نداء من الجسور المقطوعة

الكاتب: قاسم يوسف | المصدر: اساس ميديا
22 آذار 2026

فقد لبنان الرسمي ما تبقى من ثقة المجتمع الدولي. لم يعد هاتف يرن في مؤسسات الدولة، ولم يعد أحدٌ في العالم مستعد للاستماع لأي اقتراح، ولم تعد المبادرات الخارجية تُطرح بالزخم ذاته. ثمة يقين متزايد بأن الدولة ليست قادرة على الالتزام بتعهداتها، وأن قرارها مختطف.

 

في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، حيث تتقاطع الحروب المفتوحة مع الانقسامات الداخلية، يبدو لبنان وكأنه يقف مجددًا على حافة هاوية سحيقة. فبينما تمضي إسرائيل في استهداف لبنان وفي قصف الجسور لتقطيع أوصال الجنوب وعزله عن محيطه، يتكرّس في المقابل مشهد موازٍ لا يقل خطورة، يتمثل في السحق العبثي لكل الجسور السياسية والوطنية.

نسف “الحزب” كل جسر مع الدولة، ومع مؤسساتها الشرعية، ومع مكوناتها السياسية، بل ومع الشرائح الأوسع من المجتمع اللبناني ومن بيئته الحاضنة غير الملتزمة. لقد أدخل لبنان في أتون مغامرة مجنونة بلا أي أفق واضح، عبر افتعال مواجهة عسكرية لا تخضع لأي حسابات وطنية، بقدر ما تعكس التزامًا صارمًا بأجندة إيرانية تضرب عرض الحائط البلد ومصالحه.

بناء الجسور لا هدمها

المفارقة المهولة أن هذا المسار يتناقض جذريًا مع جوهر العمل السياسي. فالسياسة في أصلها، هي فن بناء الجسور لا هدمها، فن إيجاد التسويات لا تفجيرها. غير أن ما نشهده اليوم هو العكس تمامًا: قطيعة شبه كاملة مع القوى السياسية الداخلية، توتر كبير مع الحلفاء قبل الخصوم، وعداء متصاعد مع الدول العربية ومع المجتمع الدولي. أي منطق سياسي يمكن أن يبرر هذا الانعزال الشامل والانتحار الجماعي؟

ثمة سؤال يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يريد “الحزب”؟ وإلى أين يأخذ لبنان؟ الوقائع كلها تؤكد أن البلاد تُدفع دفعًا نحو مزيد من الدمار والانهيار. هذه ليست مجرد مواجهة محدودة أو رسالة سياسية، بل مسار تصعيدي قد يفضي إلى تدمير كل شيء، وإلى دفع اللبنانيين عمومًا، والبيئة الحاضنة على وجه الخصوص، أثمانًا باهظة على مذبح صراعات وأوهام لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ففي لحظة مفصلية شكّلت اختبارًا قاسيًا لطبيعة العلاقة بين إيران وأذرعها، بدا واضحًا أن مصالح إيران تتقدّم على كل شيء. فعندما تم اغتيال السيد حسن نصر الله، ساد الصمت الثقيل، لم نشهد ردًا إيرانيًا يتناسب مع حجم الفجيعة، ومُنع الحزب من الرد على قتل أمينه العام، رغم ما يمتلكه من ترسانة عسكرية هائلة، ثم ارتضى أن يدفن رأسه في الرمال على مدى 15 شهرًا، وهو يتعرض كل يوم للاستهداف.

السلاح نفسه الذي لم يُستخدم في لحظة مفصلية تخص الحزب والجنوب والضاحية والشيعة، يُستحضر اليوم في سياق الدفاع عن مصالح إيران ومشروعها. هذه المفارقة القاسية تضع ما تبقى من عاقلين أمام صورة شديدة الوضوح: بين خطاب الحماية والاحتضان الذي رُفع على مدى عقود، وواقع يبدو فيه أنهم يُتركون لمصيرهم في اللحظات الحرجة، فيما يُعاد توظيف قدراتهم وإمكاناتهم في معارك لا يملكون قرارها.

هي صورة تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، مراجعة عميقة وصريحة لمسار طويل من الخيارات الآثمة. فهل من عاقل داخل الحزب قادر على كبح جماح هذا الانجراف؟

نداء أخير

إن اللحظة الراهنة تستدعي وقفة شجاعة. وهذا نداء صادقٌ وصريح إلى ما تبقى من عقل داخل الحزب، وإلى صناع القرار فيه: لقد آن الأوان لإعادة النظر. آن الأوان لتسليم الدولة زمام الأمور، والانضواء تحت سقفها ومؤسساتها. آن الأوان للتخلي عن منطق السلاح، والتحول إلى حزب سياسي طبيعي، يعمل ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية، شأنه شأن سائر الأحزاب اللبنانية.

التجربة أثبتت أن السلاح لا يبني دولة، بل يقوّضها. وأن الارتهان لمحاور خارجية لا يحمي الأوطان، بل يجعلها ساحات. لبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من المغامرات، ولا مزيدًا من الحروب التي تُخاض على أرضه وبأجساد أبنائه.

 

لقد مرّت لحظات مفصلية كان يمكن أن تشكّل نقطة تحوّل، لكن الفرص أُهدرت. واليوم لم يعد هناك متسع كبير للوقت. المطلوب قرار واضح: إما الاستمرار في هذا المسار العبثي الذي سيقود قطعًا إلى الهزيمة والعزلة والانهيار، وإما العودة إلى الدولة، بكل ما تعنيه من مسؤولية وشراكة وخيمة نستظلها جميعًا.

هذا نداء أخير قبل أن يسقط الجمل بما حمل. الخروج من هذا المسار ليس ضعفًا، بل شجاعة. والعودة إلى الدولة ليست خسارة، بل استعادة للعقل والبصيرة. لأن ما يجري اليوم لن يقودنا إلا إلى الدرك الأسفل من القاع السحيق.

نداء من الجسور المقطوعة

الكاتب: قاسم يوسف | المصدر: اساس ميديا
22 آذار 2026

فقد لبنان الرسمي ما تبقى من ثقة المجتمع الدولي. لم يعد هاتف يرن في مؤسسات الدولة، ولم يعد أحدٌ في العالم مستعد للاستماع لأي اقتراح، ولم تعد المبادرات الخارجية تُطرح بالزخم ذاته. ثمة يقين متزايد بأن الدولة ليست قادرة على الالتزام بتعهداتها، وأن قرارها مختطف.

 

في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، حيث تتقاطع الحروب المفتوحة مع الانقسامات الداخلية، يبدو لبنان وكأنه يقف مجددًا على حافة هاوية سحيقة. فبينما تمضي إسرائيل في استهداف لبنان وفي قصف الجسور لتقطيع أوصال الجنوب وعزله عن محيطه، يتكرّس في المقابل مشهد موازٍ لا يقل خطورة، يتمثل في السحق العبثي لكل الجسور السياسية والوطنية.

نسف “الحزب” كل جسر مع الدولة، ومع مؤسساتها الشرعية، ومع مكوناتها السياسية، بل ومع الشرائح الأوسع من المجتمع اللبناني ومن بيئته الحاضنة غير الملتزمة. لقد أدخل لبنان في أتون مغامرة مجنونة بلا أي أفق واضح، عبر افتعال مواجهة عسكرية لا تخضع لأي حسابات وطنية، بقدر ما تعكس التزامًا صارمًا بأجندة إيرانية تضرب عرض الحائط البلد ومصالحه.

بناء الجسور لا هدمها

المفارقة المهولة أن هذا المسار يتناقض جذريًا مع جوهر العمل السياسي. فالسياسة في أصلها، هي فن بناء الجسور لا هدمها، فن إيجاد التسويات لا تفجيرها. غير أن ما نشهده اليوم هو العكس تمامًا: قطيعة شبه كاملة مع القوى السياسية الداخلية، توتر كبير مع الحلفاء قبل الخصوم، وعداء متصاعد مع الدول العربية ومع المجتمع الدولي. أي منطق سياسي يمكن أن يبرر هذا الانعزال الشامل والانتحار الجماعي؟

ثمة سؤال يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يريد “الحزب”؟ وإلى أين يأخذ لبنان؟ الوقائع كلها تؤكد أن البلاد تُدفع دفعًا نحو مزيد من الدمار والانهيار. هذه ليست مجرد مواجهة محدودة أو رسالة سياسية، بل مسار تصعيدي قد يفضي إلى تدمير كل شيء، وإلى دفع اللبنانيين عمومًا، والبيئة الحاضنة على وجه الخصوص، أثمانًا باهظة على مذبح صراعات وأوهام لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ففي لحظة مفصلية شكّلت اختبارًا قاسيًا لطبيعة العلاقة بين إيران وأذرعها، بدا واضحًا أن مصالح إيران تتقدّم على كل شيء. فعندما تم اغتيال السيد حسن نصر الله، ساد الصمت الثقيل، لم نشهد ردًا إيرانيًا يتناسب مع حجم الفجيعة، ومُنع الحزب من الرد على قتل أمينه العام، رغم ما يمتلكه من ترسانة عسكرية هائلة، ثم ارتضى أن يدفن رأسه في الرمال على مدى 15 شهرًا، وهو يتعرض كل يوم للاستهداف.

السلاح نفسه الذي لم يُستخدم في لحظة مفصلية تخص الحزب والجنوب والضاحية والشيعة، يُستحضر اليوم في سياق الدفاع عن مصالح إيران ومشروعها. هذه المفارقة القاسية تضع ما تبقى من عاقلين أمام صورة شديدة الوضوح: بين خطاب الحماية والاحتضان الذي رُفع على مدى عقود، وواقع يبدو فيه أنهم يُتركون لمصيرهم في اللحظات الحرجة، فيما يُعاد توظيف قدراتهم وإمكاناتهم في معارك لا يملكون قرارها.

هي صورة تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، مراجعة عميقة وصريحة لمسار طويل من الخيارات الآثمة. فهل من عاقل داخل الحزب قادر على كبح جماح هذا الانجراف؟

نداء أخير

إن اللحظة الراهنة تستدعي وقفة شجاعة. وهذا نداء صادقٌ وصريح إلى ما تبقى من عقل داخل الحزب، وإلى صناع القرار فيه: لقد آن الأوان لإعادة النظر. آن الأوان لتسليم الدولة زمام الأمور، والانضواء تحت سقفها ومؤسساتها. آن الأوان للتخلي عن منطق السلاح، والتحول إلى حزب سياسي طبيعي، يعمل ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية، شأنه شأن سائر الأحزاب اللبنانية.

التجربة أثبتت أن السلاح لا يبني دولة، بل يقوّضها. وأن الارتهان لمحاور خارجية لا يحمي الأوطان، بل يجعلها ساحات. لبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من المغامرات، ولا مزيدًا من الحروب التي تُخاض على أرضه وبأجساد أبنائه.

 

لقد مرّت لحظات مفصلية كان يمكن أن تشكّل نقطة تحوّل، لكن الفرص أُهدرت. واليوم لم يعد هناك متسع كبير للوقت. المطلوب قرار واضح: إما الاستمرار في هذا المسار العبثي الذي سيقود قطعًا إلى الهزيمة والعزلة والانهيار، وإما العودة إلى الدولة، بكل ما تعنيه من مسؤولية وشراكة وخيمة نستظلها جميعًا.

هذا نداء أخير قبل أن يسقط الجمل بما حمل. الخروج من هذا المسار ليس ضعفًا، بل شجاعة. والعودة إلى الدولة ليست خسارة، بل استعادة للعقل والبصيرة. لأن ما يجري اليوم لن يقودنا إلا إلى الدرك الأسفل من القاع السحيق.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار