هل يتحول النزوح من نتيجة للحرب إلى أداة لفرض أمر واقع جديد؟

الكاتب: لوسي بارسخيان | المصدر: نداء الوطن
24 آذار 2026

مع أن تقرير وحدة إدارة الكوارث التابعة لرئاسة الحكومة، أسقط مؤخرًا إحصاء أعداد النازحين المسجلين ذاتيًا، والذي كان قد استقر حتى 16 آذار الجاري على مليون وخمسين ألف شخص تقريبًا، فإن أرقام النازحين بمراكز الإيواء وحدها، تحمل كل وجع من أمضوا عيد الفطر مشردين عن بيوتهم في الأيام الماضية.

134 الفًا و236 فردًا هو عدد النازحين في مراكز الإيواء المحددة من قبل وحدة إدارة الكوارث، وفقًا لتقريرها الصادر في ثاني أيام العيد مساء السبت. وهؤلاء هم أفراد نحو 33 ألف عائلة، صار عالم أفرادها يُختزل بحدود ما تتقاسمه من قاعات المدارس، والمساحات المشتركة للطعام ولعب الأطفال وحتى الحمامات.

ولكنهم ليسوا وحدهم. فموجة الحرب التي تجددت منذ أطلق “حزب الله” صواريخه الستة انتقامًا لمقتل علي خامنئي في إيران، أفرغت نحو 14 بالمئة من مساحة لبنان من سكانها وفقًا لتقديرات صحافية. فخسر نحو 18بالمئة بيوتهم في مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية وبعض قرى بعلبك، بمقابل تهافت العائلات على منازل وغرف بأدنى التجهيزات الممكنة، بحثًا عن سقف يأويها بعد أيام من التشرد على الطرقات ومبيت الليالي في السيارات.

عيد بلا بيوت ولا جذور

تشكل النساء والفتيات وفقًا للمفوضية السامية للاجئين (UNHCR) 52 بالمئة من النازحين حاليًا، كما إن 15 بالمئة هم من ذوي الاحتياجات خاصة، و28 بالمئة من الأطفال. هؤلاء الأطفال يختبرون اليوم “تروما” الحرب لمرة ثانية في أقل من سنتين. وقد تعرفوا باكرًا إلى معاني الموت والفقدان والقلق، ليس فقط من عيون ذويهم، وإنما من أصوات الغارات التي عادت لترعبهم، إنذارات الإخلاء، والانتقال القسري من بيت إلى آخر، ومن صفّ مدرسي إلى قاعة إيواء. فصار عيد هذا العام بذاكرتهم تفصيلًا من يوميات انتظار نهاية المأساة.

كان كبار السن  أيضًا من بين الضحايا. فقد هؤلاء أيضًا أبناء لهم وأصدقاء وجيرانًا، هم في عداد 1024 شهيدًا و2740 جريحًا كبارًا وأطفالًا أحصيوا حتى مساء السبت. وبعضهم اختبر النزوح مرتين في أقل من سنتين. وباتوا اليوم أكثر اقتناعًا بأن العودة صارت أصعب من كل المرات السابقة، وربما مستحيلة، وأنهم لم يقتلعوا فقط من بيوتهم وإنما من جذورهم أيضًا.

نصف مليون نازح غيّروا رمزية 8 آذار

في قراءة شاملة لمسار تطور أرقام النزوح التي عرضتها وحدة إدارة الكوارث التابعة للحكومة منذ 2 آذار 2026، بدأ النزوح بنحو 29 ألفًا في اليوم الأول، بالتزامن مع إنذارات الإخلاء التي وجهتها إسرائيل لـ 52 بلدة جنوبية.

ولكن هذا الرقم تصاعد بوتيرة سريعة في الأيام اللاحقة، مع توسع رقعة الخطر وانتقالها من الجنوب إلى البقاع. لا بل تضاعف في اليوم التالي ليصل إلى 58 ألفًا. هذا في وقت استمر تدفق الناس بالآلاف إلى مراكز الإيواء التي ارتفع عددها من 171 مركزًا في اليوم الأول إلى أكثر من 640 في الأيام الأخيرة.  وشكّل هذا التصاعد في الأرقام مؤشرًا على حجم الكارثة التي تفاقمت بشكل لافت بعد 8 آذار، التاريخ الذي تحوّل إلى محطة مفصلية في موجة النزوح، مع ما رافقه من تصعيد واسع وإنذارات إخلاء.

في صباح ذلك اليوم، لم يكن عدد المسجلين ذاتيًا كنازحين يتجاوز الـ 117 ألفًا. وبحلول المساء، كان الرقم قد قفز إلى 517 ألف نازح. فسقطت رمزية هذا التاريخ المرتبط في الذاكرة اللبنانية بمحور “الممانعة”، وهذه المرة تحت ثقل النزوح من بيئته نفسها.

بين سقف هش وعمل ضائع

بعد 8 آذار دلّت أرقام وحدة إدارة الكوارث على تفجّر موجة النازحين. إذ حمل كل يوم ارتفاعًا بأعداد النازحين بعشرات الآلاف. حتى لو كان معظم هذا النزوح غير ثابت.

في المقابل،  أظهرت المقارنة بين أعداد المسجلين وأعداد الموجودين في مراكز الإيواء، فجوة بين تجهيزات الإيواء والمتطلبات الفعلية، وهو ما أبقى عددًا كبيرًا من النازحين خارج الحلول الرسمية، ويعيشون حلولًا هشة، كمثل المكوث عند أصدقاء وأقارب أو حتى في السيارات وخيم على الطرقات.

بدا واضحًا أن الأزمة هذه المرة أكبر من إمكانيات الدولة، التي حاولت مواكبة كل موجة نزوح باستحداث مراكز إيواء إضافية. فالقدرة الاستيعابية لهذه المراكز بقيت محدودة، ونسبة إشغالها اليوم بلغت 94 %، مع ضغط كبير في بيروت وجبل لبنان. وهنا تحديدًا كشفت مشاهد افتراش الكورنيش وساحة الشهداء، عن معادلة قاسية وُضع أمامها النازحون، ومعظمهم من ضاحية بيروت الجنوبية. فالابتعاد عن بيروت يعني خسارة العمل، والبقاء يعني العيش في ظروف هشة.

الأرقام جزء من الأزمة

في المقابل، الإيجابية التي تسجل لعملية إدارة أزمة النزوح هذه المرة، هي في كون الحكومة هي المشرفة عليها، هي حكومة قائمة وليست حكومة تصريف أعمال كالمرة السابقة. وهذا ما فرض تنسيقًا بالجهود بين الوزارات المعنية والمنظمات والهيئات الداعمة والإغاثية بالاستناد إلى داتا أكبر ومنظمة بشكل أفضل.

ولكن في بلد اعتاد أن يختلف على الأرقام، بقي الرقم جزءًا من الأزمة نفسها. فبحسب الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، فإن الرقم “مليون” للمسجلين ذاتيًا كنازحين، مبالغ به.

ويقدّر شمس الدين العدد الفعلي للنازحين  بنحو 650 ألفًا، بينهم 95 ألفًا معظمهم من السوريين غادروا إلى سوريا، و134 ألفًا في مراكز الإيواء، فيما يتوزع الباقون على المناطق “الآمنة”، خصوصًا في بيروت وجبل لبنان.

ويستند شمس الدين في هذه التقديرات، إلى كون قسم من الجنوب والضاحية بقي مأهولًا رغم المخاطر، وإلى كون موجة النزوح من البقاع ما زالت محدودة.

ويرى شمس الدين أن أرقام النازحين اليوم متقاربة مع الأرقام السابقة، أو ربما أقل هذه المرة، خصوصًا أن نحو 90 ألفًا ممن نزحوا سابقًا لم يتسن لهم بالأساس العودة إلى قراهم.

تحسّن في الإدارة VS عجز في الإمكانات

ولكن على رغم هذا التباين بين تقديرات الجهات الإغاثية والقراءة الإحصائية، فإن كل المقاربات تتفق على أن النزوح هذه المرة أسرع، مع موارد أقل، وناس أكثر فقرًا، في بلد يملك قدرة أقل على الاحتمال. وهذا ما يجعل الخلاف على الرقم ثانويًا أمام حجم التحدي الفعلي.

وعليه، قد لا تُعوِّض الإدارة الرسمية الأفضل للأزمة شحّ الإمكانات المتاحة، بل تتفاقم الضغوط على الدولة والمنظمات العاملة مع النازحين، مع انقطاع شبكات الدعم وتراجع استجابة الجهات المانحة.

تشرح الناطقة باسم المفوضية السامية للاجئين دلال حرب أنه مع تصاعد الضربات الإسرائيلية وتكرار إنذارات الإخلاء منذ 2 آذار، أعلنت الدولة اللبنانية حالة الطوارئ، وأقرّت الاستجابة الطارئة على صعيد كل لبنان لمواجهة حركة النزوح الناتجة عن هذا التصعيد.

وتنفي حرب في المقابل أي تأخير في الاستجابة لطلبات النازحين، بل تقول “كمفوضية، نعمل بقيادة الدولة نفسها، وبالتنسيق الوثيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية المسؤولة عن الاستجابة الطارئة، ومع وحدة إدارة الكوارث. وعليه، ما إن بدأت موجة النزوح وخلال 24 ساعة فتحت مستودعاتنا فورًا وباشرنا بتوزيع الحاجات الإغاثية الأساسية، مثل الحرامات والفرش والبطانيات ومطرات المياه والمصابيح العاملة على الطاقة الشمسية. فشكل هذا التدخل السريع عنصرًا حاسمًا في احتواء الصدمة الأولى للنازحين الذين خرجوا في كثير من الحالات من دون أيّ من حاجاتهم الأساسية”. مشيرة إلى أن “هذه المساعدة الفورية مستمرة، وقد وزعنا حتى الآن 183 ألف عدة إغاثة لأكثر من 68 ألف شخص”.

لبنان خارج أولويات المانحين

إلا أن طبيعة الاستجابة المطلوبة هذه المرة تبدّلت. ففي حين كان النزوح السابق تدريجيًا وامتد على مدار أكثر من عام منذ تورط “حزب الله” في حرب إسناد غزة، فقد كانت موجات نزوح أهالي الجنوب هذه المرة حادة ومفاجئة، ارتباطًا بإيقاع الضربات وإنذارات الإخلاء. وهذا التحوّل جعل الاستجابة أكثر صعوبة، لأن الزمن المتاح للتحضير بات شبه معدوم.

منذ بداية العام 2026 بدا واضحًا أن لبنان ليس أولوية بالنسبة للجهات المانحة. إذ إنه لم يتلق سوى 14 بالمئة من قيمة النداءات التي وجهت للمجتمع المانح. بينما كان هذا التجاوب بنسبة 26 بالمئة في العام السابق. وهذا ما جعل المنظمات والجمعيات العاملة في مجال إغاثة النازحين، ومن بينها المفوضية السامية للاجئين، تصل إلى حدود قدراتها بدءًا من أول أيام موجة النزوح الجديدة.

من صدمة سريعة إلى أزمة طويلة

في قلب هذا المشهد، يبرز عامل الوقت كعنصر حاسم. فالمساعدة الإنسانية، كما تقول حرب “إن لم تصل في أوانها تفقد معناها”.

انطلاقًا من هنا لا يهدد شح التمويل حجم المساعدات فقط، بل يبدّل طبيعتها، من استجابة شاملة إلى تدخلات محدودة. بينما النزوح الأخير الذي بدأ كصدمة، مؤهل لأن يتحول تدريجيًا إلى حالة طويلة، تتراكم فيها الاحتياجات من الإغاثة إلى التعليم، ومن الغذاء إلى الدعم النفسي، ومن السكن الموقت إلى القلق حول المستقبل والاستقرار.

صدى النداءات لا يسمع بعد

تأمل الدولة اللبنانية ومعها المنظمات المنضوية ضمن خطة الطوارئ في المقابل، أن تلقى نداءاتها الصدى لدى الجهات المانحة، وآخرها ما أُطلق من السراي الحكومي الأسبوع الماضي، لطلب تمويل بقيمة 308 ملايين دولار من أجل تغطية الاستجابة الطارئة لمدة ثلاثة أشهر.

إلا أن شمس الدين لا يبدو متفائلًا بذلك. ويلفت إلى أن “كل المساعدات التي وصلت هي عبارة عن 25 شاحنة من الأردن طائرة من فرنسا وطائرة من الاتحاد الأوروبي بينما في المرة الماضية كانت هناك عشرات الطائرات يوميًا. وبالتالي إذا طالت فترة النزوح فنحن مقبلون على أزمة اجتماعية في مراكز النزوح ومناطقه”.

ما لا تقوله الأرقام

إذًا، لم تعد مشكلة النزوح هذه المرة في الأعداد فقط، بل في نوعية الأزمة التي يرتقب أن تولّدها. وما لا تقوله الأرقام قد يكون أكثر خطورة. فالحرب تشن مرة أخرى على مجتمع استنزفته موجة الحرب الأولى، والكثير من عائلاته فقدت مدخراتها في محاولة التعافي الأولى. وإذا كان النازح في الحرب الماضية امتلك حدًا أدنى من القدرة على التكيّف، فإن نازح اليوم يصل منهكًا ماليًا منذ اللحظة الأولى. وهذا ما يفسّر سرعة انتقال الأزمة من مسألة إيواء إلى أزمة معيشية، حيث يصبح تأمين الحد الأدنى من الغذاء والعمل أولوية موازية للأمان.

حتى “الحزب” الذي تسبب بتهجير بيئته، يبدو اليوم محمّلًا بعلامات العجز في تأمين مقومات صمودها. وسط مفارقة لافتة هذه المرة أيضًا، وهي أنه في موجة النزوح السابقة، كانت أبواب نظام الأسد في سوريا مفتوحة أمام النازحين من بيئة “الحزب” الممانعة. فلجأ نحو 120 ألف نازح لبناني إلى سوريا، و35 ألفًا منهم عادوا وغادروا إلى العراق.

أوصدت أبواب الخارج بوجه النازحين اللبنانيين هذه المرة انسجامًا مع التبدلات السياسية التي تشهدها المنطقة، فحُشر الكل، ومن بينهم من تورط من السوريين في حرب إسناد نظام الأسد، داخل الحدود اللبنانية.

الشرعية أمام اختبار جديد

انطلاقًا من هنا، لا يمكن مقاربة موضوع النزوح الجديد من دون قياسه بحجم الكارثة الاجتماعية التي يخشى أن يولدها. خصوصًا أن المناطق المضيفة نفسها لم تعد محصّنة. وقد تفاقم ضيقها من جراء تجدد الحروب وموجات النزوح. وترجم هذا الضيق برفض استقبال النازحين الجدد، ليس بدافع تراجع التضامن المجتمعي، وإنما نقمة على تفرد “حزب الله” في قرارات الحرب متلطيًا ببيئته الداعمة، وخوفًا من تمدد خطر الحرب إلى المجتمعات المضيفة، أو من تداعيات ما بعدها.

وتفيد  المؤشرات التي ترافق موجة الحرب الجديدة بأن تداعياتها هذه المرة لا تكمن في حجم النزوح، بقدر ما هي في مدّته والتحولات التي قد يفرضها حتى في الواقع الديموغرافي لبعض المدن والقرى.

ومع عدم قدرة الدولة على فرض سلطتها الفعلية، واستمرار “حزب الله” في فرض معادلاته فوق قرارات الشرعية، بالتوازي مع استنزاف المجتمع وغياب الموارد، لا يعود النزوح مسألة إنسانية، بل يخشى أن يتحوّل تدريجيًا إلى أداة لفرض أمر واقع سياسي وأمني جديد.

انطلاقًا من هنا تكبر الهواجس من تحول النزوح غطاءً لإعادة تشكيل التوازنات. وقد بدأت ملامح هذا الغطاء تظهر في محاولة إسقاط مشروع إنشاء مركز إيواء موقت عند مداخل مرفأ بيروت.

وفي بلدٍ اختبر تكرارًا كيف يتحوّل “الموقت” إلى دائم، لا تبدو هذه المؤشرات تفصيلاً عابرًا، بل إنذارًا مبكرًا لمسار قد يتجاوز الأزمة الاجتماعية، ليطال توازنات الدولة نفسها، وربما يعيد رسمها تحت ضغط الحرب وحجم النزوح، وعلى حساب ما تبقى من مؤسساتها.

هل يتحول النزوح من نتيجة للحرب إلى أداة لفرض أمر واقع جديد؟

الكاتب: لوسي بارسخيان | المصدر: نداء الوطن
24 آذار 2026

مع أن تقرير وحدة إدارة الكوارث التابعة لرئاسة الحكومة، أسقط مؤخرًا إحصاء أعداد النازحين المسجلين ذاتيًا، والذي كان قد استقر حتى 16 آذار الجاري على مليون وخمسين ألف شخص تقريبًا، فإن أرقام النازحين بمراكز الإيواء وحدها، تحمل كل وجع من أمضوا عيد الفطر مشردين عن بيوتهم في الأيام الماضية.

134 الفًا و236 فردًا هو عدد النازحين في مراكز الإيواء المحددة من قبل وحدة إدارة الكوارث، وفقًا لتقريرها الصادر في ثاني أيام العيد مساء السبت. وهؤلاء هم أفراد نحو 33 ألف عائلة، صار عالم أفرادها يُختزل بحدود ما تتقاسمه من قاعات المدارس، والمساحات المشتركة للطعام ولعب الأطفال وحتى الحمامات.

ولكنهم ليسوا وحدهم. فموجة الحرب التي تجددت منذ أطلق “حزب الله” صواريخه الستة انتقامًا لمقتل علي خامنئي في إيران، أفرغت نحو 14 بالمئة من مساحة لبنان من سكانها وفقًا لتقديرات صحافية. فخسر نحو 18بالمئة بيوتهم في مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية وبعض قرى بعلبك، بمقابل تهافت العائلات على منازل وغرف بأدنى التجهيزات الممكنة، بحثًا عن سقف يأويها بعد أيام من التشرد على الطرقات ومبيت الليالي في السيارات.

عيد بلا بيوت ولا جذور

تشكل النساء والفتيات وفقًا للمفوضية السامية للاجئين (UNHCR) 52 بالمئة من النازحين حاليًا، كما إن 15 بالمئة هم من ذوي الاحتياجات خاصة، و28 بالمئة من الأطفال. هؤلاء الأطفال يختبرون اليوم “تروما” الحرب لمرة ثانية في أقل من سنتين. وقد تعرفوا باكرًا إلى معاني الموت والفقدان والقلق، ليس فقط من عيون ذويهم، وإنما من أصوات الغارات التي عادت لترعبهم، إنذارات الإخلاء، والانتقال القسري من بيت إلى آخر، ومن صفّ مدرسي إلى قاعة إيواء. فصار عيد هذا العام بذاكرتهم تفصيلًا من يوميات انتظار نهاية المأساة.

كان كبار السن  أيضًا من بين الضحايا. فقد هؤلاء أيضًا أبناء لهم وأصدقاء وجيرانًا، هم في عداد 1024 شهيدًا و2740 جريحًا كبارًا وأطفالًا أحصيوا حتى مساء السبت. وبعضهم اختبر النزوح مرتين في أقل من سنتين. وباتوا اليوم أكثر اقتناعًا بأن العودة صارت أصعب من كل المرات السابقة، وربما مستحيلة، وأنهم لم يقتلعوا فقط من بيوتهم وإنما من جذورهم أيضًا.

نصف مليون نازح غيّروا رمزية 8 آذار

في قراءة شاملة لمسار تطور أرقام النزوح التي عرضتها وحدة إدارة الكوارث التابعة للحكومة منذ 2 آذار 2026، بدأ النزوح بنحو 29 ألفًا في اليوم الأول، بالتزامن مع إنذارات الإخلاء التي وجهتها إسرائيل لـ 52 بلدة جنوبية.

ولكن هذا الرقم تصاعد بوتيرة سريعة في الأيام اللاحقة، مع توسع رقعة الخطر وانتقالها من الجنوب إلى البقاع. لا بل تضاعف في اليوم التالي ليصل إلى 58 ألفًا. هذا في وقت استمر تدفق الناس بالآلاف إلى مراكز الإيواء التي ارتفع عددها من 171 مركزًا في اليوم الأول إلى أكثر من 640 في الأيام الأخيرة.  وشكّل هذا التصاعد في الأرقام مؤشرًا على حجم الكارثة التي تفاقمت بشكل لافت بعد 8 آذار، التاريخ الذي تحوّل إلى محطة مفصلية في موجة النزوح، مع ما رافقه من تصعيد واسع وإنذارات إخلاء.

في صباح ذلك اليوم، لم يكن عدد المسجلين ذاتيًا كنازحين يتجاوز الـ 117 ألفًا. وبحلول المساء، كان الرقم قد قفز إلى 517 ألف نازح. فسقطت رمزية هذا التاريخ المرتبط في الذاكرة اللبنانية بمحور “الممانعة”، وهذه المرة تحت ثقل النزوح من بيئته نفسها.

بين سقف هش وعمل ضائع

بعد 8 آذار دلّت أرقام وحدة إدارة الكوارث على تفجّر موجة النازحين. إذ حمل كل يوم ارتفاعًا بأعداد النازحين بعشرات الآلاف. حتى لو كان معظم هذا النزوح غير ثابت.

في المقابل،  أظهرت المقارنة بين أعداد المسجلين وأعداد الموجودين في مراكز الإيواء، فجوة بين تجهيزات الإيواء والمتطلبات الفعلية، وهو ما أبقى عددًا كبيرًا من النازحين خارج الحلول الرسمية، ويعيشون حلولًا هشة، كمثل المكوث عند أصدقاء وأقارب أو حتى في السيارات وخيم على الطرقات.

بدا واضحًا أن الأزمة هذه المرة أكبر من إمكانيات الدولة، التي حاولت مواكبة كل موجة نزوح باستحداث مراكز إيواء إضافية. فالقدرة الاستيعابية لهذه المراكز بقيت محدودة، ونسبة إشغالها اليوم بلغت 94 %، مع ضغط كبير في بيروت وجبل لبنان. وهنا تحديدًا كشفت مشاهد افتراش الكورنيش وساحة الشهداء، عن معادلة قاسية وُضع أمامها النازحون، ومعظمهم من ضاحية بيروت الجنوبية. فالابتعاد عن بيروت يعني خسارة العمل، والبقاء يعني العيش في ظروف هشة.

الأرقام جزء من الأزمة

في المقابل، الإيجابية التي تسجل لعملية إدارة أزمة النزوح هذه المرة، هي في كون الحكومة هي المشرفة عليها، هي حكومة قائمة وليست حكومة تصريف أعمال كالمرة السابقة. وهذا ما فرض تنسيقًا بالجهود بين الوزارات المعنية والمنظمات والهيئات الداعمة والإغاثية بالاستناد إلى داتا أكبر ومنظمة بشكل أفضل.

ولكن في بلد اعتاد أن يختلف على الأرقام، بقي الرقم جزءًا من الأزمة نفسها. فبحسب الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، فإن الرقم “مليون” للمسجلين ذاتيًا كنازحين، مبالغ به.

ويقدّر شمس الدين العدد الفعلي للنازحين  بنحو 650 ألفًا، بينهم 95 ألفًا معظمهم من السوريين غادروا إلى سوريا، و134 ألفًا في مراكز الإيواء، فيما يتوزع الباقون على المناطق “الآمنة”، خصوصًا في بيروت وجبل لبنان.

ويستند شمس الدين في هذه التقديرات، إلى كون قسم من الجنوب والضاحية بقي مأهولًا رغم المخاطر، وإلى كون موجة النزوح من البقاع ما زالت محدودة.

ويرى شمس الدين أن أرقام النازحين اليوم متقاربة مع الأرقام السابقة، أو ربما أقل هذه المرة، خصوصًا أن نحو 90 ألفًا ممن نزحوا سابقًا لم يتسن لهم بالأساس العودة إلى قراهم.

تحسّن في الإدارة VS عجز في الإمكانات

ولكن على رغم هذا التباين بين تقديرات الجهات الإغاثية والقراءة الإحصائية، فإن كل المقاربات تتفق على أن النزوح هذه المرة أسرع، مع موارد أقل، وناس أكثر فقرًا، في بلد يملك قدرة أقل على الاحتمال. وهذا ما يجعل الخلاف على الرقم ثانويًا أمام حجم التحدي الفعلي.

وعليه، قد لا تُعوِّض الإدارة الرسمية الأفضل للأزمة شحّ الإمكانات المتاحة، بل تتفاقم الضغوط على الدولة والمنظمات العاملة مع النازحين، مع انقطاع شبكات الدعم وتراجع استجابة الجهات المانحة.

تشرح الناطقة باسم المفوضية السامية للاجئين دلال حرب أنه مع تصاعد الضربات الإسرائيلية وتكرار إنذارات الإخلاء منذ 2 آذار، أعلنت الدولة اللبنانية حالة الطوارئ، وأقرّت الاستجابة الطارئة على صعيد كل لبنان لمواجهة حركة النزوح الناتجة عن هذا التصعيد.

وتنفي حرب في المقابل أي تأخير في الاستجابة لطلبات النازحين، بل تقول “كمفوضية، نعمل بقيادة الدولة نفسها، وبالتنسيق الوثيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية المسؤولة عن الاستجابة الطارئة، ومع وحدة إدارة الكوارث. وعليه، ما إن بدأت موجة النزوح وخلال 24 ساعة فتحت مستودعاتنا فورًا وباشرنا بتوزيع الحاجات الإغاثية الأساسية، مثل الحرامات والفرش والبطانيات ومطرات المياه والمصابيح العاملة على الطاقة الشمسية. فشكل هذا التدخل السريع عنصرًا حاسمًا في احتواء الصدمة الأولى للنازحين الذين خرجوا في كثير من الحالات من دون أيّ من حاجاتهم الأساسية”. مشيرة إلى أن “هذه المساعدة الفورية مستمرة، وقد وزعنا حتى الآن 183 ألف عدة إغاثة لأكثر من 68 ألف شخص”.

لبنان خارج أولويات المانحين

إلا أن طبيعة الاستجابة المطلوبة هذه المرة تبدّلت. ففي حين كان النزوح السابق تدريجيًا وامتد على مدار أكثر من عام منذ تورط “حزب الله” في حرب إسناد غزة، فقد كانت موجات نزوح أهالي الجنوب هذه المرة حادة ومفاجئة، ارتباطًا بإيقاع الضربات وإنذارات الإخلاء. وهذا التحوّل جعل الاستجابة أكثر صعوبة، لأن الزمن المتاح للتحضير بات شبه معدوم.

منذ بداية العام 2026 بدا واضحًا أن لبنان ليس أولوية بالنسبة للجهات المانحة. إذ إنه لم يتلق سوى 14 بالمئة من قيمة النداءات التي وجهت للمجتمع المانح. بينما كان هذا التجاوب بنسبة 26 بالمئة في العام السابق. وهذا ما جعل المنظمات والجمعيات العاملة في مجال إغاثة النازحين، ومن بينها المفوضية السامية للاجئين، تصل إلى حدود قدراتها بدءًا من أول أيام موجة النزوح الجديدة.

من صدمة سريعة إلى أزمة طويلة

في قلب هذا المشهد، يبرز عامل الوقت كعنصر حاسم. فالمساعدة الإنسانية، كما تقول حرب “إن لم تصل في أوانها تفقد معناها”.

انطلاقًا من هنا لا يهدد شح التمويل حجم المساعدات فقط، بل يبدّل طبيعتها، من استجابة شاملة إلى تدخلات محدودة. بينما النزوح الأخير الذي بدأ كصدمة، مؤهل لأن يتحول تدريجيًا إلى حالة طويلة، تتراكم فيها الاحتياجات من الإغاثة إلى التعليم، ومن الغذاء إلى الدعم النفسي، ومن السكن الموقت إلى القلق حول المستقبل والاستقرار.

صدى النداءات لا يسمع بعد

تأمل الدولة اللبنانية ومعها المنظمات المنضوية ضمن خطة الطوارئ في المقابل، أن تلقى نداءاتها الصدى لدى الجهات المانحة، وآخرها ما أُطلق من السراي الحكومي الأسبوع الماضي، لطلب تمويل بقيمة 308 ملايين دولار من أجل تغطية الاستجابة الطارئة لمدة ثلاثة أشهر.

إلا أن شمس الدين لا يبدو متفائلًا بذلك. ويلفت إلى أن “كل المساعدات التي وصلت هي عبارة عن 25 شاحنة من الأردن طائرة من فرنسا وطائرة من الاتحاد الأوروبي بينما في المرة الماضية كانت هناك عشرات الطائرات يوميًا. وبالتالي إذا طالت فترة النزوح فنحن مقبلون على أزمة اجتماعية في مراكز النزوح ومناطقه”.

ما لا تقوله الأرقام

إذًا، لم تعد مشكلة النزوح هذه المرة في الأعداد فقط، بل في نوعية الأزمة التي يرتقب أن تولّدها. وما لا تقوله الأرقام قد يكون أكثر خطورة. فالحرب تشن مرة أخرى على مجتمع استنزفته موجة الحرب الأولى، والكثير من عائلاته فقدت مدخراتها في محاولة التعافي الأولى. وإذا كان النازح في الحرب الماضية امتلك حدًا أدنى من القدرة على التكيّف، فإن نازح اليوم يصل منهكًا ماليًا منذ اللحظة الأولى. وهذا ما يفسّر سرعة انتقال الأزمة من مسألة إيواء إلى أزمة معيشية، حيث يصبح تأمين الحد الأدنى من الغذاء والعمل أولوية موازية للأمان.

حتى “الحزب” الذي تسبب بتهجير بيئته، يبدو اليوم محمّلًا بعلامات العجز في تأمين مقومات صمودها. وسط مفارقة لافتة هذه المرة أيضًا، وهي أنه في موجة النزوح السابقة، كانت أبواب نظام الأسد في سوريا مفتوحة أمام النازحين من بيئة “الحزب” الممانعة. فلجأ نحو 120 ألف نازح لبناني إلى سوريا، و35 ألفًا منهم عادوا وغادروا إلى العراق.

أوصدت أبواب الخارج بوجه النازحين اللبنانيين هذه المرة انسجامًا مع التبدلات السياسية التي تشهدها المنطقة، فحُشر الكل، ومن بينهم من تورط من السوريين في حرب إسناد نظام الأسد، داخل الحدود اللبنانية.

الشرعية أمام اختبار جديد

انطلاقًا من هنا، لا يمكن مقاربة موضوع النزوح الجديد من دون قياسه بحجم الكارثة الاجتماعية التي يخشى أن يولدها. خصوصًا أن المناطق المضيفة نفسها لم تعد محصّنة. وقد تفاقم ضيقها من جراء تجدد الحروب وموجات النزوح. وترجم هذا الضيق برفض استقبال النازحين الجدد، ليس بدافع تراجع التضامن المجتمعي، وإنما نقمة على تفرد “حزب الله” في قرارات الحرب متلطيًا ببيئته الداعمة، وخوفًا من تمدد خطر الحرب إلى المجتمعات المضيفة، أو من تداعيات ما بعدها.

وتفيد  المؤشرات التي ترافق موجة الحرب الجديدة بأن تداعياتها هذه المرة لا تكمن في حجم النزوح، بقدر ما هي في مدّته والتحولات التي قد يفرضها حتى في الواقع الديموغرافي لبعض المدن والقرى.

ومع عدم قدرة الدولة على فرض سلطتها الفعلية، واستمرار “حزب الله” في فرض معادلاته فوق قرارات الشرعية، بالتوازي مع استنزاف المجتمع وغياب الموارد، لا يعود النزوح مسألة إنسانية، بل يخشى أن يتحوّل تدريجيًا إلى أداة لفرض أمر واقع سياسي وأمني جديد.

انطلاقًا من هنا تكبر الهواجس من تحول النزوح غطاءً لإعادة تشكيل التوازنات. وقد بدأت ملامح هذا الغطاء تظهر في محاولة إسقاط مشروع إنشاء مركز إيواء موقت عند مداخل مرفأ بيروت.

وفي بلدٍ اختبر تكرارًا كيف يتحوّل “الموقت” إلى دائم، لا تبدو هذه المؤشرات تفصيلاً عابرًا، بل إنذارًا مبكرًا لمسار قد يتجاوز الأزمة الاجتماعية، ليطال توازنات الدولة نفسها، وربما يعيد رسمها تحت ضغط الحرب وحجم النزوح، وعلى حساب ما تبقى من مؤسساتها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار