مركز إيواء المدينة الرياضية: حمّامات ملوّثة، مساعدات مفقودة.. ونازحون يُذلّون في المستشفيات

ما يجري داخل مركز الإيواء في المدينة الرياضية لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو خلل موضعي، بل هو إنذار أخلاقي وإنساني خطير، يكشف هشاشة الاستجابة الرسمية، ويفضح الفجوة الكبيرة بين الخطاب الإغاثي والواقع المرير على الأرض. فالنازحون هناك لا يحتاجون إلى بيانات تضامن، بل إلى أفعال واضحة وقرارات عاجلة تخفّف من معاناتهم
في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه مراكز الإيواء ملاذًا آمنًا للفارّين من القهر والنزوح، يتحوّل مركز الإيواء في المدينة الرياضية إلى مساحة مكتظّة بالوجع والإهمال، حيث يعيش النازحون ظروفًا إنسانية قاسية تتجاوز حدود الاحتمال، في ظلّ غياب الحد الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية، وتقصير واضح من الجهات الرسمية المعنية.
من داخل المركز، تتصاعد شكاوى العائلات النازحة يوماً بعد يوم، وسط واقع يصفه كثيرون بأنه لا يشبه مراكز الإيواء بقدر ما يشبه عقابًا جماعيًا للفقراء والمنكوبين. فالمشهد هناك لا يقتصر على الاكتظاظ، بل يمتد إلى تردّي النظافة، وغياب أماكن الاستحمام، ونقص الطعام، وتعقيدات مهينة في الحصول على العلاج، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول دور الوزارات المعنية، وفي مقدّمتها وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة.
أولى صور المعاناة تبدأ من أبسط الاحتياجات اليومية: النظافة الشخصية. فبحسب شهادات عدد من النازحين، فإنّ الحمّامات داخل المركز تعاني من سوء شديد في النظافة، ما يهدّد بانتشار الأمراض، خصوصًا في ظل وجود أطفال وكبار في السن ومرضى. وتقول إحدى النازحات، وهي أم لثلاثة أطفال: “نعيش هنا منذ أسبوع، والحمّامات في وضع لا يُحتمل. الرائحة خانقة، والأوساخ في كل مكان. لا يوجد حتى مكان مناسب للاستحمام. أولادنا يمرضون ونحن عاجزون عن حمايتهم”. ويضيف نازح آخر: “نحن لا نطلب رفاهية، نطلب فقط حمّامات نظيفة ومكانًا نستحم فيه. هل هذا كثير على بشر خسروا بيوتهم وكل شيء؟”
هذه الشهادات لا تكشف فقط عن خلل إداري، بل عن انعدام رؤية إنسانية في إدارة ملف الإيواء، وكأنّ النازحين مجرد أرقام تُحشر في القاعات من دون اعتبار لسلامتهم الصحية والنفسية.
المعاناة لا تقف عند النظافة، فالعائلات داخل المركز تؤكد أنّ الطعام يصل بكميات قليلة وغير كافية، وفي كثير من الأيام تكون الوجبات ناقصة، بحيث تغيب وجبة الفطور أو العشاء، ما يترك الأطفال والمرضى وكبار السن في مواجهة الجوع وسوء التغذية.
ولا تقتصر الشكاوى على قلّة الكمية فقط، بل تمتد أيضاً إلى ضعف نوعية الطعام وافتقاره إلى العناصر الغذائية الأساسية، إذ يؤكد النازحون أنّ الوجبات التي تصل إليهم تخلو بشكل شبه كامل من اللحوم والدجاج، ما يزيد من معاناة العائلات، خصوصًا الأطفال الذين يحتاجون إلى غذاء متوازن في ظل الظروف الصحية والإنسانية الصعبة.
وتقول إحدى النازحات: “في بعض الأيام يصل الطعام متأخراً، وفي أيام أخرى لا نحصل إلا على وجبة واحدة. أحياناً يمرّ اليوم من دون فطور، أو ينقص العشاء، والأصعب أننا لا نرى اللحم ولا الدجاج في الوجبات. الأطفال ينامون وهم جائعون”.
أما أحد الآباء فيقول بمرارة: “نحن لسنا متسوّلين. هذه مساعدات من حق الناس المنكوبة، لكن ما يحدث هو إذلال حقيقي. العائلة لا تعرف إن كانت ستحصل على الطعام كاملًا أم لا”. إنّ نقص الغذاء داخل مركز إيواء يضم عائلات منهكة أصلًا من النزوح، ليس مجرد تقصير لوجستي، بل فشل أخلاقي وإنساني في إدارة أزمة يُفترض أن تكون الأولوية فيها لحماية الأكثر هشاشة.
إلى جانب الشكاوى اليومية من نقص الغذاء وتردي الخدمات، يطرح النازحون تساؤلات حادة ومباشرة حول المساعدات التي قيل لهم إنّ وزارة الشؤون الاجتماعية ستؤمّنها، مؤكدين أنّ ما وعدوا به لم يصل إلى كثير من العائلات داخل المركز.
ويقول عدد من النازحين إنهم سمعوا مراراً عن مساعدات مرتقبة، وعن خطط دعم ومتابعة، لكن الواقع داخل مركز الإيواء لا يعكس هذه الوعود، بل يكشف عكسها تماماً.
وتقول إحدى النازحات بغضب ممزوج بالخذلان: “نسأل كل يوم: أين المساعدات التي وعدونا بها؟ إذا كانت وزارة الشؤون تقول إنها ترسل مساعدات، فلماذا لا تصل إلينا؟ ولماذا ما زلنا نفتقد الطعام والمواد الأساسية؟”.
ويضيف نازح آخر: “نسمع كثيرًا عن مساعدات ووعود، لكننا لا نرى شيئًا على الأرض. إذا كانت المساعدات موجودة، فمَن المسؤول عن عدم وصولها إلى الناس المحتاجين فعلًا داخل المركز؟”
وهذه التساؤلات لا تعبّر فقط عن غضب مشروع، بل تفتح الباب أمام شبهات جدّية حول آلية التوزيع، وغياب الشفافية، وضعف الرقابة والمتابعة، ما يستدعي توضيحاً عاجلًا من الجهات الرسمية حول مصير المساعدات التي يُعلن عنها، ولماذا لا تنعكس فعلياً على حياة النازحين داخل مراكز الإيواء.
الأخطر من ذلك، وفق شهادات النازحين، هو وجود حالات صحية حرجة، بينها أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ومرضى بحاجة إلى الدخول الفوري إلى المستشفى، لكنهم يواجهون عراقيل مادية وإدارية تحول دون تلقيهم العلاج في الوقت المناسب. وتشير المعلومات الواردة من داخل المركز إلى أنّ بعض الحالات تُحال إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي، إلا أنّ الصدمة تبدأ عند الوصول، حيث يطلب من النازحين دفع 20 دولاراً لفتح ملف طبي، إضافة إلى تحمّل تكاليف الصور والفحوصات التي لا تغطيها وزارة الصحة، رغم أن هؤلاء لا يملكون أصلًا ثمن الطعام أو الدواء. يقول أحد النازحين، وهو يرافق مريضاً من ذوي الاحتياجات الخاصة: “كيف يطلبون من نازح لا يملك ثمن الخبز أن يدفع 20 دولارًا فقط لفتح ملف؟ ثم يقولون لنا ادفعوا ثمن الصور لأنّ الوزارة لا تغطيها. إذا لم نملك المال، هل نترك المريض يموت؟” وتروي نازحة أخرى: “ذهبنا بحالة مستعجلة إلى المستشفى، فصُدمنا بطلب الدفع. قلنا لهم نحن نازحون ولا نملك شيئًا، لكن لم يتغيّر شيء. شعرنا بالإهانة أكثر من شعورنا بالخوف على المريض”.
هذه الشهادات تضع المسؤولية مباشرة أمام الجهات الرسمية، وتطرح سؤالًا لا يمكن القفز فوقه: كيف يُعقل أن يُترك النازح بين نار المرض ونار العجز المالي؟ وأين دور وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة في ضمان التغطية الكاملة للحالات الطارئة، خصوصًا في مراكز الإيواء التي يُفترض أنها تحت إشراف الدولة؟
أكثر ما يتكرّر على ألسنة النازحين ليس فقط الجوع أو المرض، بل الإحساس العميق بالذل. فكثيرون يقولون إنهم فقدوا منازلهم وأمانهم، ثم وجدوا أنفسهم في مركز إيواء يفتقد لأبسط شروط الكرامة، وفي مؤسسات صحية تتعامل معهم كعبء مالي لا كضحايا كارثة إنسانية. يقول أحد النازحين: “نحن لا نطلب المستحيل. نريد أن نُعامل كبشر. نريد دواءً لمريضنا، وحمّامًا نظيفًا، وطعامًا يكفي أطفالنا. لكن ما نراه هو إذلال يومي”. ويضيف آخر: “فقدنا بيوتنا، لكن لا يجب أن نفقد كرامتنا أيضًا. الدولة غائبة، والوزارات تتبادل المسؤوليات، ونحن ندفع الثمن”.
في ظل هذه الوقائع، يوجّه النازحون انتقادات حادّة إلى كل من وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية، معتبرين أنّ الوزارتين لم تقوما بواجباتهما تجاههم، سواء في تأمين الرعاية الصحية العاجلة، أو متابعة ظروف الإيواء، أو ضمان الغذاء والنظافة، أو الإشراف الجدي على وصول المساعدات إلى مستحقيها داخل المركز. فالنازحون لا يتحدثون عن تفاصيل ثانوية، بل عن حقوق أساسية تنتزع منهم في لحظة ضعف.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تحوّلت مراكز الإيواء إلى أماكن لتكديس الناس فقط، من دون أي خطة إنسانية فعلية؟ وهل باتت الوزارات تتعامل مع ملف النزوح بمنطق الحد الأدنى من إدارة الأزمة، بدل تحمّل مسؤولياتها الكاملة تجاه مواطنين ومنكوبين يعيشون أوضاعًا استثنائية؟
ما يجري داخل مركز الإيواء في المدينة الرياضية لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو خلل موضعي، بل هو إنذار أخلاقي وإنساني خطير، يكشف هشاشة الاستجابة الرسمية، ويفضح الفجوة الكبيرة بين الخطاب الإغاثي والواقع المرير على الأرض. فالنازحون هناك لا يحتاجون إلى بيانات تضامن، بل إلى أفعال واضحة وقرارات عاجلة تخفف من معاناتهم.
مركز إيواء المدينة الرياضية: حمّامات ملوّثة، مساعدات مفقودة.. ونازحون يُذلّون في المستشفيات

ما يجري داخل مركز الإيواء في المدينة الرياضية لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو خلل موضعي، بل هو إنذار أخلاقي وإنساني خطير، يكشف هشاشة الاستجابة الرسمية، ويفضح الفجوة الكبيرة بين الخطاب الإغاثي والواقع المرير على الأرض. فالنازحون هناك لا يحتاجون إلى بيانات تضامن، بل إلى أفعال واضحة وقرارات عاجلة تخفّف من معاناتهم
في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه مراكز الإيواء ملاذًا آمنًا للفارّين من القهر والنزوح، يتحوّل مركز الإيواء في المدينة الرياضية إلى مساحة مكتظّة بالوجع والإهمال، حيث يعيش النازحون ظروفًا إنسانية قاسية تتجاوز حدود الاحتمال، في ظلّ غياب الحد الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية، وتقصير واضح من الجهات الرسمية المعنية.
من داخل المركز، تتصاعد شكاوى العائلات النازحة يوماً بعد يوم، وسط واقع يصفه كثيرون بأنه لا يشبه مراكز الإيواء بقدر ما يشبه عقابًا جماعيًا للفقراء والمنكوبين. فالمشهد هناك لا يقتصر على الاكتظاظ، بل يمتد إلى تردّي النظافة، وغياب أماكن الاستحمام، ونقص الطعام، وتعقيدات مهينة في الحصول على العلاج، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول دور الوزارات المعنية، وفي مقدّمتها وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة.
أولى صور المعاناة تبدأ من أبسط الاحتياجات اليومية: النظافة الشخصية. فبحسب شهادات عدد من النازحين، فإنّ الحمّامات داخل المركز تعاني من سوء شديد في النظافة، ما يهدّد بانتشار الأمراض، خصوصًا في ظل وجود أطفال وكبار في السن ومرضى. وتقول إحدى النازحات، وهي أم لثلاثة أطفال: “نعيش هنا منذ أسبوع، والحمّامات في وضع لا يُحتمل. الرائحة خانقة، والأوساخ في كل مكان. لا يوجد حتى مكان مناسب للاستحمام. أولادنا يمرضون ونحن عاجزون عن حمايتهم”. ويضيف نازح آخر: “نحن لا نطلب رفاهية، نطلب فقط حمّامات نظيفة ومكانًا نستحم فيه. هل هذا كثير على بشر خسروا بيوتهم وكل شيء؟”
هذه الشهادات لا تكشف فقط عن خلل إداري، بل عن انعدام رؤية إنسانية في إدارة ملف الإيواء، وكأنّ النازحين مجرد أرقام تُحشر في القاعات من دون اعتبار لسلامتهم الصحية والنفسية.
المعاناة لا تقف عند النظافة، فالعائلات داخل المركز تؤكد أنّ الطعام يصل بكميات قليلة وغير كافية، وفي كثير من الأيام تكون الوجبات ناقصة، بحيث تغيب وجبة الفطور أو العشاء، ما يترك الأطفال والمرضى وكبار السن في مواجهة الجوع وسوء التغذية.
ولا تقتصر الشكاوى على قلّة الكمية فقط، بل تمتد أيضاً إلى ضعف نوعية الطعام وافتقاره إلى العناصر الغذائية الأساسية، إذ يؤكد النازحون أنّ الوجبات التي تصل إليهم تخلو بشكل شبه كامل من اللحوم والدجاج، ما يزيد من معاناة العائلات، خصوصًا الأطفال الذين يحتاجون إلى غذاء متوازن في ظل الظروف الصحية والإنسانية الصعبة.
وتقول إحدى النازحات: “في بعض الأيام يصل الطعام متأخراً، وفي أيام أخرى لا نحصل إلا على وجبة واحدة. أحياناً يمرّ اليوم من دون فطور، أو ينقص العشاء، والأصعب أننا لا نرى اللحم ولا الدجاج في الوجبات. الأطفال ينامون وهم جائعون”.
أما أحد الآباء فيقول بمرارة: “نحن لسنا متسوّلين. هذه مساعدات من حق الناس المنكوبة، لكن ما يحدث هو إذلال حقيقي. العائلة لا تعرف إن كانت ستحصل على الطعام كاملًا أم لا”. إنّ نقص الغذاء داخل مركز إيواء يضم عائلات منهكة أصلًا من النزوح، ليس مجرد تقصير لوجستي، بل فشل أخلاقي وإنساني في إدارة أزمة يُفترض أن تكون الأولوية فيها لحماية الأكثر هشاشة.
إلى جانب الشكاوى اليومية من نقص الغذاء وتردي الخدمات، يطرح النازحون تساؤلات حادة ومباشرة حول المساعدات التي قيل لهم إنّ وزارة الشؤون الاجتماعية ستؤمّنها، مؤكدين أنّ ما وعدوا به لم يصل إلى كثير من العائلات داخل المركز.
ويقول عدد من النازحين إنهم سمعوا مراراً عن مساعدات مرتقبة، وعن خطط دعم ومتابعة، لكن الواقع داخل مركز الإيواء لا يعكس هذه الوعود، بل يكشف عكسها تماماً.
وتقول إحدى النازحات بغضب ممزوج بالخذلان: “نسأل كل يوم: أين المساعدات التي وعدونا بها؟ إذا كانت وزارة الشؤون تقول إنها ترسل مساعدات، فلماذا لا تصل إلينا؟ ولماذا ما زلنا نفتقد الطعام والمواد الأساسية؟”.
ويضيف نازح آخر: “نسمع كثيرًا عن مساعدات ووعود، لكننا لا نرى شيئًا على الأرض. إذا كانت المساعدات موجودة، فمَن المسؤول عن عدم وصولها إلى الناس المحتاجين فعلًا داخل المركز؟”
وهذه التساؤلات لا تعبّر فقط عن غضب مشروع، بل تفتح الباب أمام شبهات جدّية حول آلية التوزيع، وغياب الشفافية، وضعف الرقابة والمتابعة، ما يستدعي توضيحاً عاجلًا من الجهات الرسمية حول مصير المساعدات التي يُعلن عنها، ولماذا لا تنعكس فعلياً على حياة النازحين داخل مراكز الإيواء.
الأخطر من ذلك، وفق شهادات النازحين، هو وجود حالات صحية حرجة، بينها أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ومرضى بحاجة إلى الدخول الفوري إلى المستشفى، لكنهم يواجهون عراقيل مادية وإدارية تحول دون تلقيهم العلاج في الوقت المناسب. وتشير المعلومات الواردة من داخل المركز إلى أنّ بعض الحالات تُحال إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي، إلا أنّ الصدمة تبدأ عند الوصول، حيث يطلب من النازحين دفع 20 دولاراً لفتح ملف طبي، إضافة إلى تحمّل تكاليف الصور والفحوصات التي لا تغطيها وزارة الصحة، رغم أن هؤلاء لا يملكون أصلًا ثمن الطعام أو الدواء. يقول أحد النازحين، وهو يرافق مريضاً من ذوي الاحتياجات الخاصة: “كيف يطلبون من نازح لا يملك ثمن الخبز أن يدفع 20 دولارًا فقط لفتح ملف؟ ثم يقولون لنا ادفعوا ثمن الصور لأنّ الوزارة لا تغطيها. إذا لم نملك المال، هل نترك المريض يموت؟” وتروي نازحة أخرى: “ذهبنا بحالة مستعجلة إلى المستشفى، فصُدمنا بطلب الدفع. قلنا لهم نحن نازحون ولا نملك شيئًا، لكن لم يتغيّر شيء. شعرنا بالإهانة أكثر من شعورنا بالخوف على المريض”.
هذه الشهادات تضع المسؤولية مباشرة أمام الجهات الرسمية، وتطرح سؤالًا لا يمكن القفز فوقه: كيف يُعقل أن يُترك النازح بين نار المرض ونار العجز المالي؟ وأين دور وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة في ضمان التغطية الكاملة للحالات الطارئة، خصوصًا في مراكز الإيواء التي يُفترض أنها تحت إشراف الدولة؟
أكثر ما يتكرّر على ألسنة النازحين ليس فقط الجوع أو المرض، بل الإحساس العميق بالذل. فكثيرون يقولون إنهم فقدوا منازلهم وأمانهم، ثم وجدوا أنفسهم في مركز إيواء يفتقد لأبسط شروط الكرامة، وفي مؤسسات صحية تتعامل معهم كعبء مالي لا كضحايا كارثة إنسانية. يقول أحد النازحين: “نحن لا نطلب المستحيل. نريد أن نُعامل كبشر. نريد دواءً لمريضنا، وحمّامًا نظيفًا، وطعامًا يكفي أطفالنا. لكن ما نراه هو إذلال يومي”. ويضيف آخر: “فقدنا بيوتنا، لكن لا يجب أن نفقد كرامتنا أيضًا. الدولة غائبة، والوزارات تتبادل المسؤوليات، ونحن ندفع الثمن”.
في ظل هذه الوقائع، يوجّه النازحون انتقادات حادّة إلى كل من وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية، معتبرين أنّ الوزارتين لم تقوما بواجباتهما تجاههم، سواء في تأمين الرعاية الصحية العاجلة، أو متابعة ظروف الإيواء، أو ضمان الغذاء والنظافة، أو الإشراف الجدي على وصول المساعدات إلى مستحقيها داخل المركز. فالنازحون لا يتحدثون عن تفاصيل ثانوية، بل عن حقوق أساسية تنتزع منهم في لحظة ضعف.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تحوّلت مراكز الإيواء إلى أماكن لتكديس الناس فقط، من دون أي خطة إنسانية فعلية؟ وهل باتت الوزارات تتعامل مع ملف النزوح بمنطق الحد الأدنى من إدارة الأزمة، بدل تحمّل مسؤولياتها الكاملة تجاه مواطنين ومنكوبين يعيشون أوضاعًا استثنائية؟
ما يجري داخل مركز الإيواء في المدينة الرياضية لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو خلل موضعي، بل هو إنذار أخلاقي وإنساني خطير، يكشف هشاشة الاستجابة الرسمية، ويفضح الفجوة الكبيرة بين الخطاب الإغاثي والواقع المرير على الأرض. فالنازحون هناك لا يحتاجون إلى بيانات تضامن، بل إلى أفعال واضحة وقرارات عاجلة تخفف من معاناتهم.






