تخوين سلام: لماذا قفز “الحزب” إلى 7 أيّار مبكراً؟

أليس من المبكر أن يطلق “الحزب” حرب التخوين على رئيس الحكومة نوّاف سلام والقوى السياسيّة المناوئة، حتّى قبل أن يتّضح اتّجاه الميدان في الجنوب؟
كان “الحزب” لا يزال إلى طاولة الحكومة، فيما خرج مسؤولوه ليشبّهوها بـ”حكومة فيشي”، التي “حاكمتها المقاومة وأعدمت أعضاءها بعد الحرب” في فرنسا، ثمّ خرجت التظاهرات لتعلن أنّ رئيس الحكومة “خائن”، وأخذت الأبواق الإعلاميّة بالتبشير بقلب المعادلة الداخليّة بالسلاح بعد انتهاء الحرب. وانتهى الأمر بمقاطعة الحكومة تضامناً مع سفير دولة أجنبيّة لم يقدّم أوراق اعتماده بعد.
ما هي جناية نوّاف سلام ليصبح “الخائن” الذي يقدّمه “الحزب” إلى جمهوره متنفّساً للغضب والعجز والهزيمة؟ هل كان المطلوب منه أن يتبنّى مسار “الحزب” الانتحاريّ، ويجعل البلد كلّه، بجيشه وناسه ومؤسّساته وبنيته التحتيّة، منخرطاً في حربٍ أعلن “الحزب” بنفسه أنّها لمساندة إيران؟ هل يدرك “الحزب” أنّ البلد خسر 212 مليون دولار من احتياطاته خلال أسبوعين فقط؟ هل يدرك أنّ استقرار الليرة مهدّد جدّيّاً وهو الذي لم يخرج من غرفة العناية الفائقة بعد أكبر أزمة ماليّة ونقديّة في تاريخ البلاد؟ هل يدرك أنّ الدولارات القليلة التي كان المصرف المركزيّ يدفعها للمودعين كلّ شهر باتت اليوم بالكاد تكفي لتغطية استيراد الموادّ الأساسيّة؟ وغداً ربّما لا تكفي لاستيراد الحاجات الضروريّة لإيواء النازحين وتوفير مقوّمات العودة إلى مدنهم وقراهم؟ علامَ يراهن “الحزب” حين يطلب من الحكومة أن تتبنّى حربه المجنونة؟
في خطاب “الحزب” الجديد تُقدَّم التبريرات الكاملة لنسخة جديدة من أحداث 7 أيّار 2008، فيُقدَّم قرار طرد السفير الإيرانيّ محمّد رضا شيباني كحالة مشابهة لقرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في 5 أيّار 2008 إقالة رئيس جهاز أمن المطار، ويُقدَّم قرار الحكومة حظر الأنشطة العسكريّة والأمنيّة لـ”الحزب” كمثيلٍ لقرار نزع شبكة اتّصالاته في ذلك العام. بالتالي مبرّرات الانقلاب على الحكومة مكتملة لدى “الحزب”، ولا تنتظر سوى توقّف الحرب مع إسرائيل.
سرديّة التّخوين
إنّها سرديّة التخوين التي تضع الشيعة في مواجهة البيئات الأخرى، من “عملاء” و”خونة” و”متآمرين” و”قليلي وفاء”، بما يُحتِّم عليهم تبنّي قرار الحرب كرهانٍ داخليّ، لأنّ هزيمة “الحزب” في وجه إسرائيل تعني هزيمة الشيعة في الصراع الداخليّ. بذلك يبدو “الحزب” كما لو أنّه يراهن على الصمود لا لتحرير الجنوب، ولا لإعادة الأهالي إلى القرى المدمّرة، بل للارتداد على الداخل والانقلاب على الآخرين في تركيبة السلطة.
لماذا أطلق “الحزب” حملة التخوين والنزاع الداخليّ قبل انتهاء الحرب؟
في حرب 2006، انتظر “الحزب” حتّى انجلاء الحرب ليصعّد الخطاب المذهبيّ. في وقت التفاوض كان رئيس مجلس النوّاب يصف الحكومة بـ”حكومة المقاومة السياسيّة”، وبعد وقف إطلاق النار تغيّر كلّ شيء. توجّه الأمين العامّ الراحل السيّد حسن نصرالله إلى بيئته بخطاب “يا أشرف الناس”، وجعلهم في مواجهة الآخرين المتآمرين والمتربّصين. توخّى بذلك تعبئة الشيعة في صراعٍ داخليّ يصرف النقاش عن أكلاف الحرب إنسانيّاً ومادّيّاً ومعنويّاً. كانت عبارة نصرالله الشهيرة “لو كنت أعلم”، في مقابلته مع قناة “الجديد” خلال الحرب، شاهداً على أنّ الأعباء الإنسانيّة والماديّة التي تحمّلتها البيئة كانت هاجساً عميقاً في تشكيل خطاب ما بعد الحرب.
اختلاف الظّروف من وجهين
في الحرب الراهنة، انطلق الخطاب التخوينيّ وسط الحرب، وهذا بحدّ ذاته دليل على اختلاف ظروف المعركة عن حرب تمّوز، من وجهين على الأقلّ:
1- إسرائيل 2026 ليست كإسرائيل 2006. مجتمعها اليوم مُعبّأ ومهيّأ لتحمّل الخسائر كما لم يكن قبل عشرين عاماً. إذا كانت حرب 2006 قد توقّفت بعد 33 يوماً تحت الضغط الدوليّ وضغط الخسائر البشريّة، فإنّ مشهد حرب غزّة ماثل الآن، ويستوجب تهيئة البيئة لحربٍ لا أفق فيها لوقف قريب لإطلاق النار. لذلك لا بدّ من تعبئة بيئة “الحزب” بصراعٍ داخليّ يخفّف من النقاش في خيارات “الحزب” السياسيّة والعسكريّة، لا سيما قرار الانخراط في الحرب لإسناد إيران.
2- كان أحد أهمّ العوامل التي أخرجت “الحزب” من المأزق في بيئته بعد حرب 2006 توافر التمويل العربيّ السريع لإعادة الإعمار، بل وهيمنة “الحزب” على جزء كبير من تلك المساعدات من خلال مشروع “وعد” وغيره. أتاح له ذلك إعادة ربط المتضرّرين به، وتقديم نفسه بصورة من وفى بوعده بإعادة الضاحية “أحلى ممّا كانت”. مثل هذا “الوعد” ليس متاحاً الآن، فالدول العربيّة منشغلة بالآثار الاقتصاديّة للهجمات الإيرانيّة وإغلاق مضيق هرمز، وإيران نفسها أكثر انشغالاً وتضرّراً.
الحرب طويلة!
لذلك يوجّه “الحزب” مجهوده للتحريض وسط الحرب، غالباً لأنّه يرى الحرب طويلة، وربّما تت
طلّب تعبئة من نوعٍ آخر للجمهور في أماكن النزوح، وربّما لأنّه يرى عودة النازحين أبعد وأصعب، وهذا بحدّ ذاته مكمن خطر كبير، لأنّه قد يقود إلى تصادم بين مجتمعات النزوح والمجتمعات المضيفة.
ما يؤسّس له “الحزب” هو ضربٌ من الابتزاز الداخليّ، بحيث يخيّر الدولة واللبنانيّين بين الرضوخ لأجندته أو الخوض في نزاع أهليّ. وربّما يرى النزاع الأهليّ أقلّ كلفة من مواجهة بيئته بنقاشٍ في السرديّة الكبرى التي ذهب بها إلى الحرب إلى جانب إيران، وما آلت إليه.
تخوين سلام: لماذا قفز “الحزب” إلى 7 أيّار مبكراً؟

أليس من المبكر أن يطلق “الحزب” حرب التخوين على رئيس الحكومة نوّاف سلام والقوى السياسيّة المناوئة، حتّى قبل أن يتّضح اتّجاه الميدان في الجنوب؟
كان “الحزب” لا يزال إلى طاولة الحكومة، فيما خرج مسؤولوه ليشبّهوها بـ”حكومة فيشي”، التي “حاكمتها المقاومة وأعدمت أعضاءها بعد الحرب” في فرنسا، ثمّ خرجت التظاهرات لتعلن أنّ رئيس الحكومة “خائن”، وأخذت الأبواق الإعلاميّة بالتبشير بقلب المعادلة الداخليّة بالسلاح بعد انتهاء الحرب. وانتهى الأمر بمقاطعة الحكومة تضامناً مع سفير دولة أجنبيّة لم يقدّم أوراق اعتماده بعد.
ما هي جناية نوّاف سلام ليصبح “الخائن” الذي يقدّمه “الحزب” إلى جمهوره متنفّساً للغضب والعجز والهزيمة؟ هل كان المطلوب منه أن يتبنّى مسار “الحزب” الانتحاريّ، ويجعل البلد كلّه، بجيشه وناسه ومؤسّساته وبنيته التحتيّة، منخرطاً في حربٍ أعلن “الحزب” بنفسه أنّها لمساندة إيران؟ هل يدرك “الحزب” أنّ البلد خسر 212 مليون دولار من احتياطاته خلال أسبوعين فقط؟ هل يدرك أنّ استقرار الليرة مهدّد جدّيّاً وهو الذي لم يخرج من غرفة العناية الفائقة بعد أكبر أزمة ماليّة ونقديّة في تاريخ البلاد؟ هل يدرك أنّ الدولارات القليلة التي كان المصرف المركزيّ يدفعها للمودعين كلّ شهر باتت اليوم بالكاد تكفي لتغطية استيراد الموادّ الأساسيّة؟ وغداً ربّما لا تكفي لاستيراد الحاجات الضروريّة لإيواء النازحين وتوفير مقوّمات العودة إلى مدنهم وقراهم؟ علامَ يراهن “الحزب” حين يطلب من الحكومة أن تتبنّى حربه المجنونة؟
في خطاب “الحزب” الجديد تُقدَّم التبريرات الكاملة لنسخة جديدة من أحداث 7 أيّار 2008، فيُقدَّم قرار طرد السفير الإيرانيّ محمّد رضا شيباني كحالة مشابهة لقرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في 5 أيّار 2008 إقالة رئيس جهاز أمن المطار، ويُقدَّم قرار الحكومة حظر الأنشطة العسكريّة والأمنيّة لـ”الحزب” كمثيلٍ لقرار نزع شبكة اتّصالاته في ذلك العام. بالتالي مبرّرات الانقلاب على الحكومة مكتملة لدى “الحزب”، ولا تنتظر سوى توقّف الحرب مع إسرائيل.
سرديّة التّخوين
إنّها سرديّة التخوين التي تضع الشيعة في مواجهة البيئات الأخرى، من “عملاء” و”خونة” و”متآمرين” و”قليلي وفاء”، بما يُحتِّم عليهم تبنّي قرار الحرب كرهانٍ داخليّ، لأنّ هزيمة “الحزب” في وجه إسرائيل تعني هزيمة الشيعة في الصراع الداخليّ. بذلك يبدو “الحزب” كما لو أنّه يراهن على الصمود لا لتحرير الجنوب، ولا لإعادة الأهالي إلى القرى المدمّرة، بل للارتداد على الداخل والانقلاب على الآخرين في تركيبة السلطة.
لماذا أطلق “الحزب” حملة التخوين والنزاع الداخليّ قبل انتهاء الحرب؟
في حرب 2006، انتظر “الحزب” حتّى انجلاء الحرب ليصعّد الخطاب المذهبيّ. في وقت التفاوض كان رئيس مجلس النوّاب يصف الحكومة بـ”حكومة المقاومة السياسيّة”، وبعد وقف إطلاق النار تغيّر كلّ شيء. توجّه الأمين العامّ الراحل السيّد حسن نصرالله إلى بيئته بخطاب “يا أشرف الناس”، وجعلهم في مواجهة الآخرين المتآمرين والمتربّصين. توخّى بذلك تعبئة الشيعة في صراعٍ داخليّ يصرف النقاش عن أكلاف الحرب إنسانيّاً ومادّيّاً ومعنويّاً. كانت عبارة نصرالله الشهيرة “لو كنت أعلم”، في مقابلته مع قناة “الجديد” خلال الحرب، شاهداً على أنّ الأعباء الإنسانيّة والماديّة التي تحمّلتها البيئة كانت هاجساً عميقاً في تشكيل خطاب ما بعد الحرب.
اختلاف الظّروف من وجهين
في الحرب الراهنة، انطلق الخطاب التخوينيّ وسط الحرب، وهذا بحدّ ذاته دليل على اختلاف ظروف المعركة عن حرب تمّوز، من وجهين على الأقلّ:
1- إسرائيل 2026 ليست كإسرائيل 2006. مجتمعها اليوم مُعبّأ ومهيّأ لتحمّل الخسائر كما لم يكن قبل عشرين عاماً. إذا كانت حرب 2006 قد توقّفت بعد 33 يوماً تحت الضغط الدوليّ وضغط الخسائر البشريّة، فإنّ مشهد حرب غزّة ماثل الآن، ويستوجب تهيئة البيئة لحربٍ لا أفق فيها لوقف قريب لإطلاق النار. لذلك لا بدّ من تعبئة بيئة “الحزب” بصراعٍ داخليّ يخفّف من النقاش في خيارات “الحزب” السياسيّة والعسكريّة، لا سيما قرار الانخراط في الحرب لإسناد إيران.
2- كان أحد أهمّ العوامل التي أخرجت “الحزب” من المأزق في بيئته بعد حرب 2006 توافر التمويل العربيّ السريع لإعادة الإعمار، بل وهيمنة “الحزب” على جزء كبير من تلك المساعدات من خلال مشروع “وعد” وغيره. أتاح له ذلك إعادة ربط المتضرّرين به، وتقديم نفسه بصورة من وفى بوعده بإعادة الضاحية “أحلى ممّا كانت”. مثل هذا “الوعد” ليس متاحاً الآن، فالدول العربيّة منشغلة بالآثار الاقتصاديّة للهجمات الإيرانيّة وإغلاق مضيق هرمز، وإيران نفسها أكثر انشغالاً وتضرّراً.
الحرب طويلة!
لذلك يوجّه “الحزب” مجهوده للتحريض وسط الحرب، غالباً لأنّه يرى الحرب طويلة، وربّما تت
طلّب تعبئة من نوعٍ آخر للجمهور في أماكن النزوح، وربّما لأنّه يرى عودة النازحين أبعد وأصعب، وهذا بحدّ ذاته مكمن خطر كبير، لأنّه قد يقود إلى تصادم بين مجتمعات النزوح والمجتمعات المضيفة.
ما يؤسّس له “الحزب” هو ضربٌ من الابتزاز الداخليّ، بحيث يخيّر الدولة واللبنانيّين بين الرضوخ لأجندته أو الخوض في نزاع أهليّ. وربّما يرى النزاع الأهليّ أقلّ كلفة من مواجهة بيئته بنقاشٍ في السرديّة الكبرى التي ذهب بها إلى الحرب إلى جانب إيران، وما آلت إليه.









