كما في إيران كذلك في لبنان: تفعيل العقلانية… خيانة!

الكاتب: فارس خشان | المصدر: النهار
7 نيسان 2026

في آخر انتخاباتٍ رئاسية أجريت في إيران، فاز مسعود بزشكيان، بعد منعه مراراً من الترشح، بالسباق إلى رئاسة الجمهورية. قيل الكثير عن السماح لهذا “الإصلاحي” بالوصول إلى الرئاسة ليخلف الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي، الذي قضى في تحطم مروحيته. وكان الاعتقاد، في حينه، أنّ المرشد الأعلى علي خامنئي وجد مصلحةً للنظام في تقديم تيارٍ إصلاحي إلى الواجهة، قادرٍ على التفاعل مع الغرب، بعدما أتاح للمتشددين السيطرة على معظم مؤسسات الدولة. أما المشككون، فقد رأوا في ذلك غطاءً لإفشال “البراغماتيين” وتيئيس الإيرانيين منهم.

ومع مرور الوقت، بدا أن استشراف المشككين كان في مكانه، إذ راح المتشددون، الذين يتحكمون بمفاصل النظام، يمنعون تجسيد تطلعات الإصلاحيين، سواء في الداخل الإيراني أو في العلاقة مع الخارج.

وعندما فشلت المفاوضات الإيرانية – الأميركية واندلعت الحرب التي لا تزال تبحث عن مخارج لها، تمّ الانقلاب كلياً على بزشكيان. وتجلّى هذا الانقلاب في تلك الليلة التي اضطر فيها الرئيس الإيراني إلى التراجع عن اعتذارٍ كان قد قدّمه الى دول خليجية بدأت تتعرض لهجماتٍ إيرانية، رغم عدم مشاركتها في الحرب. عندها، تبيّن بوضوح أنّ “الحرس الثوري الإيراني” أحكم سيطرته الكاملة على القرار.

ويضم التيار الذي ينتمي إليه بزشكيان شخصياتٍ بارزة، في مقدّمها محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق، وحسن روحاني، رئيس الجمهورية الأسبق.

وقد خرج كل من روحاني وظريف، بعد تلقي إيران عرضاً للتفاوض من الولايات المتحدة، بدعوةٍ إلى الذهاب إلى هذه المفاوضات من موقع القوة، عبر استثمار عناصر النفوذ القائمة، من التحكم بمضيق هرمز إلى القدرات الصاروخية، في مقابل تقديم تنازلاتٍ مدروسة تحفظ النظام والبنية التحتية، وتؤدي إلى رفع العقوبات وتحرير الأموال المجمّدة.

 كيف تُقتل الأفكار في طهران؟

انطلقت هذه الطروحات من مخاوفٍ واضحة من تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحويل إيران إلى أرضٍ محروقة، بما يمنعها، حتى في حال صمود النظام، من النهوض وإعادة الإعمار، ويدفعها لاحقاً إلى تقديم تنازلاتٍ أكبر وتدريجيةٍ للخروج من العزلة.

 

لكن هذه الطروحات، بدل أن تفتح نقاشاً داخلياً بشأن الخيار الأنسب، دفعت “الحرس الثوري الإيراني” إلى شن حملةٍ تخوينية على روحاني وظريف، وصلت حدّ الدعوة إلى اعتقالهما وإعدامهما، ليكونا “عبرةً لمن يعتبر” ممن وُصفوا بأنهم “أعداء الداخل”.

هذا المشهد يُظهر أن مبدأ استثمار القوة الحالية للحدّ من الخسائر المستقبلية، وهو مبدأ يحكم عادةً سلوك الدول في إدارة مصالحها، لا مكان له لدى “الحرس الثوري الإيراني”. فالعقيدة التي تحكم هذا التيار تقوم على معادلةٍ حادة: “الموت أو الانتصار”، من دون أي مساحةٍ للحلول الوسط.

ويعتقد هذا التيار أن تراكم القوة، مهما كانت تكلفته، سيؤدي في النهاية إلى إعلان “انتصار”، يمكن استثماره داخلياً لتكريس استمرارية النظام، ومنع أي محاسبةٍ شعبية، رغم أن الشارع الإيراني أثبت قدرته على طرح أسئلةٍ جوهرية عن جدوى التضحيات المستمرة.

النسخة اللبنانية من المعادلة الإيرانية

ولتوضيح الصورة أكثر، يمكن النظر إلى الحالة اللبنانية، حيث لا يقيم “حزب الله”، الذراع البارزة للحرس الثوري الإيراني، وزناً يُذكر للخسائر البشرية والمادية، ولا يتردد في خوض حروبٍ بلا أفقٍ واضح، بهدف الحفاظ على سلاحٍ لم ينجح في تأمين الحماية، لا داخلياً ولا خارجياً.

ينطلق “حزب الله” في تحميل لبنان أثماناً باهظة من منطلقٍ واحد: خدمة العقيدة الإيرانية، والحفاظ على سلاحٍ يضمن له استمرار نفوذه في القرار اللبناني.

وهكذا، كما في إيران كذلك في لبنان، يتحوّل كل من يدعو إلى اعتماد مبدأ “الحد من الخسائر” إلى موضع اتهام، ويُصنَّف ضمن خانة “الخيانة”.

كما في إيران كذلك في لبنان: تفعيل العقلانية… خيانة!

الكاتب: فارس خشان | المصدر: النهار
7 نيسان 2026

في آخر انتخاباتٍ رئاسية أجريت في إيران، فاز مسعود بزشكيان، بعد منعه مراراً من الترشح، بالسباق إلى رئاسة الجمهورية. قيل الكثير عن السماح لهذا “الإصلاحي” بالوصول إلى الرئاسة ليخلف الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي، الذي قضى في تحطم مروحيته. وكان الاعتقاد، في حينه، أنّ المرشد الأعلى علي خامنئي وجد مصلحةً للنظام في تقديم تيارٍ إصلاحي إلى الواجهة، قادرٍ على التفاعل مع الغرب، بعدما أتاح للمتشددين السيطرة على معظم مؤسسات الدولة. أما المشككون، فقد رأوا في ذلك غطاءً لإفشال “البراغماتيين” وتيئيس الإيرانيين منهم.

ومع مرور الوقت، بدا أن استشراف المشككين كان في مكانه، إذ راح المتشددون، الذين يتحكمون بمفاصل النظام، يمنعون تجسيد تطلعات الإصلاحيين، سواء في الداخل الإيراني أو في العلاقة مع الخارج.

وعندما فشلت المفاوضات الإيرانية – الأميركية واندلعت الحرب التي لا تزال تبحث عن مخارج لها، تمّ الانقلاب كلياً على بزشكيان. وتجلّى هذا الانقلاب في تلك الليلة التي اضطر فيها الرئيس الإيراني إلى التراجع عن اعتذارٍ كان قد قدّمه الى دول خليجية بدأت تتعرض لهجماتٍ إيرانية، رغم عدم مشاركتها في الحرب. عندها، تبيّن بوضوح أنّ “الحرس الثوري الإيراني” أحكم سيطرته الكاملة على القرار.

ويضم التيار الذي ينتمي إليه بزشكيان شخصياتٍ بارزة، في مقدّمها محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق، وحسن روحاني، رئيس الجمهورية الأسبق.

وقد خرج كل من روحاني وظريف، بعد تلقي إيران عرضاً للتفاوض من الولايات المتحدة، بدعوةٍ إلى الذهاب إلى هذه المفاوضات من موقع القوة، عبر استثمار عناصر النفوذ القائمة، من التحكم بمضيق هرمز إلى القدرات الصاروخية، في مقابل تقديم تنازلاتٍ مدروسة تحفظ النظام والبنية التحتية، وتؤدي إلى رفع العقوبات وتحرير الأموال المجمّدة.

 كيف تُقتل الأفكار في طهران؟

انطلقت هذه الطروحات من مخاوفٍ واضحة من تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحويل إيران إلى أرضٍ محروقة، بما يمنعها، حتى في حال صمود النظام، من النهوض وإعادة الإعمار، ويدفعها لاحقاً إلى تقديم تنازلاتٍ أكبر وتدريجيةٍ للخروج من العزلة.

 

لكن هذه الطروحات، بدل أن تفتح نقاشاً داخلياً بشأن الخيار الأنسب، دفعت “الحرس الثوري الإيراني” إلى شن حملةٍ تخوينية على روحاني وظريف، وصلت حدّ الدعوة إلى اعتقالهما وإعدامهما، ليكونا “عبرةً لمن يعتبر” ممن وُصفوا بأنهم “أعداء الداخل”.

هذا المشهد يُظهر أن مبدأ استثمار القوة الحالية للحدّ من الخسائر المستقبلية، وهو مبدأ يحكم عادةً سلوك الدول في إدارة مصالحها، لا مكان له لدى “الحرس الثوري الإيراني”. فالعقيدة التي تحكم هذا التيار تقوم على معادلةٍ حادة: “الموت أو الانتصار”، من دون أي مساحةٍ للحلول الوسط.

ويعتقد هذا التيار أن تراكم القوة، مهما كانت تكلفته، سيؤدي في النهاية إلى إعلان “انتصار”، يمكن استثماره داخلياً لتكريس استمرارية النظام، ومنع أي محاسبةٍ شعبية، رغم أن الشارع الإيراني أثبت قدرته على طرح أسئلةٍ جوهرية عن جدوى التضحيات المستمرة.

النسخة اللبنانية من المعادلة الإيرانية

ولتوضيح الصورة أكثر، يمكن النظر إلى الحالة اللبنانية، حيث لا يقيم “حزب الله”، الذراع البارزة للحرس الثوري الإيراني، وزناً يُذكر للخسائر البشرية والمادية، ولا يتردد في خوض حروبٍ بلا أفقٍ واضح، بهدف الحفاظ على سلاحٍ لم ينجح في تأمين الحماية، لا داخلياً ولا خارجياً.

ينطلق “حزب الله” في تحميل لبنان أثماناً باهظة من منطلقٍ واحد: خدمة العقيدة الإيرانية، والحفاظ على سلاحٍ يضمن له استمرار نفوذه في القرار اللبناني.

وهكذا، كما في إيران كذلك في لبنان، يتحوّل كل من يدعو إلى اعتماد مبدأ “الحد من الخسائر” إلى موضع اتهام، ويُصنَّف ضمن خانة “الخيانة”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار