لبنان لم يعد على حافة الهاوية… بل فيها

من هم أمثالي الذين يُطلق عليهم تسمية “جيل الحرب”، أي أنهم منذ العام 1969، الذي شهد بداية سقوط لبنان كدولة لها كيانها الخاص ومستباحة أرضها وقرارها ومصيرها، لم يعيشوا يومًا واحدًا من دون خوف من تداعيات الحروب، التي توالت على هذا البلد المصاب بـ “صيبة عين”، أو من دون قلق عمّا يمكن أن يحمله إليهم المستقبل من مفاجآت غير سارة.
هذا الجيل، وما تلاه من أجيال، عاشوا ويلات الحروب المتعدّدة الأوجه، ولم يعيشوا يومًا واحدًا “متل البشر”، بل كانوا في هجرة داخلية مستمرة، هجرة مادية وهجرة نفسية. وقد تكون الهجرة النفسية أشدّ خطورة من الهجرة الجسدية. وهذه الهجرة تعني فقدان ثقة المواطن بدولته. وإذا أراد المرء أن يعدّد أسباب فقدان هذه الثقة فإن السلسلة تطول بما فيها من تفاصيل ومؤشرات إلى أن اللبناني كان يعيش في كنف شبه دولة في ظلّ انقسام حاد، أفقيًا وعموديًا، بين اللبنانيين، ، الذين لم يتفقوا يومًا من الأيام على الطريقة الفضلى لخروجهم من عنق زجاجة الحروب المتتالية والمتوالية، ومن أزماتهم السياسية والاقتصادية والمالية.
وهذا الخلاف المختلف كليًا عن الاختلاف في وجهات النظر أدّى بطبيعة الحال إلى الوضع المأسوي، الذي وصل إليه البلد، الذي باتت أجزاء واسعة منه تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما يُترك أهل الجنوب النازحون من بلداتهم وقراهم المدّمرة والمحتلة لمصيرهم المجهول، خصوصًا أنهم يعرفون تمام المعرفة أن لا عودة قريبة أو بعيدة إلى قراهم ومنازلهم، وإن مهدّمة.
وبسبب هذا الخلاف الجذري بين اللبنانيين تمت مصادرة قرار الحرب والسلم من يد الدولة. وبسبب هذا الخلاف العميق بين محورين تم تجاهل لبنان، عربيًا ودوليًا. وبسبب هذا الخلاف “بلت الدولة نداء بعبدا وشربت مياتو”. وبسبب هذا الخلاف سقطت هيبة الدولة من على صخرة الروشة. وبسبب هذا الخلاف لم يتمّ حصر السلاح غير الشرعي كما كان يُفترض. وبسبب هذا الخلاف بقيت قرارات الحكومة في جلسة 2 آذار حبرًا على ورق. وبسبب هذا الخلاف تحدّى سفير غير مرغوب فيه “قرارًا سياديًا”، وبقي في سفارته غصبًا عن إرادة أغلبية اللبنانيين. وبسبب هذا الخلاف قد يصل الجيش الإسرائيلي إلى أسوار بيروت غير المحصّنة.
وانطلاقًا من هذا الواقع المأسوي لم يعد توصيف لبنان بأنه “على حافة الهاوية” دقيقًا. هذا التعبير، الذي استُخدم لسنوات طويلة للتحذير من الانهيار، فقد معناه اليوم، لأن ما كان يُخشى حدوثه قد حصل فعلاً. فلبنان لم يعد ينتظر السقوط، بل سقط، مع أن كثيرين لا يزالون مؤمنين بأنه لم ينتهِ ولن ينتهي.
الغريب في الحالة اللبنانية أن الانهيار لم يؤدِّ إلى الانفجار الكامل، كما كان متوقعًا، ولم يفتح الباب أمام حلول جذرية، بل خلق واقعًا جديدًا: بلد ينهار تدريجيًا، من دون أن يسقط نهائيًا، ويعيش أزماته كأنها جزء من يومياته. وقد أتت الحرب الإسرائيلية لتزيد أزمة جديدة على أزمات قديمة قد يكون من الصعب الخروج منها بسهولة حتى ولو توقفت هذه الحرب اليوم قبل الغد.
اقتصاديًا، لم يعد هناك ما يُنهب، ومع ذلك لم تبدأ عملية إنقاذ جدي، ولن تبدأ.
سياسيًا، لم تعد هناك سلطة متماسكة، ومع ذلك لم يسقط النظام، ولكن أسسه قد تخلخلت.
أمنيًا وعسكريًا، يعيش البلد على إيقاع اجتياح إسرائيلي واسع، ومع ذلك لا يزال قسم من اللبنانيين يعيشون وكأن الحرب تدور رحاها في “الهنولولو”.
فهذا التناقض، الذي يعيشه اللبنانيون، هو العمق التاريخي للدراما اللبنانية. فاللبنانيون أنفسهم تغيّروا. لم يعودوا ينتظرون الحلول، ولا يثقون بالوعود، ولا يراهنون على الخارج. تكيّفوا مع الأسوأ، قبل الحرب وأثناءها، وسيتكيفون بعد انتهائها، وهذا الأسوأ تمثّل بانهيار العملة الوطنية، وبغياب الدولة، وبالفوضى المقنّعة، و بفكرة أن الغد لن يكون أفضل، بل ربما أسوأ بكثير في ظل كل هذه المتغيّرات في المنطقة.
وقد يكون ما هو أخطر من الحروب ومن الانهيار هو الاعتياد عليهما. وعندما يصبح الاستثناء قاعدة، وتتحول الأزمة إلى نمط حياة، يفقد المجتمع قدرته على إحداث أي صدمة إيجابية، وبالتالي عدم قدرته على تغيير هذا الواقع الخارج عن السيطرة.
في المقابل، يبدو أن الطبقة السياسية، التي مدّدت لنفسها، مرتاحة لهذا الواقع. فلا نشهد ضغطًا داخليًا كافيًا لفرض أي حل ممكن، ولو على مستوى حصر تداعيات الحرب، ولا نلمس ضغطًا خارجيًا حاسمًا لفرض الحلول. الجميع يدير الأزمة، ولا أحد يريد حلّها. والنتيجة أن البلد عالق في منطقة رمادية: لا هو منهار بالكامل فيُعاد بناؤه، ولا هو مستقر فيتقدّم.
أما المجتمع الدولي، الذي يراقب من بعيد، فقد اكتفى بدور “حارس التوازن”. يمنع الانفجار الكبير، على رغم هول الحرب وما سينتج عنها، لكنه لا يساهم في وضع حدّ لإسرائيل. وهكذا، يتحوّل لبنان إلى نموذج لإدارة تداعيات هذه الحرب.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن لبنان لم يعد فقط ضحية حروب الآخرين على أرضه، بل أصبح أسيرها. فكل أزمة جديدة تُبنى على ما قبلها، وكل تسوية مؤقتة تؤجل الانفجار الداخلي بدلًا من أن تمنعه.
في لحظة ما، كان اللبنانيون يخافون من السقوط في الهاوية. اليوم، لم يعد هذا الخوف موجودًا، لأنهم ببساطة أصبحوا داخل هذه الهوة، وهي سحيقة.
لبنان لم يعد على حافة الهاوية… بل فيها

من هم أمثالي الذين يُطلق عليهم تسمية “جيل الحرب”، أي أنهم منذ العام 1969، الذي شهد بداية سقوط لبنان كدولة لها كيانها الخاص ومستباحة أرضها وقرارها ومصيرها، لم يعيشوا يومًا واحدًا من دون خوف من تداعيات الحروب، التي توالت على هذا البلد المصاب بـ “صيبة عين”، أو من دون قلق عمّا يمكن أن يحمله إليهم المستقبل من مفاجآت غير سارة.
هذا الجيل، وما تلاه من أجيال، عاشوا ويلات الحروب المتعدّدة الأوجه، ولم يعيشوا يومًا واحدًا “متل البشر”، بل كانوا في هجرة داخلية مستمرة، هجرة مادية وهجرة نفسية. وقد تكون الهجرة النفسية أشدّ خطورة من الهجرة الجسدية. وهذه الهجرة تعني فقدان ثقة المواطن بدولته. وإذا أراد المرء أن يعدّد أسباب فقدان هذه الثقة فإن السلسلة تطول بما فيها من تفاصيل ومؤشرات إلى أن اللبناني كان يعيش في كنف شبه دولة في ظلّ انقسام حاد، أفقيًا وعموديًا، بين اللبنانيين، ، الذين لم يتفقوا يومًا من الأيام على الطريقة الفضلى لخروجهم من عنق زجاجة الحروب المتتالية والمتوالية، ومن أزماتهم السياسية والاقتصادية والمالية.
وهذا الخلاف المختلف كليًا عن الاختلاف في وجهات النظر أدّى بطبيعة الحال إلى الوضع المأسوي، الذي وصل إليه البلد، الذي باتت أجزاء واسعة منه تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما يُترك أهل الجنوب النازحون من بلداتهم وقراهم المدّمرة والمحتلة لمصيرهم المجهول، خصوصًا أنهم يعرفون تمام المعرفة أن لا عودة قريبة أو بعيدة إلى قراهم ومنازلهم، وإن مهدّمة.
وبسبب هذا الخلاف الجذري بين اللبنانيين تمت مصادرة قرار الحرب والسلم من يد الدولة. وبسبب هذا الخلاف العميق بين محورين تم تجاهل لبنان، عربيًا ودوليًا. وبسبب هذا الخلاف “بلت الدولة نداء بعبدا وشربت مياتو”. وبسبب هذا الخلاف سقطت هيبة الدولة من على صخرة الروشة. وبسبب هذا الخلاف لم يتمّ حصر السلاح غير الشرعي كما كان يُفترض. وبسبب هذا الخلاف بقيت قرارات الحكومة في جلسة 2 آذار حبرًا على ورق. وبسبب هذا الخلاف تحدّى سفير غير مرغوب فيه “قرارًا سياديًا”، وبقي في سفارته غصبًا عن إرادة أغلبية اللبنانيين. وبسبب هذا الخلاف قد يصل الجيش الإسرائيلي إلى أسوار بيروت غير المحصّنة.
وانطلاقًا من هذا الواقع المأسوي لم يعد توصيف لبنان بأنه “على حافة الهاوية” دقيقًا. هذا التعبير، الذي استُخدم لسنوات طويلة للتحذير من الانهيار، فقد معناه اليوم، لأن ما كان يُخشى حدوثه قد حصل فعلاً. فلبنان لم يعد ينتظر السقوط، بل سقط، مع أن كثيرين لا يزالون مؤمنين بأنه لم ينتهِ ولن ينتهي.
الغريب في الحالة اللبنانية أن الانهيار لم يؤدِّ إلى الانفجار الكامل، كما كان متوقعًا، ولم يفتح الباب أمام حلول جذرية، بل خلق واقعًا جديدًا: بلد ينهار تدريجيًا، من دون أن يسقط نهائيًا، ويعيش أزماته كأنها جزء من يومياته. وقد أتت الحرب الإسرائيلية لتزيد أزمة جديدة على أزمات قديمة قد يكون من الصعب الخروج منها بسهولة حتى ولو توقفت هذه الحرب اليوم قبل الغد.
اقتصاديًا، لم يعد هناك ما يُنهب، ومع ذلك لم تبدأ عملية إنقاذ جدي، ولن تبدأ.
سياسيًا، لم تعد هناك سلطة متماسكة، ومع ذلك لم يسقط النظام، ولكن أسسه قد تخلخلت.
أمنيًا وعسكريًا، يعيش البلد على إيقاع اجتياح إسرائيلي واسع، ومع ذلك لا يزال قسم من اللبنانيين يعيشون وكأن الحرب تدور رحاها في “الهنولولو”.
فهذا التناقض، الذي يعيشه اللبنانيون، هو العمق التاريخي للدراما اللبنانية. فاللبنانيون أنفسهم تغيّروا. لم يعودوا ينتظرون الحلول، ولا يثقون بالوعود، ولا يراهنون على الخارج. تكيّفوا مع الأسوأ، قبل الحرب وأثناءها، وسيتكيفون بعد انتهائها، وهذا الأسوأ تمثّل بانهيار العملة الوطنية، وبغياب الدولة، وبالفوضى المقنّعة، و بفكرة أن الغد لن يكون أفضل، بل ربما أسوأ بكثير في ظل كل هذه المتغيّرات في المنطقة.
وقد يكون ما هو أخطر من الحروب ومن الانهيار هو الاعتياد عليهما. وعندما يصبح الاستثناء قاعدة، وتتحول الأزمة إلى نمط حياة، يفقد المجتمع قدرته على إحداث أي صدمة إيجابية، وبالتالي عدم قدرته على تغيير هذا الواقع الخارج عن السيطرة.
في المقابل، يبدو أن الطبقة السياسية، التي مدّدت لنفسها، مرتاحة لهذا الواقع. فلا نشهد ضغطًا داخليًا كافيًا لفرض أي حل ممكن، ولو على مستوى حصر تداعيات الحرب، ولا نلمس ضغطًا خارجيًا حاسمًا لفرض الحلول. الجميع يدير الأزمة، ولا أحد يريد حلّها. والنتيجة أن البلد عالق في منطقة رمادية: لا هو منهار بالكامل فيُعاد بناؤه، ولا هو مستقر فيتقدّم.
أما المجتمع الدولي، الذي يراقب من بعيد، فقد اكتفى بدور “حارس التوازن”. يمنع الانفجار الكبير، على رغم هول الحرب وما سينتج عنها، لكنه لا يساهم في وضع حدّ لإسرائيل. وهكذا، يتحوّل لبنان إلى نموذج لإدارة تداعيات هذه الحرب.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن لبنان لم يعد فقط ضحية حروب الآخرين على أرضه، بل أصبح أسيرها. فكل أزمة جديدة تُبنى على ما قبلها، وكل تسوية مؤقتة تؤجل الانفجار الداخلي بدلًا من أن تمنعه.
في لحظة ما، كان اللبنانيون يخافون من السقوط في الهاوية. اليوم، لم يعد هذا الخوف موجودًا، لأنهم ببساطة أصبحوا داخل هذه الهوة، وهي سحيقة.









