تهديد وبنادق: بين النوستالجيا والإيديولوجيا و”إقفال العقول”… تبقوا سالمين في “المسرح اللبناني الكبير”!

نعيش في “مسرح كبير”، نتابع أحداثه ولا ندري حتمًا نهاياته. هو مسرحٌ أصبحنا فيه جميعنا، بإرادة جماعةٍ، مشاركين في جنون العبث الممنهج، من خلال أدوات تأسست لتعميم إيديولوجيا غريبة عجيبة، تحرّك العواطف وتقبض على المشاعر، باسم الدّين والولي الفقيه والفرس والنصر الإلهي، خالطةً شعبان برمضان، مكوّنةً أمراضًا نفسية عقائدية جمّة.
حين تشتدّ الأزمات يُصبح قرع الجرس كما الضّرب على الطبول الفارغة: مجرّد صدى. هكذا هو لبناننا اليوم هدير كثير و”طرش” كبير. وبينما يسود صمتُ المقابر مقارنةً بقرقعات الحرب والموت والعبثيّة، نتأكد أنّ البعض لا ولن يتعلّم وهو الحاسب “عقائديًّا” أنّ الماضي له، والمستقبل ليس إلّا له، وهو سيبقى الحاكم الآمر، وما تكليفه “إلّا من عند الله”. وكلّما اعتقدنا أنه تعلّم من أخطائه يعود ليُخطئَ، بحقّ نفسه وبيئته أولًا، وبحقّ البلد ومن فيه عمومًا. فلنسرح في المسرح الكبير، وفي مسرح بيروت العظيم، وفي مسرح الحزب المحظور باسم “رسالات” الكئيب، في زمنٍ كتب البعض سيناريو خاصًّا به وحده ومشى على جثة وطن.
زمان، في أيام بيروت الجميلة، كانت لنا مسارح ثقافية، ويقينًا بمنطق: أعطني مسرحًا وخبزًا أعطك شعبًا مثقّفًا. لكن، كل شيء يتغيّر. فالخبز يرتفع ثمنًا ويقلّ وزنًا. والمسرح ما عاد وليمة المثقّف الشهية. وبيروت التي عاشت “أجندات ثقافية” كثيرة، شهدت إقفال مسرح تلو ثانٍ تلو ثالث… هناك في شارع الحمراء والجوار، على سبيل المثال لا الحصر، كانت بوابة “ثقافة بيروت” إلى العالم. كان مسرح بابل ومسرح التياترو الكبير الذي عبق قبل الحرب الأهلية بالطرب والثقافة وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ويوسف وهبي والأخطل الصغير. هناك، في ذاك المسرح، عُرض أول فيلم ناطق باللغة العربية “الوردة البيضاء” للموسيقار محمد عبد الوهاب. وليس بعيدًا عنه كان مسرح البيكاديللي الأرستقراطي. وروّاد المسرح لم ينسوا لحظة افتتاح البيكاديللي في التاسع من كانون الثاني عام 1967 بمسرح الرحابنة. فيروز هي أول من وقف في “هالة والملك” على تلك الخشبة. يا لها من محطة كانت. وكان فعل ماضٍ انتهى. حتى الاسم هوى. من جهته، يستمرّ مسرح المدينة بإرادة صاحبته نضال الأشقر. مسرح بابل موجود لكن ربّانه أسد المسرح العراقي جواد الأسدي غادره بعدما تغيّر المسرح ورواد المسرح… مسارح كثيرة طبعت بيروت لم يبقَ منها إلّا الاسم ومحاولات لاهثة للبقاء. “دوار الشمس” مسرح وُجد، احترق، توقف، مات، وعاد إلى الحياة محاولًا التأثير في الشباب وجذبهم من جديد إلى مسرحٍ يُفترض ألا يموت. مسرح “شوشو” ومسرح الرحابنة ومسرح مارون النقاش ومسرح روميو لحود… يا الله كم كان المسرح في لبنان جميلًا. وكان- من جديد- فعل ماضٍ.
اليوم، يحترق لبنان. والوجود -على أنواعه- أصبح على امتداد الوطن في خطر. وطبيعي -في مسرح الأحداث- أن يتأثّر هذا المسرح الذي قيل عنه أبو الفنون. وكيف لا، وهناك من يبني -باسم المسرح- إيديولوجيات ليست من شيم اللبنانيين الذين تربّوا على مفهوم الأصالة والفرادة والبعد الإنساني والوطني.
فلندخل في صلب الموضوع. جمعية “رسالات” التي أحدثت شغبًا -من على صخرة الروشة- وتقرّر تجميد عملها، عادت إلى مزاولة ما تفعله باسم “المسرح والسينما والثقافة” ضاربةً عرض الحائط قرار مجلس الوزراء. كسرته. حدث ذلك قبل اندلاع الحرب ولم ينتبه -مَن كان يفترض أن ينتبه- إلى عودتها. مسرح “رسالات” بنى أجيالًا بعقولٍ مغلقة. هو استبدل الفن بالبروباغندا والولاء الدّيني المطلق، عارضًا مسرحيات وأفلامًا تمجّد إيران في حروبها، إلى درجة القداسة. هكذا أصبح أبو الفنون والفنون بأسرها -في عقول من أسّسوا “رسالات” وأمثالها- في خدمة تثبيت سرديات إيرانية في وجدان الشيعة كبارًا وصغارًا. توجّه مسرح “حزب الله” إلى الأطفال مقدمًا سرديّات منمّقة فيها بنادق وبطولات إيرانية هشّة تنتهي دائمًا بمشهدية التطلّع للموت “في سبيل الله”. وذلك، وفق معادلة إيمانية كرّسها الحزب المحظور على مدى عقود تحت عنوان “نحن لا نهزم. عندما ننتصر ننتصر وعندما نستشهد ننتصر”. فهل هذا هو الهدف من المسرح؟ أطفال مسارح “الحزب” أصبحوا اليوم شبّانًا لا يؤمنون إلا بالسلاح والقتل في سبيل الله والاستشهاد ولغة النّار والقوّة المفرطة. راجعوا شخصيات مسرح “رسالات” تتعرّفون إلى أسماء لا تشبه بتاتًا أبطالنا في مسرحيات “جسر القمر” و”ميس الريم” و”موسم العزّ” و”عودة العسكر” و”بياع الخواتم”. مسرح “رسالات” -وأخواته من صنفه- بنى أجيالًا وفق معادلة إيمانية طوّعت الجيل الجديد لغاياتٍ جهاديةٍ عقائديةٍ.
اليوم، في زحمة الأحداث العسكرية وارتفاع عدّاد الموت، عاد الكلام عن المسرح، كملاذٍ إنسانيّ يحتضن النازحين. ففتح لهؤلاء المسرح الوطني اللبناني في بيروت وفي صور وفي طرابلس… كمساحات إيواء. لكن، هل تتخيّلون بماذا يتسلّى بعض مَن يفترشون الخشبة من الأطفال؟ إنّهم يؤدّون مشاهد من فيلم شاهدوه في مسرح “رسالات” باسم “مجنون” علّمهم “كيف يتصرّف القائد حين تكون المسؤولية أكبر من العمر. وكيف يأخذ القرار فورًا”. الأطفال يُمسكون ببواريد مياه ويهرولون هاتفين: الله في الساحة… الله في الساحة…
نعم، هكذا يكبر أطفال يُجنّدون منذ الصغر ليكونوا مشاريع ضحايا تحت عنوان شهداء حين يكبرون. نعم، هناك جماعة أسّست منذ بداياتها للسيطرة على مفاصل البلد، والمسرح كان أحد أدواتها. نعم، تمّ تطويع الخشبة والفنون بأسرها في خدمة مشروع أبعد بكثير من لبنان. تريدون أمثلة؟ خذوا مسرح المدينة مثلًا الذي تحول ذات يوم إلى مجلس عاشورائي. وخذوا معرض الكتاب في بيروت الذي تحوّل إلى معرض طهران للكتاب. وبدل جبران خليل جبران حلّ فيه قاسم سليماني. وبدل أن يقرأ الأطفال قصة “كليلة ودمنة” قرأوا قصة الحاج قاسم… وتسألون اليوم عن مصابنا؟
المسرح -يا عالم- أداة تربويّة، ثقافيّة، اجتماعيّة، تفاعليّة، انفتاحيّة، تعايشيّة، تفاهميّة، تسامحيّة، تعاونيّة، تربويّة… وشتّان ما بين هدف المسرح و”المسرح اللبناني الكبير”.
تهديد وبنادق: بين النوستالجيا والإيديولوجيا و”إقفال العقول”… تبقوا سالمين في “المسرح اللبناني الكبير”!

نعيش في “مسرح كبير”، نتابع أحداثه ولا ندري حتمًا نهاياته. هو مسرحٌ أصبحنا فيه جميعنا، بإرادة جماعةٍ، مشاركين في جنون العبث الممنهج، من خلال أدوات تأسست لتعميم إيديولوجيا غريبة عجيبة، تحرّك العواطف وتقبض على المشاعر، باسم الدّين والولي الفقيه والفرس والنصر الإلهي، خالطةً شعبان برمضان، مكوّنةً أمراضًا نفسية عقائدية جمّة.
حين تشتدّ الأزمات يُصبح قرع الجرس كما الضّرب على الطبول الفارغة: مجرّد صدى. هكذا هو لبناننا اليوم هدير كثير و”طرش” كبير. وبينما يسود صمتُ المقابر مقارنةً بقرقعات الحرب والموت والعبثيّة، نتأكد أنّ البعض لا ولن يتعلّم وهو الحاسب “عقائديًّا” أنّ الماضي له، والمستقبل ليس إلّا له، وهو سيبقى الحاكم الآمر، وما تكليفه “إلّا من عند الله”. وكلّما اعتقدنا أنه تعلّم من أخطائه يعود ليُخطئَ، بحقّ نفسه وبيئته أولًا، وبحقّ البلد ومن فيه عمومًا. فلنسرح في المسرح الكبير، وفي مسرح بيروت العظيم، وفي مسرح الحزب المحظور باسم “رسالات” الكئيب، في زمنٍ كتب البعض سيناريو خاصًّا به وحده ومشى على جثة وطن.
زمان، في أيام بيروت الجميلة، كانت لنا مسارح ثقافية، ويقينًا بمنطق: أعطني مسرحًا وخبزًا أعطك شعبًا مثقّفًا. لكن، كل شيء يتغيّر. فالخبز يرتفع ثمنًا ويقلّ وزنًا. والمسرح ما عاد وليمة المثقّف الشهية. وبيروت التي عاشت “أجندات ثقافية” كثيرة، شهدت إقفال مسرح تلو ثانٍ تلو ثالث… هناك في شارع الحمراء والجوار، على سبيل المثال لا الحصر، كانت بوابة “ثقافة بيروت” إلى العالم. كان مسرح بابل ومسرح التياترو الكبير الذي عبق قبل الحرب الأهلية بالطرب والثقافة وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ويوسف وهبي والأخطل الصغير. هناك، في ذاك المسرح، عُرض أول فيلم ناطق باللغة العربية “الوردة البيضاء” للموسيقار محمد عبد الوهاب. وليس بعيدًا عنه كان مسرح البيكاديللي الأرستقراطي. وروّاد المسرح لم ينسوا لحظة افتتاح البيكاديللي في التاسع من كانون الثاني عام 1967 بمسرح الرحابنة. فيروز هي أول من وقف في “هالة والملك” على تلك الخشبة. يا لها من محطة كانت. وكان فعل ماضٍ انتهى. حتى الاسم هوى. من جهته، يستمرّ مسرح المدينة بإرادة صاحبته نضال الأشقر. مسرح بابل موجود لكن ربّانه أسد المسرح العراقي جواد الأسدي غادره بعدما تغيّر المسرح ورواد المسرح… مسارح كثيرة طبعت بيروت لم يبقَ منها إلّا الاسم ومحاولات لاهثة للبقاء. “دوار الشمس” مسرح وُجد، احترق، توقف، مات، وعاد إلى الحياة محاولًا التأثير في الشباب وجذبهم من جديد إلى مسرحٍ يُفترض ألا يموت. مسرح “شوشو” ومسرح الرحابنة ومسرح مارون النقاش ومسرح روميو لحود… يا الله كم كان المسرح في لبنان جميلًا. وكان- من جديد- فعل ماضٍ.
اليوم، يحترق لبنان. والوجود -على أنواعه- أصبح على امتداد الوطن في خطر. وطبيعي -في مسرح الأحداث- أن يتأثّر هذا المسرح الذي قيل عنه أبو الفنون. وكيف لا، وهناك من يبني -باسم المسرح- إيديولوجيات ليست من شيم اللبنانيين الذين تربّوا على مفهوم الأصالة والفرادة والبعد الإنساني والوطني.
فلندخل في صلب الموضوع. جمعية “رسالات” التي أحدثت شغبًا -من على صخرة الروشة- وتقرّر تجميد عملها، عادت إلى مزاولة ما تفعله باسم “المسرح والسينما والثقافة” ضاربةً عرض الحائط قرار مجلس الوزراء. كسرته. حدث ذلك قبل اندلاع الحرب ولم ينتبه -مَن كان يفترض أن ينتبه- إلى عودتها. مسرح “رسالات” بنى أجيالًا بعقولٍ مغلقة. هو استبدل الفن بالبروباغندا والولاء الدّيني المطلق، عارضًا مسرحيات وأفلامًا تمجّد إيران في حروبها، إلى درجة القداسة. هكذا أصبح أبو الفنون والفنون بأسرها -في عقول من أسّسوا “رسالات” وأمثالها- في خدمة تثبيت سرديات إيرانية في وجدان الشيعة كبارًا وصغارًا. توجّه مسرح “حزب الله” إلى الأطفال مقدمًا سرديّات منمّقة فيها بنادق وبطولات إيرانية هشّة تنتهي دائمًا بمشهدية التطلّع للموت “في سبيل الله”. وذلك، وفق معادلة إيمانية كرّسها الحزب المحظور على مدى عقود تحت عنوان “نحن لا نهزم. عندما ننتصر ننتصر وعندما نستشهد ننتصر”. فهل هذا هو الهدف من المسرح؟ أطفال مسارح “الحزب” أصبحوا اليوم شبّانًا لا يؤمنون إلا بالسلاح والقتل في سبيل الله والاستشهاد ولغة النّار والقوّة المفرطة. راجعوا شخصيات مسرح “رسالات” تتعرّفون إلى أسماء لا تشبه بتاتًا أبطالنا في مسرحيات “جسر القمر” و”ميس الريم” و”موسم العزّ” و”عودة العسكر” و”بياع الخواتم”. مسرح “رسالات” -وأخواته من صنفه- بنى أجيالًا وفق معادلة إيمانية طوّعت الجيل الجديد لغاياتٍ جهاديةٍ عقائديةٍ.
اليوم، في زحمة الأحداث العسكرية وارتفاع عدّاد الموت، عاد الكلام عن المسرح، كملاذٍ إنسانيّ يحتضن النازحين. ففتح لهؤلاء المسرح الوطني اللبناني في بيروت وفي صور وفي طرابلس… كمساحات إيواء. لكن، هل تتخيّلون بماذا يتسلّى بعض مَن يفترشون الخشبة من الأطفال؟ إنّهم يؤدّون مشاهد من فيلم شاهدوه في مسرح “رسالات” باسم “مجنون” علّمهم “كيف يتصرّف القائد حين تكون المسؤولية أكبر من العمر. وكيف يأخذ القرار فورًا”. الأطفال يُمسكون ببواريد مياه ويهرولون هاتفين: الله في الساحة… الله في الساحة…
نعم، هكذا يكبر أطفال يُجنّدون منذ الصغر ليكونوا مشاريع ضحايا تحت عنوان شهداء حين يكبرون. نعم، هناك جماعة أسّست منذ بداياتها للسيطرة على مفاصل البلد، والمسرح كان أحد أدواتها. نعم، تمّ تطويع الخشبة والفنون بأسرها في خدمة مشروع أبعد بكثير من لبنان. تريدون أمثلة؟ خذوا مسرح المدينة مثلًا الذي تحول ذات يوم إلى مجلس عاشورائي. وخذوا معرض الكتاب في بيروت الذي تحوّل إلى معرض طهران للكتاب. وبدل جبران خليل جبران حلّ فيه قاسم سليماني. وبدل أن يقرأ الأطفال قصة “كليلة ودمنة” قرأوا قصة الحاج قاسم… وتسألون اليوم عن مصابنا؟
المسرح -يا عالم- أداة تربويّة، ثقافيّة، اجتماعيّة، تفاعليّة، انفتاحيّة، تعايشيّة، تفاهميّة، تسامحيّة، تعاونيّة، تربويّة… وشتّان ما بين هدف المسرح و”المسرح اللبناني الكبير”.








