لأجل إيران

ليس سهلاً أن تُحصي حروب “حزب الله”. ليس لأن ذاكرة اللبنانيين قصيرة، بل لأن عدد المعارك التي خاضها “الحزب” يتجاوز قدرة العدّ، وكلها تقريبًا تدور في فلك واحد: إيران.
منذ التأسيس، لم يكن “الحزب” مشروعًا لبنانيًا بالمعنى السيادي للكلمة. بدأ باستهداف الجيش اللبناني في البقاع، وكأن أولويته كانت كسر الدولة قبل مواجهة أي عدو خارجي. ثم انتقل إلى حربه مع حركة “أمل”، حربٌ لم تكن “سوء تفاهم شيعيًا – شيعيًا”، بل كانت تنفيذًا مباشرًا لتكليف إيراني انتهى بتفاهم سوري – إيراني كرّس احتكار “الحزب” لـ “المقاومة”.
في بيروت، لم تكن عمليات خطف الأجانب مجرد فوضى ميليشياوية. كانت رسائل إيرانية بدم بارد، تُستخدم فيها العاصمة رهينة على طاولة تفاوض بين طهران والغرب. لبنان لم يكن سوى صندوق بريد.
في التسعينات، حين لاحت فرصة انسحاب إسرائيلي كامل، لم يكن ذلك خبرًا سارًا لطهران ودمشق. فجاءت حروب “تصفية الحساب” و “عناقيد الغضب” لتدفن أي أمل بتسوية. لم يكن المطلوب تحرير الأرض بقدر ما كان المطلوب إبقاء الجبهة مشتعلة خدمةً لمسارات تفاوض لا علاقة للبنان بها.
عام 2000، انسحبت إسرائيل. انتهت الحجة… لكن السلاح بقي. لماذا؟ لأن المشروع لم يكن لبنانيًا أصلًا. فكانت حرب 2006، التي أعادت تثبيت لبنان كساحة مفتوحة، لا كدولة.
ثم جاءت “حرب الإسناد” في 2023، نموذجًا مكثفًا عن وظيفة “الحزب” الحقيقية: إسناد إيران، لا لبنان. واليوم، الحرب الحالية ليست استثناءً، بل استمرارٌ منطقي لمسار طويل، حيث القرار يُتخذ في مكان، والتنفيذ يتم في مكان آخر.
الجديد ليس في الخارج، بل في الداخل. الصدام مع الدولة على خلفية طرد السفير الإيراني ليس تفصيلًا دبلوماسيًا. إنه اختبار: من يحكم لبنان فعليًا؟ الدولة أم الوكيل؟
لكن من يراهن على أن هذه المواجهة ستكون الأخيرة، يخطئ التقدير. هذا حزب لا يخوض حروبه وفق مصلحة لبنان، بل وفق منطق “الوفاء”. والوفاء هنا ليس قيمة أخلاقية، بل التزام عضوي بمشروع يتقدم على أي اعتبار آخر.
المشكلة أن هذا “الوفاء” تحوّل إلى ما يشبه الانتحار السياسي المفتوح. انتحار لا يطال “الحزب” وحده، بل يجرّ معه بلدًا كاملًا إلى حروب الآخرين. لبنان، مرة جديدة، ليس أكثر من ساحة. واللبنانيون، مرة جديدة، يدفعون الثمن.
لأجل إيران

ليس سهلاً أن تُحصي حروب “حزب الله”. ليس لأن ذاكرة اللبنانيين قصيرة، بل لأن عدد المعارك التي خاضها “الحزب” يتجاوز قدرة العدّ، وكلها تقريبًا تدور في فلك واحد: إيران.
منذ التأسيس، لم يكن “الحزب” مشروعًا لبنانيًا بالمعنى السيادي للكلمة. بدأ باستهداف الجيش اللبناني في البقاع، وكأن أولويته كانت كسر الدولة قبل مواجهة أي عدو خارجي. ثم انتقل إلى حربه مع حركة “أمل”، حربٌ لم تكن “سوء تفاهم شيعيًا – شيعيًا”، بل كانت تنفيذًا مباشرًا لتكليف إيراني انتهى بتفاهم سوري – إيراني كرّس احتكار “الحزب” لـ “المقاومة”.
في بيروت، لم تكن عمليات خطف الأجانب مجرد فوضى ميليشياوية. كانت رسائل إيرانية بدم بارد، تُستخدم فيها العاصمة رهينة على طاولة تفاوض بين طهران والغرب. لبنان لم يكن سوى صندوق بريد.
في التسعينات، حين لاحت فرصة انسحاب إسرائيلي كامل، لم يكن ذلك خبرًا سارًا لطهران ودمشق. فجاءت حروب “تصفية الحساب” و “عناقيد الغضب” لتدفن أي أمل بتسوية. لم يكن المطلوب تحرير الأرض بقدر ما كان المطلوب إبقاء الجبهة مشتعلة خدمةً لمسارات تفاوض لا علاقة للبنان بها.
عام 2000، انسحبت إسرائيل. انتهت الحجة… لكن السلاح بقي. لماذا؟ لأن المشروع لم يكن لبنانيًا أصلًا. فكانت حرب 2006، التي أعادت تثبيت لبنان كساحة مفتوحة، لا كدولة.
ثم جاءت “حرب الإسناد” في 2023، نموذجًا مكثفًا عن وظيفة “الحزب” الحقيقية: إسناد إيران، لا لبنان. واليوم، الحرب الحالية ليست استثناءً، بل استمرارٌ منطقي لمسار طويل، حيث القرار يُتخذ في مكان، والتنفيذ يتم في مكان آخر.
الجديد ليس في الخارج، بل في الداخل. الصدام مع الدولة على خلفية طرد السفير الإيراني ليس تفصيلًا دبلوماسيًا. إنه اختبار: من يحكم لبنان فعليًا؟ الدولة أم الوكيل؟
لكن من يراهن على أن هذه المواجهة ستكون الأخيرة، يخطئ التقدير. هذا حزب لا يخوض حروبه وفق مصلحة لبنان، بل وفق منطق “الوفاء”. والوفاء هنا ليس قيمة أخلاقية، بل التزام عضوي بمشروع يتقدم على أي اعتبار آخر.
المشكلة أن هذا “الوفاء” تحوّل إلى ما يشبه الانتحار السياسي المفتوح. انتحار لا يطال “الحزب” وحده، بل يجرّ معه بلدًا كاملًا إلى حروب الآخرين. لبنان، مرة جديدة، ليس أكثر من ساحة. واللبنانيون، مرة جديدة، يدفعون الثمن.






