ما لا يقوله النازح أمام الكاميرا

ما يقوله النازحون بعيدًا من عدسات الكاميرا، ليس نفسه ما يروّجونه أمامها. هناك، حيث الضوء والرأي العام، تُصاغ العبارات بعناية. أما في الظل، فالكلام مختلف: أبطأ، أثقل، وأكثر صدقًا. هناك فقط يُقال ما لا يُقال علنًا: “كان بلاها هالحرب”.
حديث “المقاومة” و “الصمود” و “التصدي” هو غالبًا، حديث للميديا. سردية يجب أن تُروى، أن تنتشر، أن توحّد المشهد حتى تكتمل الصورة بالرافعة الشعبية: “بيوتنا فدا المقاومة”. سردية مثالية عن بشر لا يخافون، لا يتعبون، لا يسألون. أمهات لا يبكين أبناءهن، حين يُقتلون وتتوارى أسماؤهم كأنها لم تكن، وآباء يدفعون أولادهم إلى القتال بلا تردّد، وصغارهم يريدون تحرير الدنيا كلها، لا القدس فقط، ويريدون قتال الولايات المتحدة الأميركية وإحراق تل أبيب واغتيال نتنياهو بعود كبريت أو صاروخ كاتيوشا.
هذه السردية نفسها تخفت عندما يُترك الناس لصدقهم. عندها، تتقدّم الخسارة على البطولة، والتعب على الشعارات، والأسئلة على اليقين، والوجع على التسويق للبطولات الدونكيشوتية التي لم تحقق سوى الخسائر والدمار والاحتلال.
أزمة إنسانية
ففي وقتٍ تتصاعد فيه كلفة الحرب على لبنان، تتكشف أزمة إنسانية متفاقمة داخل البيئة الحاضنة لـ “حزب الله”، الذي خاض الحرب من دون أن يُعدّ، وفق مصادر ميدانية، خطة واضحة لمواجهة تداعياتها الاجتماعية والإنسانية، لا سيما مع نزوحٍ يُقدَّر بأكثر من مليون ونصف مليون شخص من الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع.
ومع اتساع رقعة النزوح، يتبيّن أن “الحزب” يكتفي بتقديم مساعدات غذائية محدودة داخل مراكز الإيواء، فيما تُترك أزمة السكن بالكامل تقريبًا على عاتق العائلات. لا شبكة ملاجئ منظمة، ولا خطة استباقية لاستيعاب هذا الحجم من النزوح، في وقتٍ تشهد فيه المناطق الآمنة، خصوصًا في جبل لبنان والشمال، ارتفاعًا حادًا في الإيجارات، إذ تضاعفت الأسعار في كثير من الحالات، ما جعل تأمين مسكن لائق مهمة شبه مستحيلة لآلاف العائلات.
في المقابل، يتهم “حزب الله” الدولة بالتقصير، في محاولة لتخفيف الضغط عنه، رغم أن الوقائع على الأرض تُظهر أن من قرر الدخول في حرب ثانية خلال سنتين، يفتقر لبنية إغاثية كافية تواكب حجم الأزمة، وربما تخفف من ثقل مغامرته على بيئته الحاضنة. فالمساعدات الغذائية، على أهميتها، لا تعالج جوهر المشكلة المرتبط بالسكن والاستقرار اليومي للنازحين. “ما بدنا وجبات ولا فرشات، بدنا نرجع عبيوتنا ونعيش بكرامة”، تقول إحدى النازحات في مركز للإيواء في أنطلياس.
بدلات الإيواء لم تصل
مصادر مطلعة تشير إلى أن “الحزب” كان قد وعد، قبل اندلاع حرب 2026، بدفعة جديدة من بدلات الإيواء والتعويضات عن الحرب السابقة، إلا أن هذه الدفعة لم تُستكمل، ولم يحصل جميع المستحقين على أموالهم، ما زاد منسوب الاحتقان داخل بيئته، وطرح علامات استفهام حول قدرته على الاستمرار في تحمّل الأعباء المالية.
وتضيف المصادر أن “الحزب” يواجه أزمة مالية متفاقمة، بفعل الحصار المالي الذي تعرّض له في السنوات الأخيرة، وبفعل تراجع قدرته على ضخ الأموال في بيئته كما في السابق. كما تشير إلى أن إيران، الداعم الأساسي، منشغلة حاليًا بكلفة حروب مرتفعة وضغوط اقتصادية داخلية، ما ينعكس مباشرة على حجم الدعم المتاح. هذا الواقع المالي يضعف قدرة “الحزب” على الاستجابة، ويجعل بيئته الاجتماعية أكثر عرضة للضغط.
والأزمة الأكبر التي ستتكشف في المرحلة المقبلة بحسب المصادر هي تحديات العودة والإعمار، “فمن الواضح أن الدول العربية لن تمد يدها لمساعدة لبنان من دون تغيير حقيقي في السياسة وكذلك المجتمع الدولي، هذه البيوت التي دمّرت من أجل حروب الإسناد من يعيدها؟”.
برغم محاولات بعض المناصرين إظهار تماسك داخلي والتأكيد أن “الوضع تحت السيطرة”، إلا أن مصادر متابعة تتحدث عن واقع مختلف، حيث تتزايد الشكاوى بصمت بين العائلات النازحة، التي تجد نفسها أمام أعباء معيشية وسكنية لا قدرة لها على تحمّلها، من دون شبكة دعم كافية.
وبحسب محمد شمس الدين الباحث في “الدولية للمعلومات”، فإن الخسائر الأولية للحرب تُقدَّر بنحو 1.6 مليار دولار، تتوزع بين 840 مليون دولار خسائر غير مباشرة نتيجة تراجع الاقتصاد بنسبة 30 في المئة، علمًا أن حجم الاقتصاد اليومي يُقدّر بنحو 100 مليون دولار، أي خسارة تقارب 30 مليون دولار يوميًا. كما سُجّلت كما يروي شمس الدين لـ “نداء الوطن” أضرار في البنى التحتية من طرق وجسور وشبكات كهرباء ومياه واتصالات ومدارس بقيمة تصل إلى 100 مليون دولار، إضافة إلى دمار نحو 5500 وحدة سكنية وتجارية بنحو 550 مليون دولار، وأضرار أخرى في المساكن والمؤسسات التجارية تُقدّر بـ 100 مليون دولار.
في المحصلة، تبدو الفجوة بين حجم الكارثة والقدرة على الاستجابة آخذة في الاتساع، فالمساعدات الغذائية ليست كل شيء… قال أحد النازحين في مركز للإيواء في البترون، “اللي بيقلك كان بدو حرب كذاب… ضيعتي احتلتها إسرائيل، مين بيرجعلي ضيعتي ومين بيعمرلي بيتي؟”.
ما لا يقوله النازح أمام الكاميرا

ما يقوله النازحون بعيدًا من عدسات الكاميرا، ليس نفسه ما يروّجونه أمامها. هناك، حيث الضوء والرأي العام، تُصاغ العبارات بعناية. أما في الظل، فالكلام مختلف: أبطأ، أثقل، وأكثر صدقًا. هناك فقط يُقال ما لا يُقال علنًا: “كان بلاها هالحرب”.
حديث “المقاومة” و “الصمود” و “التصدي” هو غالبًا، حديث للميديا. سردية يجب أن تُروى، أن تنتشر، أن توحّد المشهد حتى تكتمل الصورة بالرافعة الشعبية: “بيوتنا فدا المقاومة”. سردية مثالية عن بشر لا يخافون، لا يتعبون، لا يسألون. أمهات لا يبكين أبناءهن، حين يُقتلون وتتوارى أسماؤهم كأنها لم تكن، وآباء يدفعون أولادهم إلى القتال بلا تردّد، وصغارهم يريدون تحرير الدنيا كلها، لا القدس فقط، ويريدون قتال الولايات المتحدة الأميركية وإحراق تل أبيب واغتيال نتنياهو بعود كبريت أو صاروخ كاتيوشا.
هذه السردية نفسها تخفت عندما يُترك الناس لصدقهم. عندها، تتقدّم الخسارة على البطولة، والتعب على الشعارات، والأسئلة على اليقين، والوجع على التسويق للبطولات الدونكيشوتية التي لم تحقق سوى الخسائر والدمار والاحتلال.
أزمة إنسانية
ففي وقتٍ تتصاعد فيه كلفة الحرب على لبنان، تتكشف أزمة إنسانية متفاقمة داخل البيئة الحاضنة لـ “حزب الله”، الذي خاض الحرب من دون أن يُعدّ، وفق مصادر ميدانية، خطة واضحة لمواجهة تداعياتها الاجتماعية والإنسانية، لا سيما مع نزوحٍ يُقدَّر بأكثر من مليون ونصف مليون شخص من الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع.
ومع اتساع رقعة النزوح، يتبيّن أن “الحزب” يكتفي بتقديم مساعدات غذائية محدودة داخل مراكز الإيواء، فيما تُترك أزمة السكن بالكامل تقريبًا على عاتق العائلات. لا شبكة ملاجئ منظمة، ولا خطة استباقية لاستيعاب هذا الحجم من النزوح، في وقتٍ تشهد فيه المناطق الآمنة، خصوصًا في جبل لبنان والشمال، ارتفاعًا حادًا في الإيجارات، إذ تضاعفت الأسعار في كثير من الحالات، ما جعل تأمين مسكن لائق مهمة شبه مستحيلة لآلاف العائلات.
في المقابل، يتهم “حزب الله” الدولة بالتقصير، في محاولة لتخفيف الضغط عنه، رغم أن الوقائع على الأرض تُظهر أن من قرر الدخول في حرب ثانية خلال سنتين، يفتقر لبنية إغاثية كافية تواكب حجم الأزمة، وربما تخفف من ثقل مغامرته على بيئته الحاضنة. فالمساعدات الغذائية، على أهميتها، لا تعالج جوهر المشكلة المرتبط بالسكن والاستقرار اليومي للنازحين. “ما بدنا وجبات ولا فرشات، بدنا نرجع عبيوتنا ونعيش بكرامة”، تقول إحدى النازحات في مركز للإيواء في أنطلياس.
بدلات الإيواء لم تصل
مصادر مطلعة تشير إلى أن “الحزب” كان قد وعد، قبل اندلاع حرب 2026، بدفعة جديدة من بدلات الإيواء والتعويضات عن الحرب السابقة، إلا أن هذه الدفعة لم تُستكمل، ولم يحصل جميع المستحقين على أموالهم، ما زاد منسوب الاحتقان داخل بيئته، وطرح علامات استفهام حول قدرته على الاستمرار في تحمّل الأعباء المالية.
وتضيف المصادر أن “الحزب” يواجه أزمة مالية متفاقمة، بفعل الحصار المالي الذي تعرّض له في السنوات الأخيرة، وبفعل تراجع قدرته على ضخ الأموال في بيئته كما في السابق. كما تشير إلى أن إيران، الداعم الأساسي، منشغلة حاليًا بكلفة حروب مرتفعة وضغوط اقتصادية داخلية، ما ينعكس مباشرة على حجم الدعم المتاح. هذا الواقع المالي يضعف قدرة “الحزب” على الاستجابة، ويجعل بيئته الاجتماعية أكثر عرضة للضغط.
والأزمة الأكبر التي ستتكشف في المرحلة المقبلة بحسب المصادر هي تحديات العودة والإعمار، “فمن الواضح أن الدول العربية لن تمد يدها لمساعدة لبنان من دون تغيير حقيقي في السياسة وكذلك المجتمع الدولي، هذه البيوت التي دمّرت من أجل حروب الإسناد من يعيدها؟”.
برغم محاولات بعض المناصرين إظهار تماسك داخلي والتأكيد أن “الوضع تحت السيطرة”، إلا أن مصادر متابعة تتحدث عن واقع مختلف، حيث تتزايد الشكاوى بصمت بين العائلات النازحة، التي تجد نفسها أمام أعباء معيشية وسكنية لا قدرة لها على تحمّلها، من دون شبكة دعم كافية.
وبحسب محمد شمس الدين الباحث في “الدولية للمعلومات”، فإن الخسائر الأولية للحرب تُقدَّر بنحو 1.6 مليار دولار، تتوزع بين 840 مليون دولار خسائر غير مباشرة نتيجة تراجع الاقتصاد بنسبة 30 في المئة، علمًا أن حجم الاقتصاد اليومي يُقدّر بنحو 100 مليون دولار، أي خسارة تقارب 30 مليون دولار يوميًا. كما سُجّلت كما يروي شمس الدين لـ “نداء الوطن” أضرار في البنى التحتية من طرق وجسور وشبكات كهرباء ومياه واتصالات ومدارس بقيمة تصل إلى 100 مليون دولار، إضافة إلى دمار نحو 5500 وحدة سكنية وتجارية بنحو 550 مليون دولار، وأضرار أخرى في المساكن والمؤسسات التجارية تُقدّر بـ 100 مليون دولار.
في المحصلة، تبدو الفجوة بين حجم الكارثة والقدرة على الاستجابة آخذة في الاتساع، فالمساعدات الغذائية ليست كل شيء… قال أحد النازحين في مركز للإيواء في البترون، “اللي بيقلك كان بدو حرب كذاب… ضيعتي احتلتها إسرائيل، مين بيرجعلي ضيعتي ومين بيعمرلي بيتي؟”.







