ليست الحروب… هذا وحده ما يُسقط لبنان

وكأنه مكتوب على اللبنانيين أن يتعايشوا دائمًا مع فكرة عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وألا يعيشوا بالتالي حياتهم الطبيعية كما تعيشها سائر الشعوب البعيدة عن هاجس الحروب المتنقلة من منطقة إلى أخرى كما هي حال دول المنطقة المتأثرة في شكل كبير بالحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية، وإن بنسب متفاوتة، مع ما لهذه الحرب من انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي المهتزّ.
فلبنان بطبيعة الحال لم يكن يومًا غريبًا عن الحروب بمختلف أشكالها وتنوعها بين ما هو داخلي وبين ما هو خارجي. فمنذ نشأته الحديثة وهو يعيش على وقع الأزمات والحروب والاعتداءات والاحتلالات. وعلى رغم كل ذلك، وعلى رغم كل التجارب المريرة، وعلى رغم كل ما مرّ به من حروب، لم يسقط هذا البلد، ولم يختفِ من الخارطة، ولم ينتهِ كفكرة أو ككيان. صحيح أنه كان مع كل حرب يتعب، ينزف، يهاجر أبناؤه، تُدمَّر بيوتهم، ينهار اقتصاده، لكنه في كل مرة كان ينهض من جديد.
وفي رأي أكثر من مسؤول أن ما يدّمر لبنان ليست الحروب بحدّ ذاتها، على رغم بشاعتها ومآسيها، بل ما يدّمره أكثر من أي شيء آخر هو هذه الفتنة، التي بدأت تطّل برأسها من خلال ما يُبثّ من شائعات مغرضة تستهدف وحدة اللبنانيين المتأثرة بما يدور حولهم من تطورات دراماتيكية، وانجرار البعض وراء أوهام ترسم لنفسها وطنًا لا يشبه ذاك الوطن، الذي تحدّث عنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني.
فالحرب، على قساوتها، عدو واضح. وهذا أمر مسّلم به ومعروف لدى القاصي والداني. صحيح أن الناس تعرف من تقاتل، وتعرف متى تبدأ الحرب، وإن كان موعد انتهائها يبقى رهن المصالح المشتركة والخفية، التي تجمع بين المتقاتلين. ولكن ومهما طالت هذه الحروب فإنه فلا بدّ من لحظة يجلس فيها المتحاربون إلى الطاولة، بتسوية أو باتفاق أو بعدما يتعب الجميع. أمّا الفتنة فعدوها غير واضح، وهي تبدأ بكلمة، بإشاعة، بخطاب تحريضي، بخوف متبادل، بنظرة شك بين الناس، ثم تكبر شيئًا فشيئًا إلى أن تتحول إلى جدار بين أبناء الوطن الواحد، فتسقط الثقة المتبادلة، ويبدأ نظام الحقد والكراهية يحلّ مكان فكرة عيش اللبنانيين تحت سماء واحدة، وفي ظلّ علم واحد.
التاريخ اللبناني يقول إن كل الحروب التي مرّت على هذا البلد لم تستطع أن تسقطه، لكن الفتن التي نخرته من الداخل كادت أن تفعل. لأن الحرب تدمّر الحجر، أمّا الفتنة فتدمّر البشر، والحجر يمكن إعادة بنائه، أمّا النفوس إذا خربت فإن إعادة بنائها تحتاج إلى أجيال.
ويضيف هؤلاء المسؤولون بأن أخطر ما في هذه المرحلة التي يعيشها لبنان اليوم ليس فقط الحرب الدائرة رحاها بدءًا من الجنوب وامتدادًا إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وليس الدمار أو التهجير أو الخوف من توسّع هذه الحرب، بل أخطر ما فيها هو ذاك الخطاب الطائفي والمذهبي الذي يرتفع تدريجيًا، وكأن البعض لم يتعلم شيئًا من حرب 1975 وما تلاها من مآسٍ. وكأن اللبنانيين محكومون مع كل جيل أن يكرر أخطاء الجيل الذي سبقه.
وقد يكون القاسم المشترك بين أغلبية الذين يرون بعين العقل والحكمة أن المشكلة في لبنان ليست أن أبناءه يختلفون. فكل شعوب العالم تختلف سياسيًا وفكريًا، لكن مشكلة اللبنانيين الأساسية ، في رأي هذه الأغلبية، هي أنهم عندما يختلفون يتصرفون وكأنهم لن يعيشوا معًا بعد انتهاء الخلاف، مع أن تاريخ لبنان كله يقول إنهم في النهاية لا يمكنهم إلاّ أن يعيشوا مع بعضهم البعض، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يلغي الآخر، ولا يستطيع أحد، مهما علا شأنه، ومهما بلغت قوته الفائضة، أن يحكم لبنان وحده، ولا يستطيع أحد أن يعزل طائفة أو يلغي حزبًا أو يشطب جماعة من هذا البلد. التجارب والتاريخ أكبر شاهد. ويكفي أن يراجع المرء تاريخ لبنان الحديث ليكتشف حقيقة هذا الواقع.
قد تنتصر إسرائيل في معركة، وقد تدمّر جسرًا، وقد تهجّر قرية، وقد تضرب بنية تحتية، لكنها لا تستطيع أن تُسقط لبنان إلا إذا أدّى خلاف اللبنانيين بين بعضهم البعض إلى الاقتتال الداخلي. عندها فقط تسقط الفكرة قبل أن يسقط البلد، ويسقط الوطن في النفوس قبل أن يسقط على الأرض.
لذلك قد يكون واجب اللبنانيين اليوم، قبل أي نقاش في السلاح والاستراتيجية والحرب والسلم والقرارات الدولية، أن يتفقوا على أمر واحد فقط ألا وهو منع الفتنة. لأن أي فتنة داخلية ستكون أخطر بكثير على لبنان من أي حرب خارجية، وأي انقسام كبير بين اللبنانيين سيجعل كل عدو يتفرّج عليهم وهم يدمّرون بلدهم بأيديهم.
لبنان يستطيع أن ينهض بعد كل حرب، ويستطيع أن يعيد بناء كل جسر يُدمَّر، وكل بيت يُهدَم، وكل طريق تُقطع، لكن لبنان لا يستطيع أن ينهض إذا تهدّمت الجسور بين أبنائه. فلبنان لا يسقط بحرب. لبنان يسقط يوم يسقط اللبنانيون في الفتنة. راجعوا مسرحية ملوك الطوائف للراحل الكبير منصور الرحباني.
ليست الحروب… هذا وحده ما يُسقط لبنان

وكأنه مكتوب على اللبنانيين أن يتعايشوا دائمًا مع فكرة عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وألا يعيشوا بالتالي حياتهم الطبيعية كما تعيشها سائر الشعوب البعيدة عن هاجس الحروب المتنقلة من منطقة إلى أخرى كما هي حال دول المنطقة المتأثرة في شكل كبير بالحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية، وإن بنسب متفاوتة، مع ما لهذه الحرب من انعكاسات خطيرة على الاقتصاد العالمي المهتزّ.
فلبنان بطبيعة الحال لم يكن يومًا غريبًا عن الحروب بمختلف أشكالها وتنوعها بين ما هو داخلي وبين ما هو خارجي. فمنذ نشأته الحديثة وهو يعيش على وقع الأزمات والحروب والاعتداءات والاحتلالات. وعلى رغم كل ذلك، وعلى رغم كل التجارب المريرة، وعلى رغم كل ما مرّ به من حروب، لم يسقط هذا البلد، ولم يختفِ من الخارطة، ولم ينتهِ كفكرة أو ككيان. صحيح أنه كان مع كل حرب يتعب، ينزف، يهاجر أبناؤه، تُدمَّر بيوتهم، ينهار اقتصاده، لكنه في كل مرة كان ينهض من جديد.
وفي رأي أكثر من مسؤول أن ما يدّمر لبنان ليست الحروب بحدّ ذاتها، على رغم بشاعتها ومآسيها، بل ما يدّمره أكثر من أي شيء آخر هو هذه الفتنة، التي بدأت تطّل برأسها من خلال ما يُبثّ من شائعات مغرضة تستهدف وحدة اللبنانيين المتأثرة بما يدور حولهم من تطورات دراماتيكية، وانجرار البعض وراء أوهام ترسم لنفسها وطنًا لا يشبه ذاك الوطن، الذي تحدّث عنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني.
فالحرب، على قساوتها، عدو واضح. وهذا أمر مسّلم به ومعروف لدى القاصي والداني. صحيح أن الناس تعرف من تقاتل، وتعرف متى تبدأ الحرب، وإن كان موعد انتهائها يبقى رهن المصالح المشتركة والخفية، التي تجمع بين المتقاتلين. ولكن ومهما طالت هذه الحروب فإنه فلا بدّ من لحظة يجلس فيها المتحاربون إلى الطاولة، بتسوية أو باتفاق أو بعدما يتعب الجميع. أمّا الفتنة فعدوها غير واضح، وهي تبدأ بكلمة، بإشاعة، بخطاب تحريضي، بخوف متبادل، بنظرة شك بين الناس، ثم تكبر شيئًا فشيئًا إلى أن تتحول إلى جدار بين أبناء الوطن الواحد، فتسقط الثقة المتبادلة، ويبدأ نظام الحقد والكراهية يحلّ مكان فكرة عيش اللبنانيين تحت سماء واحدة، وفي ظلّ علم واحد.
التاريخ اللبناني يقول إن كل الحروب التي مرّت على هذا البلد لم تستطع أن تسقطه، لكن الفتن التي نخرته من الداخل كادت أن تفعل. لأن الحرب تدمّر الحجر، أمّا الفتنة فتدمّر البشر، والحجر يمكن إعادة بنائه، أمّا النفوس إذا خربت فإن إعادة بنائها تحتاج إلى أجيال.
ويضيف هؤلاء المسؤولون بأن أخطر ما في هذه المرحلة التي يعيشها لبنان اليوم ليس فقط الحرب الدائرة رحاها بدءًا من الجنوب وامتدادًا إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وليس الدمار أو التهجير أو الخوف من توسّع هذه الحرب، بل أخطر ما فيها هو ذاك الخطاب الطائفي والمذهبي الذي يرتفع تدريجيًا، وكأن البعض لم يتعلم شيئًا من حرب 1975 وما تلاها من مآسٍ. وكأن اللبنانيين محكومون مع كل جيل أن يكرر أخطاء الجيل الذي سبقه.
وقد يكون القاسم المشترك بين أغلبية الذين يرون بعين العقل والحكمة أن المشكلة في لبنان ليست أن أبناءه يختلفون. فكل شعوب العالم تختلف سياسيًا وفكريًا، لكن مشكلة اللبنانيين الأساسية ، في رأي هذه الأغلبية، هي أنهم عندما يختلفون يتصرفون وكأنهم لن يعيشوا معًا بعد انتهاء الخلاف، مع أن تاريخ لبنان كله يقول إنهم في النهاية لا يمكنهم إلاّ أن يعيشوا مع بعضهم البعض، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يلغي الآخر، ولا يستطيع أحد، مهما علا شأنه، ومهما بلغت قوته الفائضة، أن يحكم لبنان وحده، ولا يستطيع أحد أن يعزل طائفة أو يلغي حزبًا أو يشطب جماعة من هذا البلد. التجارب والتاريخ أكبر شاهد. ويكفي أن يراجع المرء تاريخ لبنان الحديث ليكتشف حقيقة هذا الواقع.
قد تنتصر إسرائيل في معركة، وقد تدمّر جسرًا، وقد تهجّر قرية، وقد تضرب بنية تحتية، لكنها لا تستطيع أن تُسقط لبنان إلا إذا أدّى خلاف اللبنانيين بين بعضهم البعض إلى الاقتتال الداخلي. عندها فقط تسقط الفكرة قبل أن يسقط البلد، ويسقط الوطن في النفوس قبل أن يسقط على الأرض.
لذلك قد يكون واجب اللبنانيين اليوم، قبل أي نقاش في السلاح والاستراتيجية والحرب والسلم والقرارات الدولية، أن يتفقوا على أمر واحد فقط ألا وهو منع الفتنة. لأن أي فتنة داخلية ستكون أخطر بكثير على لبنان من أي حرب خارجية، وأي انقسام كبير بين اللبنانيين سيجعل كل عدو يتفرّج عليهم وهم يدمّرون بلدهم بأيديهم.
لبنان يستطيع أن ينهض بعد كل حرب، ويستطيع أن يعيد بناء كل جسر يُدمَّر، وكل بيت يُهدَم، وكل طريق تُقطع، لكن لبنان لا يستطيع أن ينهض إذا تهدّمت الجسور بين أبنائه. فلبنان لا يسقط بحرب. لبنان يسقط يوم يسقط اللبنانيون في الفتنة. راجعوا مسرحية ملوك الطوائف للراحل الكبير منصور الرحباني.







