واشنطن تُدرك استحالة الإنتهاء من سلاح “الحزب” من دون الجيش

الكاتب: جورج حايك | المصدر: المدن
28 آذار 2026

لا صوت يعلو فوق صوت الحرب في لبنان حالياً، والعملية العسكرية التي بدأتها إسرائيل بعد إطلاق “حزب الله” ستة صواريخ باتجاه المستوطنات الإسرائيلية في 2 آذار الجاري مستمرة بزخم كبير. وحتماً هذه العملية تجري بمباركة الإدارة الأميركية المصمّمة على إنهاء الحالة العسكرية لـ”الحزب”، بعدما اعتبرت أن الحكومة اللبنانية لم تنفّذ، كما يجب، القرارات التي اتخذتها في ما يتعلّق بحصر السلاح، وأوكلت واشنطن إلى إسرائيل تنفيذ المهمة في الميدان.

من الواضح أن تركيز الإدارة الأميركية اليوم هو في الدرجة الأولى على الحرب مع إيران. لكن هذا لا يعني إهمالاً لما يحصل في لبنان، بل تنشط دوائر القرار في واشنطن في متابعة الوضع في لبنان والتخطيط للمرحلة المقبلة فيه. وتشير المعطيات إلى أن مجموعة استنتاجات تكوّنت لدى مسؤولين مقرّبين من الإدارة الأميركية تؤكّد أن الحكومة اللبنانية تعاني خللاً في عملها، إذ تتخذ القرارات من دون أن تترجمها إلى أفعال، أو تعجز عن متابعتها حتى النهاية. وهناك قناعة لدى البيت الأبيض بأن استعادة سيادة الدولة، بما يتماشى مع الدستور، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تحقيق الدولة “احتكاراً للسلاح” عبر “نزع سلاح جميع الميليشيات”، وخصوصاً “الحزب”. وتعتبر الجهات الأميركية المتابعة للشأن اللبناني أن كلام رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام يفتقر إلى المصداقية، وأن الهروب باتجاه دعوة إسرائيل إلى وقف غاراتها المستمرة على أهداف “الحزب”، والتي تهدف إلى تدمير مخابئ الأسلحة ومنشآت التصنيع التي يتجاهلها الجيش اللبناني، وفق هذه الجهات، لا يلاقي آذاناً مصغية في واشنطن. وهي ترى، خلافاً لمخاوف السلطات اللبنانية، أن تجريد “الحزب” من سلاحه لن يؤدي إلى حرب أهلية، بل إن احتفاظه بهذا السلاح سيؤدي إلى حرب لبنانية داخلية.

لا شك في أن الهوّة تتسع بين الإدارة الأميركية والسلطات اللبنانية. وتلفت الجهات الأميركية المسؤولة عن متابعة الملف اللبناني إلى أن خيبة الأمل كبرت بعدما تأكّدت هذه الجهات أنها تعرّضت للخديعة، نتيجة ظهور وجود قوي لـ”الحزب” بين الحدود اللبنانية الإسرائيلية ونهر الليطاني بعد اندلاع حرب الإسناد الثانية، خلافاً لما تظاهرت به الدولة اللبنانية من أن المنطقة قد طُهّرت من “الحزب” وأصبحت عملياً تحت السيطرة الكاملة للجيش اللبناني.

وبات من المؤكّد، وفق الجهات الأميركية، أن الإدارة في واشنطن أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لإنهاء سلاح “الحزب”، نتيجة فشل السلطات اللبنانية في الوفاء بالتزاماتها، مشيرة إلى أنه من المؤسف أن الحكومة اللبنانية لا تزال تمارس الخداع. فهي أصدرت قراراً بحظر النشاط العسكري لـ”الحزب”، وبقي تنفيذها لهذا القرار خجولاً، بل لا يُذكر. كما أن إخلاء سبيل مقاتلي “الحزب” من المحكمة العسكرية مقابل 20 دولاراً ليس سوى دليل على ذلك.

وتتساءل هذه الجهات الأميركية عن عدم مساءلة الحكومة لقائد الجيش رودولف هيكل، وتحديداً عن تقاعسه في تنفيذ قرار الحكومة بحزم، بل تستغرب كيف أعلن في اليوم التالي أن الأولوية هي للحفاظ على الوحدة الوطنية وتجنّب أي مواجهة مع “الحزب”، والتصدي لـ”العدوان الإسرائيلي”. وبدا لهذه الجهات أن الجيش يتحدّى الحكومة بشكل واضح.

لكن في المقابل، تكشف المعطيات معلومات مهمة جداً، مفادها أن الإدارة الأميركية تعلم أن إسرائيل دخلت في حرب طويلة مع “الحزب”، وستكون مهمتها شاقة جداً، بعدما بدأت حرباً برية ستكون كلفتها عالية، وهو ما يجري الآن. وتشير المعطيات إلى أن القيادة الإسرائيلية أعلمت واشنطن أن القضاء التام على “الحزب” في جنوب الليطاني سيتطلب توغلات برية واسعة النطاق، تشمل عمليات تفتيش من قرية إلى قرية، وربما من منزل إلى منزل، بحثاً عن الأسلحة. وهذا من شأنه أن يعرّض القوات الإسرائيلية لخطر المنازل المفخخة والكمائن والخسائر الفادحة. وحتى مع ذلك، فإن نزع السلاح الكامل والشامل سيكون شبه مستحيل من دون تعاون لبناني حقيقي.

لذلك تتجه الإدارة الأميركية، وفق معطيات موثوقة، إلى الضغط على السلطات اللبنانية ليتحرّك الجيش اللبناني بحزم للقيام بمهام فعلية لنزع ما قد يتبقّى من سلاح “الحزب” بعد انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلية. وبدأت واشنطن التفكير في مطالبة الحكومة بإصلاح شامل للجيش اللبناني، يشمل التدقيق في خلفيات الضباط وإعادة توزيعهم. وهي تعتبر أنه بعد انتهاء الحرب اللبنانية عام 1991، دأبت القوات السورية بقيادة حافظ الأسد على اختيار جنرالات الجيش اللبناني المعادين لإسرائيل والولايات المتحدة. وبعد الانسحاب السوري عام 2005، مارس “حزب الله” نفوذه على الترقيات وتشكيلات الكتائب لإبقاء الجيش متوافقاً مع مصالحه. وتُرجّح الجهات الأميركية القريبة من إدارة الرئيس ترامب أن تعيين هيكل قائداً للجيش كان برضى “الحزب” الموالي لإيران.

وهناك قناعة لدى واشنطن بأنه بمجرد إصلاح الجيش اللبناني واستعادة عقيدته الوطنية اللبنانية التي كانت سائدة قبل عام 1991، سيتمكن من السعي بجدية لنزع ما سيتبقّى من سلاح “الحزب”، ما يسمح لبيروت باللجوء ليس فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى اتفاق سلام شامل مع إسرائيل.

لا يبدو أن إسرائيل على استعداد لتكرار اجتياح عام 1982 الذي وصل إلى العاصمة بيروت. لذلك لا بديل عن الجيش اللبناني، وفق دوائر القرار الأميركية، لأن أقصى ما يمكن أن يفعله الجيش الإسرائيلي في لبنان هو السيطرة الجوية والغارات المتواصلة على مواقع “الحزب” وبنيته التحتية، إضافة إلى العمليات البرية الموجّهة، وربما إنشاء منطقة عازلة واسعة في الجنوب. لكن نزع سلاح “الحزب” بالكامل يحتاج إلى جهود الجيش اللبناني في كل المناطق اللبنانية، وهذا ما تعرفه تل أبيب جيداً. لكن قائد الجيش رودولف هيكل، الذي يتعرّض للانتقادات الأميركية، وبتوجيه من الرئيس جوزاف عون، غالباً ما طالب الأميركيين والمجتمع الدولي بتسليح الجيش اللبناني وتجهيزه ليقوم بمهامه. فهل تفعل الإدارة الأميركية ذلك، أم تنتظر من الجيش أفعالاً تبرز تصميمه وجديته في نزع سلاح “الحزب” قبل أن تقدّم له أسلحة ومعدات متطوّرة؟

شدّ الحبال بين “الحزب” من جهة وواشنطن من جهة أخرى، في محاولة كل طرف جذب الجيش اللبناني إلى معسكره، سيبقى قائماً حتى إشعار آخر، فيما تلتهم نيران الحرب لبنان وكل التسويات وأنصاف الحلول، لأن العنوان الوحيد في الوقت الحالي هو الحسم، وبالتالي فإن المواقف الرمادية ليست مربحة.

واشنطن تُدرك استحالة الإنتهاء من سلاح “الحزب” من دون الجيش

الكاتب: جورج حايك | المصدر: المدن
28 آذار 2026

لا صوت يعلو فوق صوت الحرب في لبنان حالياً، والعملية العسكرية التي بدأتها إسرائيل بعد إطلاق “حزب الله” ستة صواريخ باتجاه المستوطنات الإسرائيلية في 2 آذار الجاري مستمرة بزخم كبير. وحتماً هذه العملية تجري بمباركة الإدارة الأميركية المصمّمة على إنهاء الحالة العسكرية لـ”الحزب”، بعدما اعتبرت أن الحكومة اللبنانية لم تنفّذ، كما يجب، القرارات التي اتخذتها في ما يتعلّق بحصر السلاح، وأوكلت واشنطن إلى إسرائيل تنفيذ المهمة في الميدان.

من الواضح أن تركيز الإدارة الأميركية اليوم هو في الدرجة الأولى على الحرب مع إيران. لكن هذا لا يعني إهمالاً لما يحصل في لبنان، بل تنشط دوائر القرار في واشنطن في متابعة الوضع في لبنان والتخطيط للمرحلة المقبلة فيه. وتشير المعطيات إلى أن مجموعة استنتاجات تكوّنت لدى مسؤولين مقرّبين من الإدارة الأميركية تؤكّد أن الحكومة اللبنانية تعاني خللاً في عملها، إذ تتخذ القرارات من دون أن تترجمها إلى أفعال، أو تعجز عن متابعتها حتى النهاية. وهناك قناعة لدى البيت الأبيض بأن استعادة سيادة الدولة، بما يتماشى مع الدستور، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تحقيق الدولة “احتكاراً للسلاح” عبر “نزع سلاح جميع الميليشيات”، وخصوصاً “الحزب”. وتعتبر الجهات الأميركية المتابعة للشأن اللبناني أن كلام رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام يفتقر إلى المصداقية، وأن الهروب باتجاه دعوة إسرائيل إلى وقف غاراتها المستمرة على أهداف “الحزب”، والتي تهدف إلى تدمير مخابئ الأسلحة ومنشآت التصنيع التي يتجاهلها الجيش اللبناني، وفق هذه الجهات، لا يلاقي آذاناً مصغية في واشنطن. وهي ترى، خلافاً لمخاوف السلطات اللبنانية، أن تجريد “الحزب” من سلاحه لن يؤدي إلى حرب أهلية، بل إن احتفاظه بهذا السلاح سيؤدي إلى حرب لبنانية داخلية.

لا شك في أن الهوّة تتسع بين الإدارة الأميركية والسلطات اللبنانية. وتلفت الجهات الأميركية المسؤولة عن متابعة الملف اللبناني إلى أن خيبة الأمل كبرت بعدما تأكّدت هذه الجهات أنها تعرّضت للخديعة، نتيجة ظهور وجود قوي لـ”الحزب” بين الحدود اللبنانية الإسرائيلية ونهر الليطاني بعد اندلاع حرب الإسناد الثانية، خلافاً لما تظاهرت به الدولة اللبنانية من أن المنطقة قد طُهّرت من “الحزب” وأصبحت عملياً تحت السيطرة الكاملة للجيش اللبناني.

وبات من المؤكّد، وفق الجهات الأميركية، أن الإدارة في واشنطن أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لإنهاء سلاح “الحزب”، نتيجة فشل السلطات اللبنانية في الوفاء بالتزاماتها، مشيرة إلى أنه من المؤسف أن الحكومة اللبنانية لا تزال تمارس الخداع. فهي أصدرت قراراً بحظر النشاط العسكري لـ”الحزب”، وبقي تنفيذها لهذا القرار خجولاً، بل لا يُذكر. كما أن إخلاء سبيل مقاتلي “الحزب” من المحكمة العسكرية مقابل 20 دولاراً ليس سوى دليل على ذلك.

وتتساءل هذه الجهات الأميركية عن عدم مساءلة الحكومة لقائد الجيش رودولف هيكل، وتحديداً عن تقاعسه في تنفيذ قرار الحكومة بحزم، بل تستغرب كيف أعلن في اليوم التالي أن الأولوية هي للحفاظ على الوحدة الوطنية وتجنّب أي مواجهة مع “الحزب”، والتصدي لـ”العدوان الإسرائيلي”. وبدا لهذه الجهات أن الجيش يتحدّى الحكومة بشكل واضح.

لكن في المقابل، تكشف المعطيات معلومات مهمة جداً، مفادها أن الإدارة الأميركية تعلم أن إسرائيل دخلت في حرب طويلة مع “الحزب”، وستكون مهمتها شاقة جداً، بعدما بدأت حرباً برية ستكون كلفتها عالية، وهو ما يجري الآن. وتشير المعطيات إلى أن القيادة الإسرائيلية أعلمت واشنطن أن القضاء التام على “الحزب” في جنوب الليطاني سيتطلب توغلات برية واسعة النطاق، تشمل عمليات تفتيش من قرية إلى قرية، وربما من منزل إلى منزل، بحثاً عن الأسلحة. وهذا من شأنه أن يعرّض القوات الإسرائيلية لخطر المنازل المفخخة والكمائن والخسائر الفادحة. وحتى مع ذلك، فإن نزع السلاح الكامل والشامل سيكون شبه مستحيل من دون تعاون لبناني حقيقي.

لذلك تتجه الإدارة الأميركية، وفق معطيات موثوقة، إلى الضغط على السلطات اللبنانية ليتحرّك الجيش اللبناني بحزم للقيام بمهام فعلية لنزع ما قد يتبقّى من سلاح “الحزب” بعد انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلية. وبدأت واشنطن التفكير في مطالبة الحكومة بإصلاح شامل للجيش اللبناني، يشمل التدقيق في خلفيات الضباط وإعادة توزيعهم. وهي تعتبر أنه بعد انتهاء الحرب اللبنانية عام 1991، دأبت القوات السورية بقيادة حافظ الأسد على اختيار جنرالات الجيش اللبناني المعادين لإسرائيل والولايات المتحدة. وبعد الانسحاب السوري عام 2005، مارس “حزب الله” نفوذه على الترقيات وتشكيلات الكتائب لإبقاء الجيش متوافقاً مع مصالحه. وتُرجّح الجهات الأميركية القريبة من إدارة الرئيس ترامب أن تعيين هيكل قائداً للجيش كان برضى “الحزب” الموالي لإيران.

وهناك قناعة لدى واشنطن بأنه بمجرد إصلاح الجيش اللبناني واستعادة عقيدته الوطنية اللبنانية التي كانت سائدة قبل عام 1991، سيتمكن من السعي بجدية لنزع ما سيتبقّى من سلاح “الحزب”، ما يسمح لبيروت باللجوء ليس فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى اتفاق سلام شامل مع إسرائيل.

لا يبدو أن إسرائيل على استعداد لتكرار اجتياح عام 1982 الذي وصل إلى العاصمة بيروت. لذلك لا بديل عن الجيش اللبناني، وفق دوائر القرار الأميركية، لأن أقصى ما يمكن أن يفعله الجيش الإسرائيلي في لبنان هو السيطرة الجوية والغارات المتواصلة على مواقع “الحزب” وبنيته التحتية، إضافة إلى العمليات البرية الموجّهة، وربما إنشاء منطقة عازلة واسعة في الجنوب. لكن نزع سلاح “الحزب” بالكامل يحتاج إلى جهود الجيش اللبناني في كل المناطق اللبنانية، وهذا ما تعرفه تل أبيب جيداً. لكن قائد الجيش رودولف هيكل، الذي يتعرّض للانتقادات الأميركية، وبتوجيه من الرئيس جوزاف عون، غالباً ما طالب الأميركيين والمجتمع الدولي بتسليح الجيش اللبناني وتجهيزه ليقوم بمهامه. فهل تفعل الإدارة الأميركية ذلك، أم تنتظر من الجيش أفعالاً تبرز تصميمه وجديته في نزع سلاح “الحزب” قبل أن تقدّم له أسلحة ومعدات متطوّرة؟

شدّ الحبال بين “الحزب” من جهة وواشنطن من جهة أخرى، في محاولة كل طرف جذب الجيش اللبناني إلى معسكره، سيبقى قائماً حتى إشعار آخر، فيما تلتهم نيران الحرب لبنان وكل التسويات وأنصاف الحلول، لأن العنوان الوحيد في الوقت الحالي هو الحسم، وبالتالي فإن المواقف الرمادية ليست مربحة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار