مليارات منسيّة: كيف عادت ممتلكات يهود لبنان وسوريا إلى قلب الدبلوماسية؟

الممتلكات المتروكة التي خلّفتها المجتمعات اليهودية التي اندثرت في لبنان وسوريا والتي تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات تدخل بهدوء في حسابات الدبلوماسية الإقليمية. ويتضمن المقال مقابلة حصرية مع Peter Geffen، وهو مربٍ وقائد مجتمعي يهودي.
في الأسبوع ذاته الذي أعلن فيه الرئيس اللبناني جوزاف عون أن بلاده “لا خيار أمامها” سوى التفاوض مع إسرائيل، بدأ سؤال موازٍ، وإن كان غير معلن إلى حد كبير، يطفو في أروقة الدبلوماسية من واشنطن إلى دمشق: ماذا سيحلّ بالمليارات المقدّرة من الدولارات من الممتلكات والأصول التي تركتها الجماعات اليهودية في لبنان وسوريا على مدى سبعة عقود من النزوح والمصادرة والحروب؟
لم يعد هذا السؤال تاريخيًا بحتًا. فقد عملت إسرائيل بهدوء على تجميع مطالبات تعويض ضد دول عربية، يُقال إنها تتجاوز 250 مليار دولار عبر سبع دول، وفق تقرير بثته قناة “حدشوت” الإسرائيلية في كانون الثاني 2019 نقلاً عن مصادر حكومية. وقدّرت دراسة أكاديمية عام 2024 قيمة الممتلكات والأصول التي جُمّدت أو صودرت من يهود سوريا وحدهم منذ عام 1947 بنحو 10.7 مليارات دولار بالقيم الحالية. وفي كانون الأول 2025، منحت الحكومة الانتقالية السورية ترخيصًا لمؤسسة تُعنى بالتراث اليهودي لبدء توثيق واستعادة الممتلكات المصادرة، في أول خطوة رسمية من نوعها في تاريخ البلاد الحديث. أما في لبنان، حيث لا يوجد مسار مماثل، فلا تزال القضية غير مطروحة رسميًا، رغم أن المفاوضات مع إسرائيل تبدو أكثر حتمية من أي وقت مضى.
بالنسبة للمتابعين لمسار الدبلوماسية في المنطقة، يبدو هذا التقاطع لافتًا: فكلّ من لبنان وسوريا يمرّان بمرحلة انتقالية ما بعد الحرب أو ما بعد النظام تحت ضغط أميركي كبير، وكلاهما يواجه احتمال الانخراط المباشر مع إسرائيل، وكلاهما يحتفظ بسجل غير محسوم من مطالبات الممتلكات اليهودية التي لم تُحتسب رسميًا، فضلاً عن أنها لم تُسوَّ بعد.
ثلاثة آلاف عام، ثم اختفاء
لفهم حجم ما فُقد، وما قد يُطرح الآن للتفاوض، لا بد من البدء ليس من سياسات عام 1948، بل من عمق ما كان قائمًا قبلها. فعلى مدى ما يقارب ثلاثة آلاف عام، شكّلت الجماعات اليهودية جزءًا من النسيج الاجتماعي لما يُعرف اليوم بلبنان وسوريا. كانوا تجارًا وعلماء وأطباء وإداريين حكوميين وحرفيين، بنوا المعابد والمدارس والمؤسسات المجتمعية، وتحدّثوا العربية والآرامية واللادينو والفرنسية إلى جانب جيرانهم.
تشير السجلات التاريخية إلى وجود جماعات يهودية في منطقة سوريا الحالية منذ القرن العاشر قبل الميلاد على الأقل. وقد وُثقت بنى مجتمعية يهودية (من معابد ومحاكم ومدارس) في حلب ودمشق منذ القرن الرابع الميلادي. وفي لبنان، تشكّلت جماعات يهودية على طول المدن الفينيقية الساحلية مثل صور وصيدا وجبيل، ولاحقاً في قرى جبل الشوف وحي وادي أبو جميل في بيروت. وخلال فترة الانتداب الفرنسي (1920-1943)، أصبح لبنان الدولة العربية الوحيدة التي اعترفت رسميًا باليهود كطائفة دينية محمية في دستورها الوطني (تحت مسمّى “الإسرائيليين”)، وهو وضع قانوني لم تحظَ به أي جماعة يهودية أخرى في دولة ذات غالبية عربية آنذاك.
في ذروتها عام 1948، بلغ عدد اليهود في بيروت نحو 20 ألفًا، وشملوا مصرفيين ومحامين وضباطًا في الجيش وصحافيين. وأصدرت الطائفة صحيفتين (إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية)، وأدارت سبعة عشر معبدًا عاملًا في المدينة. وفي سوريا، بلغ عدد اليهود في حلب ودمشق نحو 25 ألفًا، وكان يهود حلب معروفين كتجار على طريق الحرير وكحرّاس لأحد أكثر مراكز دراسة التلمود صرامة خارج “أرض إسرائيل”. وكانت ممتلكاتهم الجماعية والتجارية، المتراكمة عبر أجيال، كبيرة.
بحلول أوائل القرن الحادي والعشرين، كانت تلك الجماعات قد اختفت تقريبًا؛ إذ تراجع عددها من ذروة تقارب 45 ألفًا إلى أقل من 40 فردًا. لكن ممتلكاتهم لم تختفِ معهم، بل تم استيعابها أو مصادرتها أو إعادة تخصيصها أو تُركت لتتدهور. وما زالت، من الناحية القانونية، بلا مطالبين.
كيف حدث النزوح
لم يكن نزوح الجماعات اليهودية من لبنان وسوريا حدثًا واحدًا أو نتيجة سبب واحد، بل نتاج ما لا يقل عن ستة عقود من تراكم عوامل سياسية: تداعيات تصويت الأمم المتحدة عام 1947 على تقسيم فلسطين والحرب العربية – الإسرائيلية التي تلته؛ القيود التي فرضتها الدول ومصادرة الأصول؛ أعمال عنف استهدفت قادة المجتمع؛ الحرب الأهلية اللبنانية؛ والأثر التراكمي لصراعات إقليمية جعلت وجود الأقليات غير قابل للاستمرار سياسيًا. وفي الوقت نفسه، اعتمدت الحركة الصهيونية وصنّاع القرار في إسرائيل استراتيجية تشجيع هجرة اليهود إلى إسرائيل لتعزيز تقديمها كملاذ آمن، وبالتالي ترسيخ وجودها في المنطقة.
في سوريا، جاء التحوّل سريعًا. فبعد تصويت الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947 على تقسيم فلسطين، اندلعت أعمال شغب واسعة في حلب دمّرت أو ألحقت أضرارًا بأكثر من 200 مبنى، بينها الكنيس الكبير حيث كانت تُحفظ “مخطوطة حلب”، أدق نسخة باقية من الكتاب المقدس العبري، لمدّة خمسة قرون. فرّ الآلاف. وتبعت ذلك إجراءات منهجية: إصدار بطاقات هوية لليهود مميّزة بديانتهم، منعهم من السفر دون إذن أمني، حرمانهم من جوازات السفر، حظر بيع ممتلكاتهم أو تحويل أصولهم إلى الخارج، واستبعادهم من الجامعات الحكومية. واستمر هذا “الاحتجاز الفعلي” حتى عام 1992، حين سمحت سوريا بالهجرة تحت ضغط أميركي خلال عملية مدريد للسلام، بشرط ألّا يتوجّه المغادرون مباشرةً إلى إسرائيل.
أما في لبنان، فكان المسار مختلفًا لكنه مدمّر بالقدر نفسه. تراجعت الطائفة لا بفعل سياسات الدولة، بل نتيجة مزيج من عدم الاستقرار الإقليمي والعنف الموجّه والحرب الأهلية. بين عامي 1971 و1985، استهدفت سلسلة من عمليات الخطف شخصيات بارزة من المجتمع؛ إذ اختُطف الأمين العام للطائفة اليهودية في لبنان عام 1971 على يد عناصر من الاستخبارات السورية. وألحقت الحرب الأهلية اللبنانية دمارًا واسعًا بحي وادي أبو جميل. وبحلول عام 2020، قدّر المؤتمر اليهودي العالمي عدد اليهود المتبقين في لبنان بـ 29 شخصًا فقط. أما كنيس “ماغن أبراهام”، الذي أُعيد ترميمه وافتتاحه عام 2014 بتمويل من الشتات، فلا يضم اليوم جماعة مصلّين منتظمة.
الهوية والذاكرة وسياسة العودة
مع بقاء الآثار المادية لهذه الجماعات، يبرز سؤال موازٍ أقل وضوحًا لكنه لا يقل أهمية: كيف تستمر الهوية والذاكرة والاستمرارية الثقافية بعد زوال الوجود المادي؟
في مقابلة خاصة مع “نداء الوطن “، يرى بيتر غيفن، وهو مربّ وقائد مجتمعي يهودي، أن الهوية اليهودية ليست ثابتة أو أحادية، بل متعددة الطبقات وقابلة للتكيّف بطبيعتها. ويقول: “الهوية اليهودية معقّدة. هناك يهود في جميع أنحاء العالم، عبر كل الأعراق والإثنيات. لذلك فهي مزيج من الخصوصي المحلي والعالمي. وكل العادات اليهودية المشتركة عالمًا تُعاش محليًا وبشكل خاص”.
هذا الازدواج، استمرارية عالمية يعبَّر عنها من خلال ممارسة محلية، يساعد على تفسير كيف حافظت الجماعات التي نزحت من الشرق الأوسط على تماسكها عبر الأجيال. وبحسب غيفن، لا تُحفظ الهوية عبر الأرض فقط، بل من خلال التعبير الثقافي المعيش. “يمكنك الحفاظ على الهوية فقط من خلال الثقافة، والدين جزء منها. إن ممارستك للأعياد واستخدامك للغة وجوانب الطقوس كلها عناصر تحافظ من خلالها أي جماعة على هويتها”.
تستمر هذه الاستمرارية حتى مع اختفاء الجماعات فعليًا من المنطقة. ويرى غيفن أن شبه محو الحياة اليهودية في العالم العربي لا يمكن فهمه دون الإقرار بكل من الاندماج التاريخي والانقطاع السياسي. ويقول: “عاش اليهود في العالم العربي لآلاف السنين وكانوا مندمجين بعمق في الحياة اليومية. لقد عطّل قيام دولة إسرائيل نمطًا معينًا من الحياة في الشرق الأوسط، وبالنسبة لكثير من العرب، يرتبط تأسيسها ارتباطًا وثيقًا بالاستعمار”.
ويشير إلى مسار تاريخي بديل لم يتحقق. فقد دعا “حزب إيهود” (الوحدة)، الذي أسّسه يهوذا ماغنس وهنرييتا زولد في أوائل الأربعينات، إلى إقامة دولة ثنائية القومية وحقوق متساوية لليهود والعرب. “لو تم اعتماد هذا النهج، لما شهدنا على الأرجح نزوحًا جماعيًا”.
ولا يزال إرث هذا الانقطاع يشكّل التصورات لدى الجانبين. ويلاحظ غيفن عدم تماثل لافت في كيفية تعاطي الجماعات اليهودية مع صدمات تاريخية مختلفة. “اليهود الغربيون على دراية بالمحرقة وبسجل العلاقات المسيحية مع اليهود، ومع ذلك فهم يشعرون بحدة أكبر وينتقدون العالم الإسلامي والمجتمع المسلم بشكل أشد. عمومًا، العداء في المجتمع اليهودي تجاه العالم العربي أقوى مما هو تجاه ألمانيا، وهذا أمر غير منصف”.
ومع ذلك، ورغم هذا التوتر، تلوح بوادر، وإن كانت خجولة، لإعادة التواصل في المستقبل. “إذا نظرنا إلى الأمام، قد تسعى أجيال شابة منحدرة من هذه الجماعات إلى إعادة الاتصال بجذورها”.
تراث بلا مجتمع
في بعض أنحاء العالم العربي، يجري بالفعل إعادة تأطير هذا الاتصال، ليس من خلال عودة السكان، بل عبر الحفاظ على التراث.
يشير غيفن إلى المغرب كنموذج تُعامل فيه التاريخ اليهودي كجزء من تاريخ الدولة ويُدرّس بطريقة إيجابية، ما يفتح آفاقًا إنسانية ويثري الثقافة للجميع. وهو مثال على ما يمكن أن ينمو من الاختلاف.
في مصر، على سبيل المثال، تتزايد الجهود لترميم المعابد اليهودية كمواقع تراث ثقافي. وتشمل المشاريع الكبرى تجديد كنيس “بن عزرا” في القاهرة من القرن الحادي عشر عام 2023، وترميم كنيس “إلياهو هانافي” في الإسكندرية من القرن الرابع عشر عام 2020.
ويشرح غيفن: “الكنيس فضاء حي، لكن من دون جماعة يتحول إلى موقع تعليمي. نحن نزور أثينا لرؤية البارثينون رغم أن الجماعة التي بنته اختفت منذ زمن، كما نزور المتاحف لمعاينة ما لم يعد موجودًا”.
ومع مرور الوقت، قد تتيح تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي إعادة إنشاء مشاهد تاريخية، ما يسمح للزوار بالدخول إلى كنيس وتجربة طقوس كما كانت في الماضي.
ملف الممتلكات يدخل الساحة الدبلوماسية
على مدى عقود، اعتُبرت الممتلكات اليهودية في لبنان وسوريا هامشًا تاريخيًا؛ موجودة لكنها غير قابلة للتحريك سياسيًا. إلّا أن ذلك يتغير الآن، مدفوعًا بانهيار نظام الأسد، وتزايد الضغوط على لبنان لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتجدد الدفع الإسرائيلي لحصر وتقدير المطالبة بتعويضات عن الأصول اليهودية في العالم العربي.
لطالما جمعت إسرائيل هذه المطالبات، مع قانون صدر عام 2010 يفرض إدراج التعويضات في أي اتفاق سلام. وقدّر تقرير لقناة “حدشوت” عام 2019 إجمالي المطالبات بأكثر من 250 مليار دولار، تشمل عدة دول عربية. ورغم أن لبنان لم يُدرج بشكل منفصل، فإن منظمة “العدالة لليهود من الدول العربية” (JJAC) تضمّه ضمن عشر دول يُقدّر أن نحو 856 ألف يهودي فرّوا منها أو طُردوا بعد عام 1948.
في سوريا، فتح الانتقال ما بعد الأسد أول مسار ملموس. ففي كانون الأول 2025، منحت الحكومة ترخيصًا لـ “مؤسسة التراث اليهودي في سوريا”، بقيادة هنري حمرا، لتوثيق الممتلكات المصادرة، والسعي لاستعادتها، وترميم المعابد مثل كنيس جوبر العريق في دمشق. واعتبرت الوزيرة هند قبوات هذه الخطوة إشارة إلى عدم التمييز، بالتزامن مع تقارير عن زيارات وفود يهودية إلى مواقع كانت مغلقة منذ زمن في حلب.
ولا تزال عقبات كبيرة قائمة: سجلات غير مكتملة، عقود من نقل الملكية والتدمير، وإرادة سياسية غير مؤكدة. وفي لبنان، لا يوجد أي مسار، إذ تطغى على القضية ملفات سلاح “حزب الله”، والنزاعات الحدودية، وشروط أي اتفاق مستقبلي مع إسرائيل.
ومع ذلك، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا. فقد حذر معهد “تشاتام هاوس” أواخر عام 2025 من أن لبنان سيجد صعوبة في مقاومة الضغوط للانخراط، وهو ما يتقاطع مع ما قالته المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس. ومن المرجّح أن يتضمن أي إطار للتطبيع ملف الممتلكات اليهودية، من الأصول الجماعية في حي وادي أبو جميل في بيروت إلى المعابد السابقة والعقارات الخاصة التي لا تزال مرتبطة بمالكيها الأصليين أو ورثتهم.
أما الشتات، فليس سلبيًا. فالجاليات اليهودية السورية، ولا سيما في بروكلين حيث يبلغ عددها نحو 75 ألفًا، إلى جانب الجاليات اليهودية اللبنانية في باريس ونيويورك ومونتريال وساو باولو، تحتفظ بوثائق وشبكات، وفي بعض الحالات بروابط قائمة مع أحيائها السابقة. ومنذ عام 2025، انخرط قادة دينيون ومجتمعيون، من بينهم الحاخام الأكبر بنيامين حمرا والحاخام يوسف حمرا، مع مسؤولين أميركيين وسوريين، داعين إلى تخفيف العقوبات واستعادة التراث، في حين أبدت القيادة السورية الجديدة انفتاحًا عبر لقاءات مباشرة ومبادرات تواصل.
يبقى ما إذا كان هذا الزخم سيُترجم إلى استرداد للممتلكات أو تعويضات واسعة النطاق أمرًا غير محسوم. لكن المؤكد أن القضية، التي طال كبتها، دخلت الساحة الدبلوماسية. ومع إعادة لبنان وسوريا وإسرائيل تعريف مواقفها، لم تعد المليارات من الممتلكات التي تركتها الجماعات اليهودية المختفية مجرد بقايا تاريخية، بل أصبحت جزءًا من مفاوضات المنطقة الجارية.
مليارات منسيّة: كيف عادت ممتلكات يهود لبنان وسوريا إلى قلب الدبلوماسية؟

الممتلكات المتروكة التي خلّفتها المجتمعات اليهودية التي اندثرت في لبنان وسوريا والتي تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات تدخل بهدوء في حسابات الدبلوماسية الإقليمية. ويتضمن المقال مقابلة حصرية مع Peter Geffen، وهو مربٍ وقائد مجتمعي يهودي.
في الأسبوع ذاته الذي أعلن فيه الرئيس اللبناني جوزاف عون أن بلاده “لا خيار أمامها” سوى التفاوض مع إسرائيل، بدأ سؤال موازٍ، وإن كان غير معلن إلى حد كبير، يطفو في أروقة الدبلوماسية من واشنطن إلى دمشق: ماذا سيحلّ بالمليارات المقدّرة من الدولارات من الممتلكات والأصول التي تركتها الجماعات اليهودية في لبنان وسوريا على مدى سبعة عقود من النزوح والمصادرة والحروب؟
لم يعد هذا السؤال تاريخيًا بحتًا. فقد عملت إسرائيل بهدوء على تجميع مطالبات تعويض ضد دول عربية، يُقال إنها تتجاوز 250 مليار دولار عبر سبع دول، وفق تقرير بثته قناة “حدشوت” الإسرائيلية في كانون الثاني 2019 نقلاً عن مصادر حكومية. وقدّرت دراسة أكاديمية عام 2024 قيمة الممتلكات والأصول التي جُمّدت أو صودرت من يهود سوريا وحدهم منذ عام 1947 بنحو 10.7 مليارات دولار بالقيم الحالية. وفي كانون الأول 2025، منحت الحكومة الانتقالية السورية ترخيصًا لمؤسسة تُعنى بالتراث اليهودي لبدء توثيق واستعادة الممتلكات المصادرة، في أول خطوة رسمية من نوعها في تاريخ البلاد الحديث. أما في لبنان، حيث لا يوجد مسار مماثل، فلا تزال القضية غير مطروحة رسميًا، رغم أن المفاوضات مع إسرائيل تبدو أكثر حتمية من أي وقت مضى.
بالنسبة للمتابعين لمسار الدبلوماسية في المنطقة، يبدو هذا التقاطع لافتًا: فكلّ من لبنان وسوريا يمرّان بمرحلة انتقالية ما بعد الحرب أو ما بعد النظام تحت ضغط أميركي كبير، وكلاهما يواجه احتمال الانخراط المباشر مع إسرائيل، وكلاهما يحتفظ بسجل غير محسوم من مطالبات الممتلكات اليهودية التي لم تُحتسب رسميًا، فضلاً عن أنها لم تُسوَّ بعد.
ثلاثة آلاف عام، ثم اختفاء
لفهم حجم ما فُقد، وما قد يُطرح الآن للتفاوض، لا بد من البدء ليس من سياسات عام 1948، بل من عمق ما كان قائمًا قبلها. فعلى مدى ما يقارب ثلاثة آلاف عام، شكّلت الجماعات اليهودية جزءًا من النسيج الاجتماعي لما يُعرف اليوم بلبنان وسوريا. كانوا تجارًا وعلماء وأطباء وإداريين حكوميين وحرفيين، بنوا المعابد والمدارس والمؤسسات المجتمعية، وتحدّثوا العربية والآرامية واللادينو والفرنسية إلى جانب جيرانهم.
تشير السجلات التاريخية إلى وجود جماعات يهودية في منطقة سوريا الحالية منذ القرن العاشر قبل الميلاد على الأقل. وقد وُثقت بنى مجتمعية يهودية (من معابد ومحاكم ومدارس) في حلب ودمشق منذ القرن الرابع الميلادي. وفي لبنان، تشكّلت جماعات يهودية على طول المدن الفينيقية الساحلية مثل صور وصيدا وجبيل، ولاحقاً في قرى جبل الشوف وحي وادي أبو جميل في بيروت. وخلال فترة الانتداب الفرنسي (1920-1943)، أصبح لبنان الدولة العربية الوحيدة التي اعترفت رسميًا باليهود كطائفة دينية محمية في دستورها الوطني (تحت مسمّى “الإسرائيليين”)، وهو وضع قانوني لم تحظَ به أي جماعة يهودية أخرى في دولة ذات غالبية عربية آنذاك.
في ذروتها عام 1948، بلغ عدد اليهود في بيروت نحو 20 ألفًا، وشملوا مصرفيين ومحامين وضباطًا في الجيش وصحافيين. وأصدرت الطائفة صحيفتين (إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية)، وأدارت سبعة عشر معبدًا عاملًا في المدينة. وفي سوريا، بلغ عدد اليهود في حلب ودمشق نحو 25 ألفًا، وكان يهود حلب معروفين كتجار على طريق الحرير وكحرّاس لأحد أكثر مراكز دراسة التلمود صرامة خارج “أرض إسرائيل”. وكانت ممتلكاتهم الجماعية والتجارية، المتراكمة عبر أجيال، كبيرة.
بحلول أوائل القرن الحادي والعشرين، كانت تلك الجماعات قد اختفت تقريبًا؛ إذ تراجع عددها من ذروة تقارب 45 ألفًا إلى أقل من 40 فردًا. لكن ممتلكاتهم لم تختفِ معهم، بل تم استيعابها أو مصادرتها أو إعادة تخصيصها أو تُركت لتتدهور. وما زالت، من الناحية القانونية، بلا مطالبين.
كيف حدث النزوح
لم يكن نزوح الجماعات اليهودية من لبنان وسوريا حدثًا واحدًا أو نتيجة سبب واحد، بل نتاج ما لا يقل عن ستة عقود من تراكم عوامل سياسية: تداعيات تصويت الأمم المتحدة عام 1947 على تقسيم فلسطين والحرب العربية – الإسرائيلية التي تلته؛ القيود التي فرضتها الدول ومصادرة الأصول؛ أعمال عنف استهدفت قادة المجتمع؛ الحرب الأهلية اللبنانية؛ والأثر التراكمي لصراعات إقليمية جعلت وجود الأقليات غير قابل للاستمرار سياسيًا. وفي الوقت نفسه، اعتمدت الحركة الصهيونية وصنّاع القرار في إسرائيل استراتيجية تشجيع هجرة اليهود إلى إسرائيل لتعزيز تقديمها كملاذ آمن، وبالتالي ترسيخ وجودها في المنطقة.
في سوريا، جاء التحوّل سريعًا. فبعد تصويت الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947 على تقسيم فلسطين، اندلعت أعمال شغب واسعة في حلب دمّرت أو ألحقت أضرارًا بأكثر من 200 مبنى، بينها الكنيس الكبير حيث كانت تُحفظ “مخطوطة حلب”، أدق نسخة باقية من الكتاب المقدس العبري، لمدّة خمسة قرون. فرّ الآلاف. وتبعت ذلك إجراءات منهجية: إصدار بطاقات هوية لليهود مميّزة بديانتهم، منعهم من السفر دون إذن أمني، حرمانهم من جوازات السفر، حظر بيع ممتلكاتهم أو تحويل أصولهم إلى الخارج، واستبعادهم من الجامعات الحكومية. واستمر هذا “الاحتجاز الفعلي” حتى عام 1992، حين سمحت سوريا بالهجرة تحت ضغط أميركي خلال عملية مدريد للسلام، بشرط ألّا يتوجّه المغادرون مباشرةً إلى إسرائيل.
أما في لبنان، فكان المسار مختلفًا لكنه مدمّر بالقدر نفسه. تراجعت الطائفة لا بفعل سياسات الدولة، بل نتيجة مزيج من عدم الاستقرار الإقليمي والعنف الموجّه والحرب الأهلية. بين عامي 1971 و1985، استهدفت سلسلة من عمليات الخطف شخصيات بارزة من المجتمع؛ إذ اختُطف الأمين العام للطائفة اليهودية في لبنان عام 1971 على يد عناصر من الاستخبارات السورية. وألحقت الحرب الأهلية اللبنانية دمارًا واسعًا بحي وادي أبو جميل. وبحلول عام 2020، قدّر المؤتمر اليهودي العالمي عدد اليهود المتبقين في لبنان بـ 29 شخصًا فقط. أما كنيس “ماغن أبراهام”، الذي أُعيد ترميمه وافتتاحه عام 2014 بتمويل من الشتات، فلا يضم اليوم جماعة مصلّين منتظمة.
الهوية والذاكرة وسياسة العودة
مع بقاء الآثار المادية لهذه الجماعات، يبرز سؤال موازٍ أقل وضوحًا لكنه لا يقل أهمية: كيف تستمر الهوية والذاكرة والاستمرارية الثقافية بعد زوال الوجود المادي؟
في مقابلة خاصة مع “نداء الوطن “، يرى بيتر غيفن، وهو مربّ وقائد مجتمعي يهودي، أن الهوية اليهودية ليست ثابتة أو أحادية، بل متعددة الطبقات وقابلة للتكيّف بطبيعتها. ويقول: “الهوية اليهودية معقّدة. هناك يهود في جميع أنحاء العالم، عبر كل الأعراق والإثنيات. لذلك فهي مزيج من الخصوصي المحلي والعالمي. وكل العادات اليهودية المشتركة عالمًا تُعاش محليًا وبشكل خاص”.
هذا الازدواج، استمرارية عالمية يعبَّر عنها من خلال ممارسة محلية، يساعد على تفسير كيف حافظت الجماعات التي نزحت من الشرق الأوسط على تماسكها عبر الأجيال. وبحسب غيفن، لا تُحفظ الهوية عبر الأرض فقط، بل من خلال التعبير الثقافي المعيش. “يمكنك الحفاظ على الهوية فقط من خلال الثقافة، والدين جزء منها. إن ممارستك للأعياد واستخدامك للغة وجوانب الطقوس كلها عناصر تحافظ من خلالها أي جماعة على هويتها”.
تستمر هذه الاستمرارية حتى مع اختفاء الجماعات فعليًا من المنطقة. ويرى غيفن أن شبه محو الحياة اليهودية في العالم العربي لا يمكن فهمه دون الإقرار بكل من الاندماج التاريخي والانقطاع السياسي. ويقول: “عاش اليهود في العالم العربي لآلاف السنين وكانوا مندمجين بعمق في الحياة اليومية. لقد عطّل قيام دولة إسرائيل نمطًا معينًا من الحياة في الشرق الأوسط، وبالنسبة لكثير من العرب، يرتبط تأسيسها ارتباطًا وثيقًا بالاستعمار”.
ويشير إلى مسار تاريخي بديل لم يتحقق. فقد دعا “حزب إيهود” (الوحدة)، الذي أسّسه يهوذا ماغنس وهنرييتا زولد في أوائل الأربعينات، إلى إقامة دولة ثنائية القومية وحقوق متساوية لليهود والعرب. “لو تم اعتماد هذا النهج، لما شهدنا على الأرجح نزوحًا جماعيًا”.
ولا يزال إرث هذا الانقطاع يشكّل التصورات لدى الجانبين. ويلاحظ غيفن عدم تماثل لافت في كيفية تعاطي الجماعات اليهودية مع صدمات تاريخية مختلفة. “اليهود الغربيون على دراية بالمحرقة وبسجل العلاقات المسيحية مع اليهود، ومع ذلك فهم يشعرون بحدة أكبر وينتقدون العالم الإسلامي والمجتمع المسلم بشكل أشد. عمومًا، العداء في المجتمع اليهودي تجاه العالم العربي أقوى مما هو تجاه ألمانيا، وهذا أمر غير منصف”.
ومع ذلك، ورغم هذا التوتر، تلوح بوادر، وإن كانت خجولة، لإعادة التواصل في المستقبل. “إذا نظرنا إلى الأمام، قد تسعى أجيال شابة منحدرة من هذه الجماعات إلى إعادة الاتصال بجذورها”.
تراث بلا مجتمع
في بعض أنحاء العالم العربي، يجري بالفعل إعادة تأطير هذا الاتصال، ليس من خلال عودة السكان، بل عبر الحفاظ على التراث.
يشير غيفن إلى المغرب كنموذج تُعامل فيه التاريخ اليهودي كجزء من تاريخ الدولة ويُدرّس بطريقة إيجابية، ما يفتح آفاقًا إنسانية ويثري الثقافة للجميع. وهو مثال على ما يمكن أن ينمو من الاختلاف.
في مصر، على سبيل المثال، تتزايد الجهود لترميم المعابد اليهودية كمواقع تراث ثقافي. وتشمل المشاريع الكبرى تجديد كنيس “بن عزرا” في القاهرة من القرن الحادي عشر عام 2023، وترميم كنيس “إلياهو هانافي” في الإسكندرية من القرن الرابع عشر عام 2020.
ويشرح غيفن: “الكنيس فضاء حي، لكن من دون جماعة يتحول إلى موقع تعليمي. نحن نزور أثينا لرؤية البارثينون رغم أن الجماعة التي بنته اختفت منذ زمن، كما نزور المتاحف لمعاينة ما لم يعد موجودًا”.
ومع مرور الوقت، قد تتيح تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي إعادة إنشاء مشاهد تاريخية، ما يسمح للزوار بالدخول إلى كنيس وتجربة طقوس كما كانت في الماضي.
ملف الممتلكات يدخل الساحة الدبلوماسية
على مدى عقود، اعتُبرت الممتلكات اليهودية في لبنان وسوريا هامشًا تاريخيًا؛ موجودة لكنها غير قابلة للتحريك سياسيًا. إلّا أن ذلك يتغير الآن، مدفوعًا بانهيار نظام الأسد، وتزايد الضغوط على لبنان لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتجدد الدفع الإسرائيلي لحصر وتقدير المطالبة بتعويضات عن الأصول اليهودية في العالم العربي.
لطالما جمعت إسرائيل هذه المطالبات، مع قانون صدر عام 2010 يفرض إدراج التعويضات في أي اتفاق سلام. وقدّر تقرير لقناة “حدشوت” عام 2019 إجمالي المطالبات بأكثر من 250 مليار دولار، تشمل عدة دول عربية. ورغم أن لبنان لم يُدرج بشكل منفصل، فإن منظمة “العدالة لليهود من الدول العربية” (JJAC) تضمّه ضمن عشر دول يُقدّر أن نحو 856 ألف يهودي فرّوا منها أو طُردوا بعد عام 1948.
في سوريا، فتح الانتقال ما بعد الأسد أول مسار ملموس. ففي كانون الأول 2025، منحت الحكومة ترخيصًا لـ “مؤسسة التراث اليهودي في سوريا”، بقيادة هنري حمرا، لتوثيق الممتلكات المصادرة، والسعي لاستعادتها، وترميم المعابد مثل كنيس جوبر العريق في دمشق. واعتبرت الوزيرة هند قبوات هذه الخطوة إشارة إلى عدم التمييز، بالتزامن مع تقارير عن زيارات وفود يهودية إلى مواقع كانت مغلقة منذ زمن في حلب.
ولا تزال عقبات كبيرة قائمة: سجلات غير مكتملة، عقود من نقل الملكية والتدمير، وإرادة سياسية غير مؤكدة. وفي لبنان، لا يوجد أي مسار، إذ تطغى على القضية ملفات سلاح “حزب الله”، والنزاعات الحدودية، وشروط أي اتفاق مستقبلي مع إسرائيل.
ومع ذلك، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا. فقد حذر معهد “تشاتام هاوس” أواخر عام 2025 من أن لبنان سيجد صعوبة في مقاومة الضغوط للانخراط، وهو ما يتقاطع مع ما قالته المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس. ومن المرجّح أن يتضمن أي إطار للتطبيع ملف الممتلكات اليهودية، من الأصول الجماعية في حي وادي أبو جميل في بيروت إلى المعابد السابقة والعقارات الخاصة التي لا تزال مرتبطة بمالكيها الأصليين أو ورثتهم.
أما الشتات، فليس سلبيًا. فالجاليات اليهودية السورية، ولا سيما في بروكلين حيث يبلغ عددها نحو 75 ألفًا، إلى جانب الجاليات اليهودية اللبنانية في باريس ونيويورك ومونتريال وساو باولو، تحتفظ بوثائق وشبكات، وفي بعض الحالات بروابط قائمة مع أحيائها السابقة. ومنذ عام 2025، انخرط قادة دينيون ومجتمعيون، من بينهم الحاخام الأكبر بنيامين حمرا والحاخام يوسف حمرا، مع مسؤولين أميركيين وسوريين، داعين إلى تخفيف العقوبات واستعادة التراث، في حين أبدت القيادة السورية الجديدة انفتاحًا عبر لقاءات مباشرة ومبادرات تواصل.
يبقى ما إذا كان هذا الزخم سيُترجم إلى استرداد للممتلكات أو تعويضات واسعة النطاق أمرًا غير محسوم. لكن المؤكد أن القضية، التي طال كبتها، دخلت الساحة الدبلوماسية. ومع إعادة لبنان وسوريا وإسرائيل تعريف مواقفها، لم تعد المليارات من الممتلكات التي تركتها الجماعات اليهودية المختفية مجرد بقايا تاريخية، بل أصبحت جزءًا من مفاوضات المنطقة الجارية.










