“حزب الله” في بيروت

خيّل لكثيرين أن خرق الطائرات الحربية الإسرائيلية مساء أمس جدار الصوت فوق بيروت كان ردًّا على إعلان “حزب الله” في اليوم السابق أنه “تصدى بصاروخ أرض جو لطائرة حربية في سماء بيروت”. تردّدت أصداء خرق جدار الصوت في صورة مرعبة، لكن إطلاق صاروخ الحزب ما كان سمع به أحد من سكان العاصمة لو لم يصدر “حزب الله” بيانا حوله.
وهكذا تمضي الحرب التي فتحها “حزب الله” في الثاني من آذار الجاري بلا هوادة. وقد حذر رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أمس خلال افتتاح “اللقاء الوطني” في معراب تحت عنوان “لإنقاذ لبنان”، من “تدهور الأوضاع أكثر فأكثر، وما هو سيء قد يصبح أسوأ إذا لم يتم تدارك الأمور”. وعلى ما يبدو أن لبنان أصبح في فوهة الأسوأ وهو ما تشير إليه يوميات الحرب الدائرة قبل 27 يومًا بحيث صارت أنباء الموت والدمار والنزوح من العناوين الثابتة.
برز أمس مقتل ثلاثة صحفيين وهم مراسل قناة “المنار” التلفزيونية التابعة لـ”حزب الله” علي شعيب ومراسلة قناة “الميادين” فاطمة فتوني وشقيقها المصور محمد، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارة كان بداخلها الاعلاميون الضحايا. ولم يتأخر الجيش الإسرائيلي، كما أوردت رويترز، في أن يعلن في بيان أنه “قضى” في ضربة محددة الهدف على شعيب، الذي وصفه بأنه “إرهابي” في وحدة مخابرات “حزب الله” كان يبلغ عن مواقع الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان. واتهم البيان الجيش الإسرائيلي شعيب “بالتحريض” على الجنود والمدنيين الإسرائيليين، ولم يشر إلى الصحفيين الآخرين، ولم يقدم أي دليل يدعم الادعاء بأن شعيب كان عضوًا في وحدة مخابرات لـ”حزب الله”. وقد نفى الأخير، الذي يمتلك “المنار”، انتماء شعيب إلى أي من وحداته المخابراتية.
يعرف كثيرون، وكاتب هذه السطور أحدهم، مسيرة الإعلامي شعيب. وأتذكر مشهدًا لا ينسى يعود 20 عامًا الى الوراء. ففي العام 2006 وقف مراسل “المنار” بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في حرب تموز الشهيرة أمام دبابة ميركافا في منطقة بنت جبيل وراح يسجل أمام كاميرا القناة رسالة من الميدان يشيد بما أنجزه مقاتلو الحزب في تلك الحرب. وظهر في خلفية المشهد جندي إسرائيلي كان جالسًا فوق الدبابة يراقب بلا مبالاة ما يجري من حوله غير عالم على ما يبدو بما كان يتلوه شعيب في رسالته.
قام مراسل “المنار” على مدى 20 عامًا خلت بما اعتبرته إسرائيل أمس سببًا لاغتياله لكنها لم تفعل كما فعلت في غارة منطقة جزين. وما بين بنت جبيل عام 2006 وجزين عام 2026 مسافة بعيدة بما يعبّر عن واقع حال “حزب الله” الذي كان يرفع راياته الصفراء على الحدود مباشرة على الحدود الجنوبية مع إسرائيل وها هو اليوم يبتعد بهذه الرايات عشرات الكيلومترات في اتجاه شمال لبنان.
بالعودة الى مؤتمر معراب أمس، فقد ذكّر جعجع في كلمته “بالعدد الكبير من الشهداء الذين سقطوا في المسار (السيادي)، من رفيق الحريري إلى لقمان سليم، وسواهما”. و هنا انتبه المشاركون في المؤتمر أن الضحايا الذين قتلهم “حزب الله” لا يمكن أن تطوى صفحتهم. وإذا كانت إسرائيل أعلنت امس مسؤوليتها عن قتل مراسل “المنار” فإن “حزب الله” يتجاهل حتى الآن أنه قام بتصفية الإعلامي سليم في 4 شباط 2021 برصاصات في جنوب لبنان وفق ما جرى توثيقه لاحقا في التحقيقات.
تمتلك إسرائيل أدوات قتل لم يمتلكها “حزب الله” منذ نشأته على يد الحرس الثوري الإيراني في ثمانينات القرن الماضي. وكان الحزب ليفعل الكثير لو كانت بحوزته بعضًا من إمكانات إسرائيل التي تنتمي الى عصر الذكاء الاصطناعي. لكن الحزب مع ذلك، فعل الكثير بأدوات أصحبت مصنّفة اليوم بدائية. وهناك لائحة طويلة بالضحايا الذين لقوا حتفهم على يد الحزب بتلك الأدوات ومن بينهم صحافيان هما سهيل طويلة وخليل نعوس اللذيّن كانا من رواد قوافل المقتولين على يد “حزب الله”.
تباهى قبل أيام عضو المجلس السياسي في “حزب الله” وفيق صفا أن الحزب نجح في الآونة الأخيرة في تفادي محاولات إسرائيل اغتيال قياداته كما فعلت إسرائيل في ذروة حرب عام 2024 وسقط خلالها قائده التاريخي حسن نصرالله، وذلك بفضل إجراءات احترازية. لكن اعلاميو الحزب وآخرهم أمس علي شعيب لم يحظوا بمثل هذه الإجراءات فباتوا أهدافا لإسرائيل وغاراتها الجوية.
لا يعترف “حزب الله” بأنه من جرّ على لبنان ويلات حرب تدور الآن وتنذر بشر مستطير لم يعرفه لبنان من قبل. ولأن الحزب لا يعترف ولن يعترف، فهو سيفعل الأمر نفسه مع دماء إعلامييه التي بدأت تسيل بغزارة متجاهلًا أن يديه ملطختان بدماء إعلاميين كثر منذ عقود وقد استعدنا أمس ذكرى لقمان سليم.
لكن الأخطر من كل ذلك أن “حزب الله” يستعدّ لزج بيروت في مسار الدماء بدأ أول من أمس بصاروخ وربما سينتهي بصلية كتلك التي أطلقها فجر 2 آذار فادخل لبنان في جحيم حرب لا يلوح في الأفق أية نهاية لها. هل تستحق بيروت هذا الغدر كما حصل مع رفيق الحريري عام 2005؟
“حزب الله” في بيروت

خيّل لكثيرين أن خرق الطائرات الحربية الإسرائيلية مساء أمس جدار الصوت فوق بيروت كان ردًّا على إعلان “حزب الله” في اليوم السابق أنه “تصدى بصاروخ أرض جو لطائرة حربية في سماء بيروت”. تردّدت أصداء خرق جدار الصوت في صورة مرعبة، لكن إطلاق صاروخ الحزب ما كان سمع به أحد من سكان العاصمة لو لم يصدر “حزب الله” بيانا حوله.
وهكذا تمضي الحرب التي فتحها “حزب الله” في الثاني من آذار الجاري بلا هوادة. وقد حذر رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أمس خلال افتتاح “اللقاء الوطني” في معراب تحت عنوان “لإنقاذ لبنان”، من “تدهور الأوضاع أكثر فأكثر، وما هو سيء قد يصبح أسوأ إذا لم يتم تدارك الأمور”. وعلى ما يبدو أن لبنان أصبح في فوهة الأسوأ وهو ما تشير إليه يوميات الحرب الدائرة قبل 27 يومًا بحيث صارت أنباء الموت والدمار والنزوح من العناوين الثابتة.
برز أمس مقتل ثلاثة صحفيين وهم مراسل قناة “المنار” التلفزيونية التابعة لـ”حزب الله” علي شعيب ومراسلة قناة “الميادين” فاطمة فتوني وشقيقها المصور محمد، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارة كان بداخلها الاعلاميون الضحايا. ولم يتأخر الجيش الإسرائيلي، كما أوردت رويترز، في أن يعلن في بيان أنه “قضى” في ضربة محددة الهدف على شعيب، الذي وصفه بأنه “إرهابي” في وحدة مخابرات “حزب الله” كان يبلغ عن مواقع الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان. واتهم البيان الجيش الإسرائيلي شعيب “بالتحريض” على الجنود والمدنيين الإسرائيليين، ولم يشر إلى الصحفيين الآخرين، ولم يقدم أي دليل يدعم الادعاء بأن شعيب كان عضوًا في وحدة مخابرات لـ”حزب الله”. وقد نفى الأخير، الذي يمتلك “المنار”، انتماء شعيب إلى أي من وحداته المخابراتية.
يعرف كثيرون، وكاتب هذه السطور أحدهم، مسيرة الإعلامي شعيب. وأتذكر مشهدًا لا ينسى يعود 20 عامًا الى الوراء. ففي العام 2006 وقف مراسل “المنار” بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في حرب تموز الشهيرة أمام دبابة ميركافا في منطقة بنت جبيل وراح يسجل أمام كاميرا القناة رسالة من الميدان يشيد بما أنجزه مقاتلو الحزب في تلك الحرب. وظهر في خلفية المشهد جندي إسرائيلي كان جالسًا فوق الدبابة يراقب بلا مبالاة ما يجري من حوله غير عالم على ما يبدو بما كان يتلوه شعيب في رسالته.
قام مراسل “المنار” على مدى 20 عامًا خلت بما اعتبرته إسرائيل أمس سببًا لاغتياله لكنها لم تفعل كما فعلت في غارة منطقة جزين. وما بين بنت جبيل عام 2006 وجزين عام 2026 مسافة بعيدة بما يعبّر عن واقع حال “حزب الله” الذي كان يرفع راياته الصفراء على الحدود مباشرة على الحدود الجنوبية مع إسرائيل وها هو اليوم يبتعد بهذه الرايات عشرات الكيلومترات في اتجاه شمال لبنان.
بالعودة الى مؤتمر معراب أمس، فقد ذكّر جعجع في كلمته “بالعدد الكبير من الشهداء الذين سقطوا في المسار (السيادي)، من رفيق الحريري إلى لقمان سليم، وسواهما”. و هنا انتبه المشاركون في المؤتمر أن الضحايا الذين قتلهم “حزب الله” لا يمكن أن تطوى صفحتهم. وإذا كانت إسرائيل أعلنت امس مسؤوليتها عن قتل مراسل “المنار” فإن “حزب الله” يتجاهل حتى الآن أنه قام بتصفية الإعلامي سليم في 4 شباط 2021 برصاصات في جنوب لبنان وفق ما جرى توثيقه لاحقا في التحقيقات.
تمتلك إسرائيل أدوات قتل لم يمتلكها “حزب الله” منذ نشأته على يد الحرس الثوري الإيراني في ثمانينات القرن الماضي. وكان الحزب ليفعل الكثير لو كانت بحوزته بعضًا من إمكانات إسرائيل التي تنتمي الى عصر الذكاء الاصطناعي. لكن الحزب مع ذلك، فعل الكثير بأدوات أصحبت مصنّفة اليوم بدائية. وهناك لائحة طويلة بالضحايا الذين لقوا حتفهم على يد الحزب بتلك الأدوات ومن بينهم صحافيان هما سهيل طويلة وخليل نعوس اللذيّن كانا من رواد قوافل المقتولين على يد “حزب الله”.
تباهى قبل أيام عضو المجلس السياسي في “حزب الله” وفيق صفا أن الحزب نجح في الآونة الأخيرة في تفادي محاولات إسرائيل اغتيال قياداته كما فعلت إسرائيل في ذروة حرب عام 2024 وسقط خلالها قائده التاريخي حسن نصرالله، وذلك بفضل إجراءات احترازية. لكن اعلاميو الحزب وآخرهم أمس علي شعيب لم يحظوا بمثل هذه الإجراءات فباتوا أهدافا لإسرائيل وغاراتها الجوية.
لا يعترف “حزب الله” بأنه من جرّ على لبنان ويلات حرب تدور الآن وتنذر بشر مستطير لم يعرفه لبنان من قبل. ولأن الحزب لا يعترف ولن يعترف، فهو سيفعل الأمر نفسه مع دماء إعلامييه التي بدأت تسيل بغزارة متجاهلًا أن يديه ملطختان بدماء إعلاميين كثر منذ عقود وقد استعدنا أمس ذكرى لقمان سليم.
لكن الأخطر من كل ذلك أن “حزب الله” يستعدّ لزج بيروت في مسار الدماء بدأ أول من أمس بصاروخ وربما سينتهي بصلية كتلك التي أطلقها فجر 2 آذار فادخل لبنان في جحيم حرب لا يلوح في الأفق أية نهاية لها. هل تستحق بيروت هذا الغدر كما حصل مع رفيق الحريري عام 2005؟









