أضعفت قدرتها على التأثير في القضايا الكبرى.

مع مرور الوقت، انقسمت رافعة المسيحيّين الإقليميّة بين خيارين: دعم سعوديّ لحزب القوّات اللبنانيّة، مقابل تحالف “التيّار الوطنيّ الحرّ” مع “الحزب”، ومن خلفه إيران، فتراجعت القدرة على إنتاج قرار مسيحيّ مستقلّ وموحّد.

السُّنّة: إدارة التّوازن لا التهدئة وحسب

في موازاة حصر الخطاب المسيحيّ في لعبة المزايدات المحليّة، اختارت المرجعيّات السنيّة نهجاً مختلفاً يقوم على إدارة التوازن والتأسيس الهادئ للمرحلة المقبلة. الموقف السنّيّ لا يمكن اختزاله بالهدوء، بل هو تعبير عن قراءة دقيقة لحساسيّة المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراع داخليّ موازٍ للحرب.

تجلّى هذا النهج في خطاب دار الفتوى، الذي عبّر عنه الشيخ أمين الكرديّ في خطبة العيد، وبدا واضحاً خيار استيعاب التوتّر، ومنع الفتنة بين المسلمين خصوصاً، واللبنانيّين عموماً، والحفاظ على تماسك الدولة.

لكن خلف هذا الخطاب تبرز ديناميّة سياسيّة أعمق. يدرك السُّنّة أنّ الإقليم مقبل على توازنات جديدة، وأنّ العمق العربيّ والخليجيّ سيشكّل رافعة أساسيّة لدورهم في لحظة نضوج أيّ اتّفاق. بالتالي يمنحهم موقعهم الداخليّ والخارجيّ دوراً أساسيّاً في المرحلة المقبلة، وأيّ اتّفاق يحصل من خارج هذه المعادلة ساقط حكماً.

الشّيعة والحرب: من 6 شباط والتّهجير إلى تثبيت الدّور

راكمت الطائفة الشيعيّة مكتسبات في الدولة اللبنانيّة على مرّ المراحل، وبلغت ذروتها بعد حرب 2006، ثمّ مع تحوّل “الحزب” إلى قوّة إقليميّة. إلّا أنّ الحرب الحاليّة تشكّل نقطة تحوّل، إذ يخوض المحور الذي ينتمي إليه “الحزب” مواجهة قد تفضي إلى تراجع دوره الإقليميّ.

قد لا ينسحب هذا التراجع الخارجيّ بالضرورة على الداخل اللبنانيّ، فبعد هذه الحرب، ومع التهجير الواسع وغياب مؤشّرات عودة سريعة، لم يتراجع الحضور السياسيّ الشيعيّ، بل ازداد تماسكاً وثباتاً.

يستند هذا الحضور إلى عنصرين متلازمين:

  • امتلاك ورقة السلاح كعامل قوّة مباشر في أيّ توازن داخليّ أو إقليميّ.
  • تراكم نفوذ سياسيّ وأمنيّ جعل هذا المكوّن لاعباً مركزيّاً في إدارة الأزمات وصياغة التسويات.

لكنّ المرحلة المقبلة تفرض انتقالاً من منطق القوّة إلى منطق الشراكة. حتّى ضمن سقف اتّفاق الطائف، لا يمكن لأيّ تسوية أن تستقرّ إذا لم تُترجم هذه القوّة إلى شراكة فعليّة في القرار، وشكّلت توازناً ردعيّاً وحسب.

 

الدّولة: إطار للتّوازن لا صانع له

بانتظار ورشة عمل إعادة تأسيس الدولة، إن حصلت، يُعاد تكريس موازين القوى الداخليّة بعيداً عن إطار مرجعيّة الدولة المركز الجامع لصناعة القرار. تحوّلت أكثر فأكثر إلى إطار ينظّم توازن القوى بين المكوّنات، بدلاً من أن يكون هو من ينتجها. حتّى تبدّل هذا الواقع، يقف لبنان على عتبة مرحلة جديدة تعيد فيها الحرب ترتيب الأدوار والأحجام. بينما يتقدّم الثقل السنّي–الشيعيّ إلى واجهة المشهد، يتراجع الدور المسيحيّ من موقع أساسيّ إلى موقع ثانويّ في المعادلة الكبرى، وإن حافظ على شراكته في الدولة من خلال المناصفة.

إلّا أنّ أيّ اختلال عميق في التوازن اللبنانيّ سرعان ما يولّد أزمات جديدة. وعليه، لا يكمن التحدّي فقط في إنتاج اتّفاق جديد، بل في ضمان أن يكون اتّفاقاً يعكس شراكة فعليّة بين القوى اللبنانيّة لبناء دولة قويّة تلعب دوراً ضامناً لكلّ اللبنانيّين، ولا يعكس موازين قوى طائفيّة ظرفيّة.

في لبنان، من لا يقرأ التحوّلات… فلن يكون شريكاً فيها.

الطّريق إلى اتّفاق جديد مع إسرائيل

الكاتب: جوزفين ديب | المصدر: اساس ميديا
22 آذار 2026

عام 1983، أسقطت انتفاضة 6 شباط اتّفاق 17 أيّار الذي وُلد بعد اجتياح إسرائيليّ للبنان وضغط دوليّ، وبرعاية أميركيّة. يومها، وتزامناً مع بدء بروز “الشيعيّة السياسيّة”، قاد الانتفاضة رئيس حركة أمل نبيه برّي وإلى جانبه الحليف التاريخيّ في الميدان والسياسة رئيس الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ وليد جنبلاط، ومعهما المجموعات العروبيّة المختلفة التي أعطت بُعداً سنّيّاً عربيّاً للانتفاضة.

 

أُسقِط الخيار المسيحيّ بالذهاب إلى اتّفاق مع إسرائيل من دون غطاء وطنيّ شامل، وتحديداً شراكة المسلمين، ومن دون غطاء عربيّ، بينما كانت نظريّات منسوبة إلى وزير الخارجيّة الأميركيّ هنري كيسنجر، بصرف النظر عن دقّتها، قد بدأت تطرح خياراً للمسيحيّين في بداية الحرب الأهليّة لترحيلهم إلى الغرب. إلّا أنّ التحوّل لم يبدأ فقط برفض المسيحيّين المغادرة، بل بتراجع رافعتهم الدوليّة تدريجاً، إلى حدّ انكفاء تأثيرها إلى حدّ كبير، لا سيما مع انحسار الدور الفرنسيّ في المراحل اللاحقة.

اليوم، وبعد هذه الحرب التي تصفها المراجع الدبلوماسيّة المعنيّة بلبنان بأنّها مفصليّة، يبدو لبنان في لحظة تأسيسيّة انطلق مسارها منذ انتفاضة 6 شباط، لحظة فرضت واقعاً سياسيّاً جديداً، ليس فقط على مستوى أيّ اتّفاق مقبل مع إسرائيل، بل على صعيد موازين القوى الداخليّة وأدوار الطوائف في صياغة المشهد المقبل.

تفويت الفرصة الأخيرة: العهد والقوى المسيحيّة

شكّل انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة الفرصة الأخيرة لإعادة تثبيت الدور المسيحيّ في الدولة، عبر إنتاج توازن سياسيّ جديد وخطاب وطنيّ جامع. إلّا أنّ هذه اللحظة تراجعت مع تراجع الدعم الدوليّ الذي رافق الأشهر الأولى للعهد.

إلّا أنّ هذا التراجع ليس وليد اللحظة فقط، بل هو مسار متراكم يعود، بالحدّ الأدنى، إلى ما بعد اتّفاق 17 أيّار، منذ الحرب الأهليّة وصولاً إلى أداء القوى المسيحيّة التقليديّة في مرحلة ما بعد الحرب. انتقلت هذه القوى ونقلت معها الدور المسيحيّ من موقع الشريك المؤثّر إلى موقع محصور بالتنافس الداخليّ، وسط خطاب طائفيّ ومزايدات شعبويّة أضعفت قدرتها على التأثير في القضايا الكبرى.

مع مرور الوقت، انقسمت رافعة المسيحيّين الإقليميّة بين خيارين: دعم سعوديّ لحزب القوّات اللبنانيّة، مقابل تحالف “التيّار الوطنيّ الحرّ” مع “الحزب”، ومن خلفه إيران، فتراجعت القدرة على إنتاج قرار مسيحيّ مستقلّ وموحّد.

السُّنّة: إدارة التّوازن لا التهدئة وحسب

في موازاة حصر الخطاب المسيحيّ في لعبة المزايدات المحليّة، اختارت المرجعيّات السنيّة نهجاً مختلفاً يقوم على إدارة التوازن والتأسيس الهادئ للمرحلة المقبلة. الموقف السنّيّ لا يمكن اختزاله بالهدوء، بل هو تعبير عن قراءة دقيقة لحساسيّة المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراع داخليّ موازٍ للحرب.

تجلّى هذا النهج في خطاب دار الفتوى، الذي عبّر عنه الشيخ أمين الكرديّ في خطبة العيد، وبدا واضحاً خيار استيعاب التوتّر، ومنع الفتنة بين المسلمين خصوصاً، واللبنانيّين عموماً، والحفاظ على تماسك الدولة.

لكن خلف هذا الخطاب تبرز ديناميّة سياسيّة أعمق. يدرك السُّنّة أنّ الإقليم مقبل على توازنات جديدة، وأنّ العمق العربيّ والخليجيّ سيشكّل رافعة أساسيّة لدورهم في لحظة نضوج أيّ اتّفاق. بالتالي يمنحهم موقعهم الداخليّ والخارجيّ دوراً أساسيّاً في المرحلة المقبلة، وأيّ اتّفاق يحصل من خارج هذه المعادلة ساقط حكماً.

الشّيعة والحرب: من 6 شباط والتّهجير إلى تثبيت الدّور

راكمت الطائفة الشيعيّة مكتسبات في الدولة اللبنانيّة على مرّ المراحل، وبلغت ذروتها بعد حرب 2006، ثمّ مع تحوّل “الحزب” إلى قوّة إقليميّة. إلّا أنّ الحرب الحاليّة تشكّل نقطة تحوّل، إذ يخوض المحور الذي ينتمي إليه “الحزب” مواجهة قد تفضي إلى تراجع دوره الإقليميّ.

قد لا ينسحب هذا التراجع الخارجيّ بالضرورة على الداخل اللبنانيّ، فبعد هذه الحرب، ومع التهجير الواسع وغياب مؤشّرات عودة سريعة، لم يتراجع الحضور السياسيّ الشيعيّ، بل ازداد تماسكاً وثباتاً.

يستند هذا الحضور إلى عنصرين متلازمين:

  • امتلاك ورقة السلاح كعامل قوّة مباشر في أيّ توازن داخليّ أو إقليميّ.
  • تراكم نفوذ سياسيّ وأمنيّ جعل هذا المكوّن لاعباً مركزيّاً في إدارة الأزمات وصياغة التسويات.

لكنّ المرحلة المقبلة تفرض انتقالاً من منطق القوّة إلى منطق الشراكة. حتّى ضمن سقف اتّفاق الطائف، لا يمكن لأيّ تسوية أن تستقرّ إذا لم تُترجم هذه القوّة إلى شراكة فعليّة في القرار، وشكّلت توازناً ردعيّاً وحسب.

 

الدّولة: إطار للتّوازن لا صانع له

بانتظار ورشة عمل إعادة تأسيس الدولة، إن حصلت، يُعاد تكريس موازين القوى الداخليّة بعيداً عن إطار مرجعيّة الدولة المركز الجامع لصناعة القرار. تحوّلت أكثر فأكثر إلى إطار ينظّم توازن القوى بين المكوّنات، بدلاً من أن يكون هو من ينتجها. حتّى تبدّل هذا الواقع، يقف لبنان على عتبة مرحلة جديدة تعيد فيها الحرب ترتيب الأدوار والأحجام. بينما يتقدّم الثقل السنّي–الشيعيّ إلى واجهة المشهد، يتراجع الدور المسيحيّ من موقع أساسيّ إلى موقع ثانويّ في المعادلة الكبرى، وإن حافظ على شراكته في الدولة من خلال المناصفة.

إلّا أنّ أيّ اختلال عميق في التوازن اللبنانيّ سرعان ما يولّد أزمات جديدة. وعليه، لا يكمن التحدّي فقط في إنتاج اتّفاق جديد، بل في ضمان أن يكون اتّفاقاً يعكس شراكة فعليّة بين القوى اللبنانيّة لبناء دولة قويّة تلعب دوراً ضامناً لكلّ اللبنانيّين، ولا يعكس موازين قوى طائفيّة ظرفيّة.

في لبنان، من لا يقرأ التحوّلات… فلن يكون شريكاً فيها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار