هل يستطيع لبنان تحمّل مزيد من الحرب؟

الكاتب: روزانا بومنصف | المصدر: النهار
3 نيسان 2026

هل يستطيع لبنان التحمل أسابيع أو شهوراً إضافية من الحرب بين إسرائيل وإيران عبر “الحزب”، أو أن لبنان معرض للانهيار وفق ما يقول مسؤولون أجانب، كان السبّاق من بينهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قبل أسابيع قليلة حين حذر من أنه “يجب وقف القصف الإسرائيلي على لبنان قبل أن ينهار”، فيما أعلن وزير خارجية بلجيكا مكسيم بريفو قبل يومين أن “لبنان على حافة الانهيار ويحتاج إلى دعمنا؟”.

 

السؤال مبني على الخطاب الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مهلة أسبوعين أو ثلاثة إضافية من الحرب على إيران وعن معلومات تفيد بأن أي وقف للحرب من جانب إسرائيل يبدو مستبعدا حتى لو توقفت الحرب على إيران. وفي غياب أي بصيص أمل ممكن في هذه المرحلة، قدمت دول الاتحاد الأوروبي جرعة دعم معنوية للدولة اللبنانية بدعم قراراتها على كل المستويات، إنما تكمن الأولوية هنا، وفق ما جاء في بيان هذه الدول، في “تجنب مزيد من تصعيد النزاع الإقليمي مع إيران”.

 

وتحاول الدول الغربية، وفق المعطيات المتوافرة، الموازنة بين خيار الضغط الاقتصادي على إيران، وفتح قنوات تفاوض لتجنب انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع قد تهدد أمن الطاقة العالمي، وفق ما يتمظهر في الخلافات الأوروبية مع الإدارة الأميركية حول الانخراط في الضغط لفتح مضيق هرمز، بالإضافة إلى تهديداتها بالانسحاب من حلف الناتو. لذلك يظل الموقف الأوروبي مبدئيا، لكنه ضعيف جدا ولا يستطيع لبنان توظيفه أو الاتكال عليه، ولا يشكل حبل نجاة محتملة، بل يعكس وجود خيارات محدودة لكبح جماح الحرب في الظروف الراهنة، حيث لا يبدو الحل قريبا في الأفق، ما يجعل الوضع في لبنان في مهب الريح أكثر فأكثر.

 

جلّ ما يمكن تقديمه راهنا هو المساعدة على بقاء الدولة اللبنانية متماسكة بالحد الأدنى، فيما كل التوقعات تفيد أن أسابيع إضافية من الحرب بين إسرائيل والحزب ستبعد إمكانات التعافي في لبنان في أي مدى منظور.

 

السيناريو المتفائل بالنسبة إلى مراقبين كثر هو أنه إذا توقفت الحرب اليوم أو غدا، فإن الواقع على الأرض بات مختلفا وليس في مصلحة “الحزب” أو إيران، ولو استمرت في دعمه. والحال أن أي انتصار يمكن الحزب ادعاؤه مع احتلال إسرائيلي متجدد للجنوب، قد يرى فيه هذا الأخير سببا إضافيا لاستمرار “المقاومة” كما قبل عام 2000، إنما مع فوارق كبيرة وجوهرية. فإسرائيل باتت تستطيع أن تفرض ضغطا عسكريا جويا وليس بالضرورة احتلالا ميدانيا يعوق إمكان استقرار لبنان، وتدفع به إلى الفوضى أكثر. وهناك أرض محروقة وقرى مدمرة تحول دون عودة أي نازح إلى أرضه.

 

وإذا كان الحزب يحارب إسرائيل من أجل ترجمة ذلك في الداخل استمرارا لحمل سلاحه وترجمة لرغبته في الاستمرار بالإمساك بالسلطة كما في السابق، فإن لذلك أثمانه وتداعياته التي لم تعد كما في السابق. جل ما يستطيع الحزب القيام به وفق هؤلاء المراقبين هو الاستمرار في محاولة العرقلة كما في الأشهر السابقة، إنما من دون القدرة على الإمساك بالسلطة مجددا.

 

اليوم التالي للحرب إذا أعلنت إيران “انتصارها” وترجم الحزب ذلك انتصارا له، هو بقاء الستاتيكو على حاله، علما أن الفارق هائل عن تجربة عام 2006. والواقع أن كل المتغيرات المحيطة بلبنان خلال العامين الأخيرين باتت مختلفة جدا وأساسية، وفي مقدمها انحسار التغطية الرسمية له، ليس عبر بيانات إعلامية أو مواقف سياسية، بل أمام مجلس الأمن والأمم المتحدة وفي الموقف اليومي لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. في المقابل، يعجز الحزب عن سحب وزرائه من الحكومة التي يتهمها بالخيانة، لحاجته إلى الغطاء الرسمي في حده الأدنى، ولأن انسحابه من الحكومة يعني افتقاره إلى أي غطاء لواقعه السياسي، في وقت يحتاج إلى عطاءات وزارة الصحة في الدرجة الأولى، وهي في عهدته، وعطاءات الوزارات الأخرى. وتاليا، فإن الستاتيكو الذي يمكن أن يتمسك به الحزب هو هزيمة يومية، لأنه يعني احتمال دفع البلد إلى مزيد من الانقسام وانفراط عقده، فيما تبدو الطائفة الشيعية الأكثر تعرضا لدفع الثمن نتيجة ظروف موضوعية باتت واقعا مع انهيار قدرة لبنان على النهوض ذاتيا ماليا واقتصاديا وإعمارا.

والمقصود بالستاتيكو هو توقف الحرب ورغبة الحزب في الإبقاء على السلاح. وهنا لن تكون أي دولة أو منظمة على استعداد لتقديم أي شيء، ما سيدفع إلى مزيد من الانهيار، تماما على عكس 2006 يوم سارعت الدول الخليجية إلى مد لبنان بالأموال لإعادة النهوض، بعدما أخذت في الاعتبار الحزب في تقويمه “لو كنت أعلم”.

 

وإلى كل ذلك، ثمة إشكالية جوهرية تتمثل في ما يريده الممسكون بالطائفة الشيعية وإلى أين يريدون الذهاب بالطائفة وبلبنان معها. هذه هي النقطة الجوهرية المربكة للدولة اللبنانية، إلى جانب كل الإشكاليات التي يستدرجها ذلك.

هل يستطيع لبنان تحمّل مزيد من الحرب؟

الكاتب: روزانا بومنصف | المصدر: النهار
3 نيسان 2026

هل يستطيع لبنان التحمل أسابيع أو شهوراً إضافية من الحرب بين إسرائيل وإيران عبر “الحزب”، أو أن لبنان معرض للانهيار وفق ما يقول مسؤولون أجانب، كان السبّاق من بينهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قبل أسابيع قليلة حين حذر من أنه “يجب وقف القصف الإسرائيلي على لبنان قبل أن ينهار”، فيما أعلن وزير خارجية بلجيكا مكسيم بريفو قبل يومين أن “لبنان على حافة الانهيار ويحتاج إلى دعمنا؟”.

 

السؤال مبني على الخطاب الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مهلة أسبوعين أو ثلاثة إضافية من الحرب على إيران وعن معلومات تفيد بأن أي وقف للحرب من جانب إسرائيل يبدو مستبعدا حتى لو توقفت الحرب على إيران. وفي غياب أي بصيص أمل ممكن في هذه المرحلة، قدمت دول الاتحاد الأوروبي جرعة دعم معنوية للدولة اللبنانية بدعم قراراتها على كل المستويات، إنما تكمن الأولوية هنا، وفق ما جاء في بيان هذه الدول، في “تجنب مزيد من تصعيد النزاع الإقليمي مع إيران”.

 

وتحاول الدول الغربية، وفق المعطيات المتوافرة، الموازنة بين خيار الضغط الاقتصادي على إيران، وفتح قنوات تفاوض لتجنب انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع قد تهدد أمن الطاقة العالمي، وفق ما يتمظهر في الخلافات الأوروبية مع الإدارة الأميركية حول الانخراط في الضغط لفتح مضيق هرمز، بالإضافة إلى تهديداتها بالانسحاب من حلف الناتو. لذلك يظل الموقف الأوروبي مبدئيا، لكنه ضعيف جدا ولا يستطيع لبنان توظيفه أو الاتكال عليه، ولا يشكل حبل نجاة محتملة، بل يعكس وجود خيارات محدودة لكبح جماح الحرب في الظروف الراهنة، حيث لا يبدو الحل قريبا في الأفق، ما يجعل الوضع في لبنان في مهب الريح أكثر فأكثر.

 

جلّ ما يمكن تقديمه راهنا هو المساعدة على بقاء الدولة اللبنانية متماسكة بالحد الأدنى، فيما كل التوقعات تفيد أن أسابيع إضافية من الحرب بين إسرائيل والحزب ستبعد إمكانات التعافي في لبنان في أي مدى منظور.

 

السيناريو المتفائل بالنسبة إلى مراقبين كثر هو أنه إذا توقفت الحرب اليوم أو غدا، فإن الواقع على الأرض بات مختلفا وليس في مصلحة “الحزب” أو إيران، ولو استمرت في دعمه. والحال أن أي انتصار يمكن الحزب ادعاؤه مع احتلال إسرائيلي متجدد للجنوب، قد يرى فيه هذا الأخير سببا إضافيا لاستمرار “المقاومة” كما قبل عام 2000، إنما مع فوارق كبيرة وجوهرية. فإسرائيل باتت تستطيع أن تفرض ضغطا عسكريا جويا وليس بالضرورة احتلالا ميدانيا يعوق إمكان استقرار لبنان، وتدفع به إلى الفوضى أكثر. وهناك أرض محروقة وقرى مدمرة تحول دون عودة أي نازح إلى أرضه.

 

وإذا كان الحزب يحارب إسرائيل من أجل ترجمة ذلك في الداخل استمرارا لحمل سلاحه وترجمة لرغبته في الاستمرار بالإمساك بالسلطة كما في السابق، فإن لذلك أثمانه وتداعياته التي لم تعد كما في السابق. جل ما يستطيع الحزب القيام به وفق هؤلاء المراقبين هو الاستمرار في محاولة العرقلة كما في الأشهر السابقة، إنما من دون القدرة على الإمساك بالسلطة مجددا.

 

اليوم التالي للحرب إذا أعلنت إيران “انتصارها” وترجم الحزب ذلك انتصارا له، هو بقاء الستاتيكو على حاله، علما أن الفارق هائل عن تجربة عام 2006. والواقع أن كل المتغيرات المحيطة بلبنان خلال العامين الأخيرين باتت مختلفة جدا وأساسية، وفي مقدمها انحسار التغطية الرسمية له، ليس عبر بيانات إعلامية أو مواقف سياسية، بل أمام مجلس الأمن والأمم المتحدة وفي الموقف اليومي لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. في المقابل، يعجز الحزب عن سحب وزرائه من الحكومة التي يتهمها بالخيانة، لحاجته إلى الغطاء الرسمي في حده الأدنى، ولأن انسحابه من الحكومة يعني افتقاره إلى أي غطاء لواقعه السياسي، في وقت يحتاج إلى عطاءات وزارة الصحة في الدرجة الأولى، وهي في عهدته، وعطاءات الوزارات الأخرى. وتاليا، فإن الستاتيكو الذي يمكن أن يتمسك به الحزب هو هزيمة يومية، لأنه يعني احتمال دفع البلد إلى مزيد من الانقسام وانفراط عقده، فيما تبدو الطائفة الشيعية الأكثر تعرضا لدفع الثمن نتيجة ظروف موضوعية باتت واقعا مع انهيار قدرة لبنان على النهوض ذاتيا ماليا واقتصاديا وإعمارا.

والمقصود بالستاتيكو هو توقف الحرب ورغبة الحزب في الإبقاء على السلاح. وهنا لن تكون أي دولة أو منظمة على استعداد لتقديم أي شيء، ما سيدفع إلى مزيد من الانهيار، تماما على عكس 2006 يوم سارعت الدول الخليجية إلى مد لبنان بالأموال لإعادة النهوض، بعدما أخذت في الاعتبار الحزب في تقويمه “لو كنت أعلم”.

 

وإلى كل ذلك، ثمة إشكالية جوهرية تتمثل في ما يريده الممسكون بالطائفة الشيعية وإلى أين يريدون الذهاب بالطائفة وبلبنان معها. هذه هي النقطة الجوهرية المربكة للدولة اللبنانية، إلى جانب كل الإشكاليات التي يستدرجها ذلك.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار