ما بعد استراتيجيتَي “قطع الرؤوس” وهدم الجسور”!؟

هدم الجسور
الكاتب: جورج شاهين | المصدر: الجمهورية
24 آذار 2026

ان لم تنتج عملية “قطع الرؤوس الكبيرة” في إيران حلا، ولا “تفجير الجسور” في لبنان، فان الرهان مؤجل الى “اليوم التالي” للحرب. لكنه ومن غير المسموح ان تتحول “نقمة الجنوبيين” الى فتنة داخلية!

تلاحقت في الساعات الماضية المواقف المتناقضة التي توحي بقرب نهاية الحرب في إيران ولبنان، وأخرى تستبعد ذلك في الأسابيع الأربعة الأولى منها. ذلك أنّه لم يكن هناك أي سيناريو يُحدِّد الوقت الكافي لإنهائها، إن أراد التحالف الأميركي – الإسرائيلي التخلّص من محور “الممانعة” بالحدّ الأدنى ممّا يُريده. وفي حال استحالة ذلك، تتّجه الأنظار إلى سيناريو آخر يؤجّل الإنهيار إلى حين البدء بإحصاء الخسائر في الساحتَين وما انتهت إليه “عملية قطع الرؤوس الكبيرة” في إيران وتدمير الجسور في لبنان!

لم تولَد هذه المعادلة المتداولة في الأوساط السياسية والديبلوماسية من عبث، وقد ظهر واضحاً أنّ لها دوافع وأسباباً موضوعية أدّت إلى اعتبارها خلاصة منطقية إلى درجة كبيرة. فقرّاءة المواقف المتشنّجة التي أُطلقت من واشنطن وتل أبيب وطهران، وتحدّثت في خلال عطلة نهاية الأسبوع عن أسلحة أميركية “مربكة” قد تُستعمل قريباً، ونظيرات لها إيرانية “لم تُستخدَم” بعد، وأنّ السعي إلى تفسيرها، يقود إلى خلاصات سلبية وخطيرة بصورة تلقائية، وفق المؤشرات الآتية:

– التحذير الأخير الذي وجّهه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعبّر عنه بما سمّاه “إنذاره الأخير”، فجر الأحد الماضي، بعدما لفت، عبر منصته “تروث سوشيال”، في ردّه على محلل صحيفة “نيويورك تايمز” ديفيد سانغر، الذي شكّك في كفاءته على إدارة الحرب، بـ”أنّ الولايات المتحدة أزالت إيران من على الخريطة، ومع ذلك يقول محلّلهم الضعيف إنّه لم يحقق أهدافه”. وجاء ذلك بعدما وجّه ترامب إنذاراً إلى طهران قبل 12 ساعة، بأنّه “إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، فإنّ الولايات المتحدة ستضرب وتدمّر مختلف محطاتها للطاقة، بدءاً بأكبرها!”. قبل أن يتراجع عنه قبيل انتهاء مفاعيله أمس، كاشفاً “أنّ بلاده وإيران أجرتا، خلال اليومَين الماضيَين، محادثات جيدة ومثمرة للغاية بشأن التوصُّل إلى حل كامل وشامل للأعمال العدائية في الشرق الأوسط”، مضيفاً أنّه “أصدر تعليماته لوزارة الحرب بتأجيل جميع الضربات العسكرية ضدّ محطات الطاقة الإيرانية وبُنيَتها التحتية للطاقة”، استناداً “إلى مضمون هذه المحادثات المعمّقة والمفصّلة والبنّاءة، وستستمر طوال هذا الأسبوع”.

– الردّ الإيراني الذي تولاه قائد “مقر خاتم الأنبياء المركزي” اللواء علي عبد اللهي، الذي توعّد واشنطن وتل أبيب بأنّ بلاده “ستقلب حسابات العدو بأسلحتها المتطوّرة الجديدة”. متحدّثاً عن “نهج متغيِّر للقوات المسلّحة في الدفاع عن إيران والانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم”. قبل أن تنفي وزارة الخارجية الإيرانية كل ما كشفه ترامب أمس حول مفاوضات، لأنّ الإيرانيِّين “متمسّكون بموقفهم الرافض لأي نوع من المفاوضات قبل تحقيق أهداف إيران من الحرب”، منتهيةً إلى القول إنّ هدف ترامب التلاعب بأسعار النفط، وإنّ خططه العدائية قائمة بكل مراحلها.

– تنفيذ الجيش الإسرائيلي الفوري لتهديدات وزير الدفاع يسرائيل كاتس بقصف ما تبقّى من الجسور فوق مجرى نهر الليطاني، بدءاً بجسر القاسمية ساحلاً إلى جسر الليطاني الأثري قرب مخيِّم أبو الأسود في عمق الجنوب، وما بينهما جسرا الخردلي وقعقعية الجسر، على رغم من مساعي رئيسَي الجمهورية والحكومة لوقف هذا المسلسل، التي انتهت من دون جدوى. كما بالنسبة إلى أعمال التفجير التي استهدفت المنازل والمؤسسات في القرى المحتلة بطريقة تشبه ما اعتُمِد في قطاع غزة، قبل تفجير جسر الدلافة المؤدي الى حاصبيا امس.

وعليه، كشفت مراجع ديبلوماسية، أنّ وقف الضربات الأميركية على قطاع الطاقة الإيرانية، لا يبدو أنّه ينسحب على باقي المنشآت الإيرانية العسكرية والإقتصادية، بدليل القصف الذي استهدف قلب طهران أمس ومدن أخرى. وكذلك على الساحة اللبنانية في ظل استمرار عمليات التفجير التي تمدَّدت إلى محيط قيادة “اليونيفيل” في الناقورة، حيث لحقت أضرار كبيرة بمنشآتها والأبنية التابعة لها بطريقة غير مسبوقة. بعدما انتهت من تفجير الجسور.

والأخطر من كل ما يجري في نظر المراجع عينها، أنّ إسرائيل برّرت عملياتها التدميرية هذه بأنّها تهدف إلى “حظر أنشطة “حزب الله” وقدرته على نقل عناصر إرهابية إلى جنوب لبنان برعاية السكان المدنيِّين، وأنّ الجيش مضطر إلى القيام باستهداف واسع ودقيق لما يوفّر الحدّ من أنشطة الحزب”، فيما تمثل في الحقيقة مساً كبيراً بالمنشآت والجسور العامة التي يستخدمها مئات الألوف من اللبنانيِّين المدنيِّين الذين يرفضون بأكثريّتهم ما يقوم به الحزب، ويشكّل مسّاً خطيراً يُنذر بفشل مساعي الدولة الديبلوماسية لتجنّب هذه العمليات، بطريقة لا تمُسّ عناصر الحزب الماضين في حربهم بقرار إيراني، غير عابئين بالنتائج المترتبة على باقي المواطنين اللبنانيِّين.

وختاماً، تعترف المراجع الديبلوماسية بحجم المخاطر المترتبة على اعتقاد مناصري الاحتفاظ بالسلاح غير الشرعي، أنّ ما تقوم به إسرائيل يكسبه “شرعية وقوّة” للمضي في حربه، غير عابئ بالنتائج المترتبة على البلد ومعاناة بيئته وخسائرهم. فهو لا يستطيع المضي في الإتكال على الحكومة التي “أسقطت عنه منذ الثاني من آذار أي شرعية في اقتنائه سلاحاً إيرانياً”، وتحميلها مسؤولية إغاثة مليون نازح قبل التفكير بإعادة إعمار ما تهدَّم لاحقاً. لتبقى الرهانات معقودة على ما يمكن أن يحمله “اليوم التالي” للحرب عندما تتكشف نتائج عملية “قطع الرؤوس الكبيرة في إيران” التي قد لا تؤثر في الداخل، بقدر ما ستكون عليه كلفة الحرب إن عادت البلاد عقوداً إلى الوراء، فإنّ عملية تفجير الجسور وتدمير القرى الجنوبية قد لا تُنتِج سوى نقمة عارمة. إذ إنّ التهديد بالحرب الأهلية والفتنة “موضة قديمة”، لم يعُد هناك مَن ينجرّ إليها بضمانة ما انتهى إليه اللقاء أمس بين الرئيسَين عون وبري.

ما بعد استراتيجيتَي “قطع الرؤوس” وهدم الجسور”!؟

هدم الجسور
الكاتب: جورج شاهين | المصدر: الجمهورية
24 آذار 2026

ان لم تنتج عملية “قطع الرؤوس الكبيرة” في إيران حلا، ولا “تفجير الجسور” في لبنان، فان الرهان مؤجل الى “اليوم التالي” للحرب. لكنه ومن غير المسموح ان تتحول “نقمة الجنوبيين” الى فتنة داخلية!

تلاحقت في الساعات الماضية المواقف المتناقضة التي توحي بقرب نهاية الحرب في إيران ولبنان، وأخرى تستبعد ذلك في الأسابيع الأربعة الأولى منها. ذلك أنّه لم يكن هناك أي سيناريو يُحدِّد الوقت الكافي لإنهائها، إن أراد التحالف الأميركي – الإسرائيلي التخلّص من محور “الممانعة” بالحدّ الأدنى ممّا يُريده. وفي حال استحالة ذلك، تتّجه الأنظار إلى سيناريو آخر يؤجّل الإنهيار إلى حين البدء بإحصاء الخسائر في الساحتَين وما انتهت إليه “عملية قطع الرؤوس الكبيرة” في إيران وتدمير الجسور في لبنان!

لم تولَد هذه المعادلة المتداولة في الأوساط السياسية والديبلوماسية من عبث، وقد ظهر واضحاً أنّ لها دوافع وأسباباً موضوعية أدّت إلى اعتبارها خلاصة منطقية إلى درجة كبيرة. فقرّاءة المواقف المتشنّجة التي أُطلقت من واشنطن وتل أبيب وطهران، وتحدّثت في خلال عطلة نهاية الأسبوع عن أسلحة أميركية “مربكة” قد تُستعمل قريباً، ونظيرات لها إيرانية “لم تُستخدَم” بعد، وأنّ السعي إلى تفسيرها، يقود إلى خلاصات سلبية وخطيرة بصورة تلقائية، وفق المؤشرات الآتية:

– التحذير الأخير الذي وجّهه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعبّر عنه بما سمّاه “إنذاره الأخير”، فجر الأحد الماضي، بعدما لفت، عبر منصته “تروث سوشيال”، في ردّه على محلل صحيفة “نيويورك تايمز” ديفيد سانغر، الذي شكّك في كفاءته على إدارة الحرب، بـ”أنّ الولايات المتحدة أزالت إيران من على الخريطة، ومع ذلك يقول محلّلهم الضعيف إنّه لم يحقق أهدافه”. وجاء ذلك بعدما وجّه ترامب إنذاراً إلى طهران قبل 12 ساعة، بأنّه “إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، فإنّ الولايات المتحدة ستضرب وتدمّر مختلف محطاتها للطاقة، بدءاً بأكبرها!”. قبل أن يتراجع عنه قبيل انتهاء مفاعيله أمس، كاشفاً “أنّ بلاده وإيران أجرتا، خلال اليومَين الماضيَين، محادثات جيدة ومثمرة للغاية بشأن التوصُّل إلى حل كامل وشامل للأعمال العدائية في الشرق الأوسط”، مضيفاً أنّه “أصدر تعليماته لوزارة الحرب بتأجيل جميع الضربات العسكرية ضدّ محطات الطاقة الإيرانية وبُنيَتها التحتية للطاقة”، استناداً “إلى مضمون هذه المحادثات المعمّقة والمفصّلة والبنّاءة، وستستمر طوال هذا الأسبوع”.

– الردّ الإيراني الذي تولاه قائد “مقر خاتم الأنبياء المركزي” اللواء علي عبد اللهي، الذي توعّد واشنطن وتل أبيب بأنّ بلاده “ستقلب حسابات العدو بأسلحتها المتطوّرة الجديدة”. متحدّثاً عن “نهج متغيِّر للقوات المسلّحة في الدفاع عن إيران والانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم”. قبل أن تنفي وزارة الخارجية الإيرانية كل ما كشفه ترامب أمس حول مفاوضات، لأنّ الإيرانيِّين “متمسّكون بموقفهم الرافض لأي نوع من المفاوضات قبل تحقيق أهداف إيران من الحرب”، منتهيةً إلى القول إنّ هدف ترامب التلاعب بأسعار النفط، وإنّ خططه العدائية قائمة بكل مراحلها.

– تنفيذ الجيش الإسرائيلي الفوري لتهديدات وزير الدفاع يسرائيل كاتس بقصف ما تبقّى من الجسور فوق مجرى نهر الليطاني، بدءاً بجسر القاسمية ساحلاً إلى جسر الليطاني الأثري قرب مخيِّم أبو الأسود في عمق الجنوب، وما بينهما جسرا الخردلي وقعقعية الجسر، على رغم من مساعي رئيسَي الجمهورية والحكومة لوقف هذا المسلسل، التي انتهت من دون جدوى. كما بالنسبة إلى أعمال التفجير التي استهدفت المنازل والمؤسسات في القرى المحتلة بطريقة تشبه ما اعتُمِد في قطاع غزة، قبل تفجير جسر الدلافة المؤدي الى حاصبيا امس.

وعليه، كشفت مراجع ديبلوماسية، أنّ وقف الضربات الأميركية على قطاع الطاقة الإيرانية، لا يبدو أنّه ينسحب على باقي المنشآت الإيرانية العسكرية والإقتصادية، بدليل القصف الذي استهدف قلب طهران أمس ومدن أخرى. وكذلك على الساحة اللبنانية في ظل استمرار عمليات التفجير التي تمدَّدت إلى محيط قيادة “اليونيفيل” في الناقورة، حيث لحقت أضرار كبيرة بمنشآتها والأبنية التابعة لها بطريقة غير مسبوقة. بعدما انتهت من تفجير الجسور.

والأخطر من كل ما يجري في نظر المراجع عينها، أنّ إسرائيل برّرت عملياتها التدميرية هذه بأنّها تهدف إلى “حظر أنشطة “حزب الله” وقدرته على نقل عناصر إرهابية إلى جنوب لبنان برعاية السكان المدنيِّين، وأنّ الجيش مضطر إلى القيام باستهداف واسع ودقيق لما يوفّر الحدّ من أنشطة الحزب”، فيما تمثل في الحقيقة مساً كبيراً بالمنشآت والجسور العامة التي يستخدمها مئات الألوف من اللبنانيِّين المدنيِّين الذين يرفضون بأكثريّتهم ما يقوم به الحزب، ويشكّل مسّاً خطيراً يُنذر بفشل مساعي الدولة الديبلوماسية لتجنّب هذه العمليات، بطريقة لا تمُسّ عناصر الحزب الماضين في حربهم بقرار إيراني، غير عابئين بالنتائج المترتبة على باقي المواطنين اللبنانيِّين.

وختاماً، تعترف المراجع الديبلوماسية بحجم المخاطر المترتبة على اعتقاد مناصري الاحتفاظ بالسلاح غير الشرعي، أنّ ما تقوم به إسرائيل يكسبه “شرعية وقوّة” للمضي في حربه، غير عابئ بالنتائج المترتبة على البلد ومعاناة بيئته وخسائرهم. فهو لا يستطيع المضي في الإتكال على الحكومة التي “أسقطت عنه منذ الثاني من آذار أي شرعية في اقتنائه سلاحاً إيرانياً”، وتحميلها مسؤولية إغاثة مليون نازح قبل التفكير بإعادة إعمار ما تهدَّم لاحقاً. لتبقى الرهانات معقودة على ما يمكن أن يحمله “اليوم التالي” للحرب عندما تتكشف نتائج عملية “قطع الرؤوس الكبيرة في إيران” التي قد لا تؤثر في الداخل، بقدر ما ستكون عليه كلفة الحرب إن عادت البلاد عقوداً إلى الوراء، فإنّ عملية تفجير الجسور وتدمير القرى الجنوبية قد لا تُنتِج سوى نقمة عارمة. إذ إنّ التهديد بالحرب الأهلية والفتنة “موضة قديمة”، لم يعُد هناك مَن ينجرّ إليها بضمانة ما انتهى إليه اللقاء أمس بين الرئيسَين عون وبري.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار