هجوم إسرائيل الواسع «يسخّن» حرباً أهلية باردة في لبنان

• أكثر من مليون مهجَّر من مناطق «حزب الله» يوقظون هواجس الطوائف
• رفض «الثنائي» قرار طرد سفير إيران يستحضر تجربة مماثلة في 1983
يواجه لبنان خطراً كيانياً جديداً، حرباً إسرائيلية موسعة، وحرباً أهلية باردة ومقنّعة تزداد سخونة على وقع عدوان إسرائيل، وإصرار إيران على استخدام لبنان كأحد الأصول في استراتيجيتها الحربية.
وسبق أن تعايش لبنان مع أزمات مشابهة، وإن اختلفت القوى والظروف وموازين القوى، وتشبه أحداث اليوم، إلى حد بعيد، ما جرى في ثمانينيات القرن الماضي، والمفارقة أن هناك مَن لا يتردد في تكرار التجربة رغم نتائجها السيئة.
ومع توسع العملية العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان بهدف السيطرة على منطقة جنوب نهر الليطاني وإرساء منطقة عازلة، يُفترَض أن تكون خالية إلى حد كبير من السكان، بدأت تتفجر أزمات سياسية واجتماعية.
فهناك أكثر من مليون مهجر، أغلبيتهم من الطائفة الشيعية، خرجوا من منازلهم في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع بـ «اتجاه واحد» دون أي ضمانات بالعودة إلى مناطقهم، ما يعني عملياً أن هذه الموجة السكانية ستتسبب في تغييرات ديموغرافية واجتماعية هائلة في البنية اللبنانية.
أيقظت هذه التغيرات الهواجس لدى مختلف المكونات اللبنانية، خصوصاً في بيروت من جانب السنّة والمسيحيين، لا سيما بعد رفض إقامة مركز إيواء في منطقة الكرنتينا شرق بيروت، بسبب معارضة القوى المسيحية التي اعتبرت الأمر تهديداً ديموغرافياً وتطويقاً لمنطقة الأشرفية المسيحية، والقدرة على قطع الاتصال بينها وبين العمق المسيحي بمناطق المتن وكسروان.
ومع تكرار عمليات اغتيال تستهدف مسؤولين في «حزب الله» أو الحرس الثوري الإيراني في شقق سكنية في مناطق تسكنها أغلبية مسيحية لجأوا إليها بهويات مزورة، وسقوط صواريخ فوق منطقة جونية أخيراً، تصاعد منسوب التوتر إلى مستوى قد يؤدي إلى مواجهات أمنية تعيد إنتاج مشاهد الحرب الأهلية.
وأصبح واضحاً غياب أي مسار دبلوماسي موثوق لوقف الحرب الإسرائيلية، مع إصرار تل أبيب على فصل جبهة لبنان عن إيران، وتلويحها بمواصلة عملياتها حتى لو انتهت الحرب الإيرانية.
يتزامن ذلك مع ضغط سياسي دولي على بيروت لحظر «حزب الله» بالكامل وتصنيفه تنظيماً إرهابياً، وإدخال الجيش اللبناني إلى الضاحية الجنوبية وكل مواقع الحزب العسكرية وسحب السلاح منها، عملاً باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، والذي ينص، بوضوح وصراحة، على حصرية السلاح بيد الدولة، غير أن «حزب الله» يرفض الامتثال، ويهدد بإفشال هذه المساعي والتصدي لها.
ووسط تلميحات عبر صحف موالية للحزب بشق الجيش على أساس طائفي، يسعى الجيش إلى تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع الحزب تؤدي إلى شرخ أهلي عميق، وهو ما يصور لدى الكثير من العواصم، لا سيما في تل أبيب وواشطن، أنه علامة ضعف وعدم فعالية.
كما يرفض الحزب تحييد نفسه عن إيران وحربها، ويؤكد أنه سيواصل الحرب مهما كان الثمن.
في هذه الأجواء جاء قرار الحكومة اللبنانية بطرد السفير الإيراني من بيروت، ورفض القرار من جانب «الثنائي الشيعي» أي «حزب الله» وحركة أمل، والذي طالب السفير بعدم المغادرة، وتجاهل قرار الحكومة، واعتباره كأنه لم يكن.
غير أن القرار، الذي اتخذه وزير الخارجية يوسف رجي المحسوب على حزب القوات اللبنانية المتشدد ضد «حزب الله»، لم يأتِ من فراغ، فقد سبق أن أعلنت الحكومة على لسان رئيسها نواف سلام ووزراء فيها، أن الإيرانيين ارتكبوا جملة تجاوزات تخالف مبادئ العلاقات بين الدول، وتنتهك الأصول والأعراف الدبلوماسية، وتنتهك بشكل فاضح سيادة لبنان، وبينها وجود ضباط في الحرس الثوري الإيراني ينشطون على الساحة اللبنانية بصفة دبلوماسية، وقد دخلوا إلى لبنان بجوازات سفر لبنانية مزوّرة، ويديرون العمليات العسكرية لـ «حزب الله».
وجاء تصريح السفير الإيراني المعين علي رضا شيباني، الذي انتقد فيه الحكومة اللبنانية بطريقة حادة، رغم أنه لم يقدم أوراق اعتماده بعدُ، لتصبح النقطة التي أفاضت الكأس.
واستدعى هذا التصرف تأنيباً لبنانياً أبلغته، قبل فترة، وزارة الخارجية للقائم بأعمال السفارة الإيرانية، وطلبت منه تقديم لائحة بأسماء دبلوماسييها الذين يعملون في لبنان، للتدقيق بالذين ينشطون عسكرياً، لكن السفارة لم تقدم اللائحة رافضة التعاون.
بعد ذلك طلبت «الخارجية» من سفارة طهران التعاون لكشف الإيرانيين الذين يستخدمون جوازات سفر مزوّرة، لكنها مرة أخرى رفضت التعاون، عندئذ قرر وزير الخارجية التشاور مع رئيسي الجمهورية والحكومة لاتخاذ إجراءات بحق السفير الإيراني.
وأعلنت «الخارجية»، أمس الأول، أنها سحبت اعتماد شيباني واعتبرته شخصاً غير مرغوب فيه وأمهلته أياماً قليلة لمغادرة البلاد.
وأكدت مصادر «الخارجية» أن القرار اتُّخِذ حسب الأصول وبالتشاور مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مضيفة، أنه لا يمكن للوزير أن يتخذ مثل هذا القرار دون تشاور، وبالتالي فإن الكلام عن قرار منفرد لرجي غير صحيح.
ووسط صمت من عون وسلام حول القرار، نُقل عن مصادر وُصِفت بأنها مقربة منهما، أن وزير الخارجية أبلغهما نيته استدعاء السفير الإيراني لتسليمه مذكرة احتجاج وإنذاراً بوقف التحركات الإيرانية غير القانونية والمخالفة للأصول والأعراف.
وفُسّر هذا التباين على أنه محاولة لتدوير الزوايا على الطريقة اللبنانية، لكسب بعض الوقت والبحث عن مخرج توافقي للأزمة.
وفي حال تعذر ذلك، فإن «حزب الله» و«أمل» لن يترددا في تكرار تجربة عام 1983 خلال عهد الرئيس أمين الجميل، إذ في تلك الفترة وبعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وتوقيع «اتفاق 17 أيار» بين بيروت وتل أبيب، طلبت الخارجية اللبنانية حينئذ من السفير الإيراني مغادرة لبنان، فاعترض الشيعة أيضاً ونفذوا اعتصاماً في أحد مساجد الضاحية الجنوبية، ومنعوا السفير من المغادرة وبقي في لبنان عاماً ونصفاً.
هجوم إسرائيل الواسع «يسخّن» حرباً أهلية باردة في لبنان

• أكثر من مليون مهجَّر من مناطق «حزب الله» يوقظون هواجس الطوائف
• رفض «الثنائي» قرار طرد سفير إيران يستحضر تجربة مماثلة في 1983
يواجه لبنان خطراً كيانياً جديداً، حرباً إسرائيلية موسعة، وحرباً أهلية باردة ومقنّعة تزداد سخونة على وقع عدوان إسرائيل، وإصرار إيران على استخدام لبنان كأحد الأصول في استراتيجيتها الحربية.
وسبق أن تعايش لبنان مع أزمات مشابهة، وإن اختلفت القوى والظروف وموازين القوى، وتشبه أحداث اليوم، إلى حد بعيد، ما جرى في ثمانينيات القرن الماضي، والمفارقة أن هناك مَن لا يتردد في تكرار التجربة رغم نتائجها السيئة.
ومع توسع العملية العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان بهدف السيطرة على منطقة جنوب نهر الليطاني وإرساء منطقة عازلة، يُفترَض أن تكون خالية إلى حد كبير من السكان، بدأت تتفجر أزمات سياسية واجتماعية.
فهناك أكثر من مليون مهجر، أغلبيتهم من الطائفة الشيعية، خرجوا من منازلهم في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع بـ «اتجاه واحد» دون أي ضمانات بالعودة إلى مناطقهم، ما يعني عملياً أن هذه الموجة السكانية ستتسبب في تغييرات ديموغرافية واجتماعية هائلة في البنية اللبنانية.
أيقظت هذه التغيرات الهواجس لدى مختلف المكونات اللبنانية، خصوصاً في بيروت من جانب السنّة والمسيحيين، لا سيما بعد رفض إقامة مركز إيواء في منطقة الكرنتينا شرق بيروت، بسبب معارضة القوى المسيحية التي اعتبرت الأمر تهديداً ديموغرافياً وتطويقاً لمنطقة الأشرفية المسيحية، والقدرة على قطع الاتصال بينها وبين العمق المسيحي بمناطق المتن وكسروان.
ومع تكرار عمليات اغتيال تستهدف مسؤولين في «حزب الله» أو الحرس الثوري الإيراني في شقق سكنية في مناطق تسكنها أغلبية مسيحية لجأوا إليها بهويات مزورة، وسقوط صواريخ فوق منطقة جونية أخيراً، تصاعد منسوب التوتر إلى مستوى قد يؤدي إلى مواجهات أمنية تعيد إنتاج مشاهد الحرب الأهلية.
وأصبح واضحاً غياب أي مسار دبلوماسي موثوق لوقف الحرب الإسرائيلية، مع إصرار تل أبيب على فصل جبهة لبنان عن إيران، وتلويحها بمواصلة عملياتها حتى لو انتهت الحرب الإيرانية.
يتزامن ذلك مع ضغط سياسي دولي على بيروت لحظر «حزب الله» بالكامل وتصنيفه تنظيماً إرهابياً، وإدخال الجيش اللبناني إلى الضاحية الجنوبية وكل مواقع الحزب العسكرية وسحب السلاح منها، عملاً باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، والذي ينص، بوضوح وصراحة، على حصرية السلاح بيد الدولة، غير أن «حزب الله» يرفض الامتثال، ويهدد بإفشال هذه المساعي والتصدي لها.
ووسط تلميحات عبر صحف موالية للحزب بشق الجيش على أساس طائفي، يسعى الجيش إلى تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع الحزب تؤدي إلى شرخ أهلي عميق، وهو ما يصور لدى الكثير من العواصم، لا سيما في تل أبيب وواشطن، أنه علامة ضعف وعدم فعالية.
كما يرفض الحزب تحييد نفسه عن إيران وحربها، ويؤكد أنه سيواصل الحرب مهما كان الثمن.
في هذه الأجواء جاء قرار الحكومة اللبنانية بطرد السفير الإيراني من بيروت، ورفض القرار من جانب «الثنائي الشيعي» أي «حزب الله» وحركة أمل، والذي طالب السفير بعدم المغادرة، وتجاهل قرار الحكومة، واعتباره كأنه لم يكن.
غير أن القرار، الذي اتخذه وزير الخارجية يوسف رجي المحسوب على حزب القوات اللبنانية المتشدد ضد «حزب الله»، لم يأتِ من فراغ، فقد سبق أن أعلنت الحكومة على لسان رئيسها نواف سلام ووزراء فيها، أن الإيرانيين ارتكبوا جملة تجاوزات تخالف مبادئ العلاقات بين الدول، وتنتهك الأصول والأعراف الدبلوماسية، وتنتهك بشكل فاضح سيادة لبنان، وبينها وجود ضباط في الحرس الثوري الإيراني ينشطون على الساحة اللبنانية بصفة دبلوماسية، وقد دخلوا إلى لبنان بجوازات سفر لبنانية مزوّرة، ويديرون العمليات العسكرية لـ «حزب الله».
وجاء تصريح السفير الإيراني المعين علي رضا شيباني، الذي انتقد فيه الحكومة اللبنانية بطريقة حادة، رغم أنه لم يقدم أوراق اعتماده بعدُ، لتصبح النقطة التي أفاضت الكأس.
واستدعى هذا التصرف تأنيباً لبنانياً أبلغته، قبل فترة، وزارة الخارجية للقائم بأعمال السفارة الإيرانية، وطلبت منه تقديم لائحة بأسماء دبلوماسييها الذين يعملون في لبنان، للتدقيق بالذين ينشطون عسكرياً، لكن السفارة لم تقدم اللائحة رافضة التعاون.
بعد ذلك طلبت «الخارجية» من سفارة طهران التعاون لكشف الإيرانيين الذين يستخدمون جوازات سفر مزوّرة، لكنها مرة أخرى رفضت التعاون، عندئذ قرر وزير الخارجية التشاور مع رئيسي الجمهورية والحكومة لاتخاذ إجراءات بحق السفير الإيراني.
وأعلنت «الخارجية»، أمس الأول، أنها سحبت اعتماد شيباني واعتبرته شخصاً غير مرغوب فيه وأمهلته أياماً قليلة لمغادرة البلاد.
وأكدت مصادر «الخارجية» أن القرار اتُّخِذ حسب الأصول وبالتشاور مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مضيفة، أنه لا يمكن للوزير أن يتخذ مثل هذا القرار دون تشاور، وبالتالي فإن الكلام عن قرار منفرد لرجي غير صحيح.
ووسط صمت من عون وسلام حول القرار، نُقل عن مصادر وُصِفت بأنها مقربة منهما، أن وزير الخارجية أبلغهما نيته استدعاء السفير الإيراني لتسليمه مذكرة احتجاج وإنذاراً بوقف التحركات الإيرانية غير القانونية والمخالفة للأصول والأعراف.
وفُسّر هذا التباين على أنه محاولة لتدوير الزوايا على الطريقة اللبنانية، لكسب بعض الوقت والبحث عن مخرج توافقي للأزمة.
وفي حال تعذر ذلك، فإن «حزب الله» و«أمل» لن يترددا في تكرار تجربة عام 1983 خلال عهد الرئيس أمين الجميل، إذ في تلك الفترة وبعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وتوقيع «اتفاق 17 أيار» بين بيروت وتل أبيب، طلبت الخارجية اللبنانية حينئذ من السفير الإيراني مغادرة لبنان، فاعترض الشيعة أيضاً ونفذوا اعتصاماً في أحد مساجد الضاحية الجنوبية، ومنعوا السفير من المغادرة وبقي في لبنان عاماً ونصفاً.








