مفتاح المفاوضات في يد نعيم قاسم لا جوزاف عون

بعد اثنين وأربعين عامًا على انتفاضة 6 شباط 1984، أتمّ الزمن دورته الكاملة، وعاد صاخبًا إلى مأزق يشبه نقطة البداية. فمن انقلب يومها على اتفاق 17 أيار، وبدّل وجه المعادلات، يجد نفسه اليوم أمام امتحانٍ لم يكن في حسابه: أن يكون أمام خيار وحيد هو الانقلاب بنفسه على الانقلاب نفسه، في لحظة يصبح فيها الانقلاب على الانقلاب ضرورة لا خيارًا.
فاتفاق 17 أيار الذي انقلبت عليه قوى سمّت نفسها يومها “جبهة وطنية”، لم يولد من رغبة مسيحية يمينية في إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، بقدر ما ولد من توق إلى إرساء قدر من السلام الداخلي، بعدما تمّ العبث بأمن لبنان واستقراره تحت شعار “تحرير فلسطين”. لم يكن الاتفاق في جوهره، سوى محاولة لالتقاط أنفاس دولة أنهكتها حروب الآخرين المفتوحة على أرضها.
سقط اتفاق 17 أيار، ولم يكن سقوطه مجرّد سقوط اتفاق، بل سقوط محاولة لإخراج لبنان من دوّامة الجبهات المفتوحة. ومع سقوطه، تكرّس الجنوب ساحة مفتوحة تتناوب عليها القوى الإقليمية.
في البداية، كانت جبهة جنوب لبنان مع إسرائيل جبهة ياسر عرفات، وقد اختلطت الأرض اللبنانية بحسابات ما سُمّي بـ “الثورة” الفلسطينية.
ثمّ تحوّلت الجبهة نفسها إلى ورقة في قبضة حافظ الأسد، يقلّبها ضمن أوراقه في لعبة الموازين السورية مع إسرائيل.
ثمّ ما لبثت الجبهة الجنوبية أن انزلقت رويدًا رويدًا إلى المدار الإيراني، حتى استقرّت فيه استقرار التابع، وشُدّت إلى مشروع الملالي بخيوط مُحكمة، ولا تزال كذلك، كأنها لا تملك القدرة على الفكاك.
تغيّرت الرايات وتبدّلت العناوين، لكن الثابت الوحيد هو أن الجنوب ظلّ جبهة تُدار من خارج حدوده، فيما بقي الموت واحدًا أيضًا؛ موت اللبنانيين في حروب الآخرين.
يتحمّل “حزب اللّه” بلا ريب، مسؤولية دفع اللبنانيين عامةً، وأبناء الجنوب خاصةً من علوٍ شاهق. كأنه ألقى بهم من الطابق المئة في فراغٍ بلا قاع. غير أن هذه المسؤولية لا يستأثر بها وحده، إذ تتقاسمها معه الأيدي التي تراخت في حصر السلاح، تحت راية مراعاة “الطائفة المجروحة”. فإذا بالجرح يستفحل، وتتحوّل طائفته من مجروحة إلى مذبوحة، فيما الدولة تتدلّى على حبل مشنقة، ولا تجد من يسندها، فتضيق أنفاسها، ويشتدّ الخناق حول عنقها.
يقول مصدر عليم بخطوط الوصل والفصل في واشنطن، إن مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في شأن التفاوض المباشر، لم تعثُر لها على سند في العاصمة الأميركية، لا لقصور في جديّة الرئيس، بل لأنها في ميزان الواقع، مبادرة لا تجد سبيلًا إلى التطبيق.
يشرح المصدر، أن مفتاح الحلّ، كان في مطلع عهد جوزاف عون، في يد السلطة، واستلّه “حزب اللّه” من كفّها في معمعة الحرب. وبرأيه، الكلام عن ترقب موافقة رئيس مجلس النواب نبيه برّي على الانخراط في الوفد التفاوضي، ليس أكثر من لغوٍ عابر. فإمّا أن يشق نعيم قاسم طريقه بحدّ إرادته، عكس التيار الإيراني الجارف، ويختار أن يكون أنور السادات اللبناني، فيفتح كوّة في جدار النار، أو تبقى الأبواب موصدة بإحكام، ولا يملك أيّ مسؤول آخر مفتاح العبور من الحرب إلى السلم، وصون لبنان ضمن حدوده المعروفة.
مفتاح المفاوضات في يد نعيم قاسم لا جوزاف عون

بعد اثنين وأربعين عامًا على انتفاضة 6 شباط 1984، أتمّ الزمن دورته الكاملة، وعاد صاخبًا إلى مأزق يشبه نقطة البداية. فمن انقلب يومها على اتفاق 17 أيار، وبدّل وجه المعادلات، يجد نفسه اليوم أمام امتحانٍ لم يكن في حسابه: أن يكون أمام خيار وحيد هو الانقلاب بنفسه على الانقلاب نفسه، في لحظة يصبح فيها الانقلاب على الانقلاب ضرورة لا خيارًا.
فاتفاق 17 أيار الذي انقلبت عليه قوى سمّت نفسها يومها “جبهة وطنية”، لم يولد من رغبة مسيحية يمينية في إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، بقدر ما ولد من توق إلى إرساء قدر من السلام الداخلي، بعدما تمّ العبث بأمن لبنان واستقراره تحت شعار “تحرير فلسطين”. لم يكن الاتفاق في جوهره، سوى محاولة لالتقاط أنفاس دولة أنهكتها حروب الآخرين المفتوحة على أرضها.
سقط اتفاق 17 أيار، ولم يكن سقوطه مجرّد سقوط اتفاق، بل سقوط محاولة لإخراج لبنان من دوّامة الجبهات المفتوحة. ومع سقوطه، تكرّس الجنوب ساحة مفتوحة تتناوب عليها القوى الإقليمية.
في البداية، كانت جبهة جنوب لبنان مع إسرائيل جبهة ياسر عرفات، وقد اختلطت الأرض اللبنانية بحسابات ما سُمّي بـ “الثورة” الفلسطينية.
ثمّ تحوّلت الجبهة نفسها إلى ورقة في قبضة حافظ الأسد، يقلّبها ضمن أوراقه في لعبة الموازين السورية مع إسرائيل.
ثمّ ما لبثت الجبهة الجنوبية أن انزلقت رويدًا رويدًا إلى المدار الإيراني، حتى استقرّت فيه استقرار التابع، وشُدّت إلى مشروع الملالي بخيوط مُحكمة، ولا تزال كذلك، كأنها لا تملك القدرة على الفكاك.
تغيّرت الرايات وتبدّلت العناوين، لكن الثابت الوحيد هو أن الجنوب ظلّ جبهة تُدار من خارج حدوده، فيما بقي الموت واحدًا أيضًا؛ موت اللبنانيين في حروب الآخرين.
يتحمّل “حزب اللّه” بلا ريب، مسؤولية دفع اللبنانيين عامةً، وأبناء الجنوب خاصةً من علوٍ شاهق. كأنه ألقى بهم من الطابق المئة في فراغٍ بلا قاع. غير أن هذه المسؤولية لا يستأثر بها وحده، إذ تتقاسمها معه الأيدي التي تراخت في حصر السلاح، تحت راية مراعاة “الطائفة المجروحة”. فإذا بالجرح يستفحل، وتتحوّل طائفته من مجروحة إلى مذبوحة، فيما الدولة تتدلّى على حبل مشنقة، ولا تجد من يسندها، فتضيق أنفاسها، ويشتدّ الخناق حول عنقها.
يقول مصدر عليم بخطوط الوصل والفصل في واشنطن، إن مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في شأن التفاوض المباشر، لم تعثُر لها على سند في العاصمة الأميركية، لا لقصور في جديّة الرئيس، بل لأنها في ميزان الواقع، مبادرة لا تجد سبيلًا إلى التطبيق.
يشرح المصدر، أن مفتاح الحلّ، كان في مطلع عهد جوزاف عون، في يد السلطة، واستلّه “حزب اللّه” من كفّها في معمعة الحرب. وبرأيه، الكلام عن ترقب موافقة رئيس مجلس النواب نبيه برّي على الانخراط في الوفد التفاوضي، ليس أكثر من لغوٍ عابر. فإمّا أن يشق نعيم قاسم طريقه بحدّ إرادته، عكس التيار الإيراني الجارف، ويختار أن يكون أنور السادات اللبناني، فيفتح كوّة في جدار النار، أو تبقى الأبواب موصدة بإحكام، ولا يملك أيّ مسؤول آخر مفتاح العبور من الحرب إلى السلم، وصون لبنان ضمن حدوده المعروفة.








