قريباً: اتّفاق مع طهران ووقف إطلاق نار في لبنان؟

تتقاطع المؤشّرات الدبلوماسيّة عند فرضيّة لم تعد بعيدة: اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ شبه منجز يفتح الباب أمام وقف إطلاق نار في لبنان، ولو بشكل تدريجيّ ومدروس. خلف الكواليس، لا حديث عن تسوية جزئيّة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، بل عن سلّة شروط متكاملة قوامها نحو 15 بنداً أميركيّاً، مقابل حوافز ماليّة لإيران، وشروط إسرائيليّة على لبنان تمهّد لعودته إلى الحياة.
أثار تردّد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تساؤلات عن جدّيّة تهديداته، إلّا أنّ العارفين بأسلوبه يدركون أنّه لا يتحدّث من فراغ. من جهة، ساهم في ضبط إيقاع أسعار النفط بما يخدم مصالحه، ومن جهة أخرى أدار لعبة تفاوضيّة مع طهران قائمة على المراوغة والصبر، مقابل القدرة على توجيه ضربات مباشرة عند الحاجة.
تشير المعلومات اليوم إلى أنّ لحظة الحسم قد اقتربت. تشمل المطالب الأميركيّة تفكيك القدرات النوويّة الإيرانيّة القائمة، التزاماً لعدم السعي إلى امتلاك سلاح نوويّ، وقف تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانيّة، وتسليم مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% إلى الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، إضافة إلى تفكيك منشآت نطنز وأصفهان وفوردو، ومنح الوكالة صلاحيّات وصول غير مقيّدة.
أمّا البنود الإقليميّة فلا تقلّ أهميّة، إذ تطالب واشنطن بوقف دعم طهران لوكلائها في المنطقة، ووقف تمويلهم وتسليحهم، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، علاوة على الحدّ من برنامج الصواريخ.
في المقابل، تُعرض على إيران حزمة مغرية تشمل رفعاً كاملاً للعقوبات الدوليّة، دعماً أميركيّاً لتطوير برنامج نوويّ مدنيّ، وإلغاء آليّة “سناب باك” التي أُدرجت في اتّفاق 2015 وتسمح بإعادة فرض عقوبات تلقائيّاً في حال خرق أو انتهاك إيران لشروط الاتّفاق، من دون الحاجة إلى تصويت في مجلس الأمن تفادياً لاحتمال استخدام الصين أو روسيا حقّ النقض “الفيتو”.
لكنّ العقدة الأساسيّة لا تكمن في النصوص، بل في آليّة التنفيذ، في ظلّ سعي كلّ طرف إلى تسجيل “انتصار” أمام جمهوره. ولتفادي ظهور إيران بمظهر المستسلم، تتحدّث المعطيات عن مخرج تدريجيّ يبدأ بخطوة أولى: فتح مضيق هرمز استجابة لطلب مباشر من ترامب، يليه استكمال التفاوض على باقي البنود.
بحسب مصادر دبلوماسيّة مواكبة، الاتّفاق “شبه منتهٍ”، لكنّ تنفيذه سيكون مرحليّاً لتفادي صدمات داخليّة لدى الطرفين.
وقف إطلاق نار في لبنان… ضمن معادلة جديدة؟
في المشهد اللبنانيّ، لم يعد السؤال فقط عن انعكاس الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ على لبنان، بل كيفيّة انعكاسه، وأيّ قواعد جديدة سيُبنى عليها وقف إطلاق النار.
تشير المعطيات المستجدّة إلى أنّ الموقف الإسرائيليّ نفسه لم يعد على حاله. بعدما كانت إسرائيل ترفض بالمبدأ ربط جبهة لبنان بمسار الحرب مع إيران، تبدو اليوم أكثر استعداداً للقبول بوقف إطلاق نار في لبنان ضمن سلّة أوسع انطلاقاً من أربعة معطيات جديدة:
- المعطى الأوّل هو المعطى الميدانيّ. تعتبر إسرائيل أنّها باتت بالنار والدمار والتجريف ومنع العودة قد وصلت عمليّاً إلى منطقة عازلة تراها مجدية أمنيّاً داخل العمق اللبنانيّ، وهي منطقة لا تتجاوز بتقديرها نحو ثلاثة كيلومترات على طول الشريط الحدوديّ. هذه هي نفسها تقريباً المنطقة التي كانت تسعى إلى فرضها، ولو بصيغ مختلفة، حتّى قبل تفاهم 27 تشرين الثاني 2024، لكنّها اليوم ترى أنّها باتت تملك وقائع ميدانيّة تتيح لها القبول بوقف النار من موقع مختلف، وإن اختلطت بهذا المعطى رغبة إسرائيل في تجنّب المزيد من الخسائر البشريّة.
- أمّا المعطى الثاني فهو أنّ ربط المسارين اللبنانيّ والإيرانيّ لم يعد يُقرأ إسرائيليّاً فقط تنازلاً سياسيّاً، بل ومعادلة ردع جديدة أكثر واقعيّة. بموجب هذا الربط، لن يعود تحريك جبهة لبنان يُقدَّم باعتباره فعلاً من أفعال “وكلاء” إيران في الإقليم، بل سيُنظر إليه على أنّه خرق مباشر للاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ نفسه، تتحمّل طهران مسؤوليّته المباشرة، ليس فقط سياسيّاً، بل أيضاً من زاوية الدور التنفيذيّ والعمليّاتيّ المرتبط بفيلق القدس تحديداً. هذا التحوّل، إذا ثبت، يمنح إسرائيل والولايات المتّحدة إطاراً أوضح لتحميل إيران مسؤوليّة أيّ انفجار جديد على الساحة اللبنانيّة.
- المعطى الثالث هو المعطى الدوليّ – التنفيذيّ، إذ لا يبدو أنّ أيّ وقف لإطلاق نار جدّيّ هذه المرّة يمكن أن يقوم على الصيغ السابقة أو على تفاهمات مكتوبة لا تجد طريقها إلى الأرض. ثمّة توجّه دوليّ متنامٍ نحو استكمال مسار سياسيّ – أمنيّ تنفيذيّ في لبنان يقوم على انتشار فعليّ وحقيقيّ للجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة على الأرض، لا على الخرائط، بأدوات تنفيذيّة واضحة، لا بصفة مراقب أو واجهة شكليّة لإجماع سياسيّ هشّ أو ملتبس وحسب. هذا يعني أنّ المجتمع الدوليّ لم يعد مهتمّاً فقط بإنتاج تفاهم سياسيّ، بل بخلق وقائع سياديّة تنفيذيّة قابلة للقياس والمراقبة والمحاسبة.
- أمّا المعطى الرابع فهو أنّ وقف النار لن يُفصل عن مسار تفاوضيّ لاحق يُراد له أن يبدأ بترتيبات ميدانيّة وأمنيّة، لكنّه مرشّح لأن يتدرّج نحو ملفّات أوسع تتّصل بالانسحاب، الحدود، الضمانات، وآليّات تثبيت سلطة الدولة اللبنانيّة جنوب الليطاني، بما يجعل وقف النار بداية مسار لا لحظة تهدئة مؤقّتة وحسب.
في هذا السياق، يصبح وقف إطلاق النار في لبنان جزءاً من بنية إقليميّة جديدة أكثر منه تدبيراً ميدانيّاً فقط، وهو ما يفسّر جزئيّاً ارتفاع منسوب الحديث عن أنّ لبنان قد يدخل قريباً في مرحلة مختلفة: لا سلام فيها بعد، لكن أيضاً لا حرب مفتوحة بالشكل السابق.
وقف النّار ليس نهاية الحرب
انطلاقاً من هذه المعطيات، ترجّح مصادر دبلوماسيّة أن تتّجه إسرائيل إلى القبول بوقف إطلاق نار في لبنان بعد توقيع الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ، لكنّ هذا القبول لن يكون تعبيراً عن تراجع مجّانيّ أو عن مقاربة إنسانيّة للوضع اللبنانيّ، بل نتيجة اقتناع إسرائيليّ بأن الشروط الميدانيّة والسياسيّة التي كانت تطلبها أصبحت، إلى حدّ كبير، متوافرة أو قابلة للاستكمال.
بالتالي لن يعني وقف إطلاق النار، إذا تحقّق، نهاية الحرب بالمعنى السياسيّ أو الأمنيّ الكامل، بل سيعني الانتقال من طور الحرب المفتوحة إلى طور جديد من الضبط المشدّد وإعادة ترتيب الوقائع على الأرض. المنطقة الحدوديّة الجنوبيّة مرشّحة لأن تبقى خاضعة لمعادلة أمنيّة دقيقة، مع تثبيت واقع ميدانيّ جديد يقوم على منطقة عازلة فعليّة بعمق يصل إلى نحو ثلاثة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانيّة ما لم ينجح المسار التفاوضيّ اللاحق في تعديل هذا الواقع أو تفكيكه تدريجاً.
في موازاة ذلك، سيأتي وقف النار مترافقاً مع بدء اختبار فعليّ لبند وقف الدعم الإيرانيّ للحلفاء الإقليميّين. في الحالة اللبنانيّة، لن يكون هذا البند نظريّاً أو دعائيّاً، بل سيتحوّل إلى اختبار تنفيذيّ مباشر: هل تتوقّف فعليّاً بنية الإسناد والتمويل والتسليح والتحريك العمليّاتيّ؟ وهل تتراجع الصلة التنفيذيّة بين الساحة اللبنانيّة والمنظومة الإيرانيّة العسكريّة – الأمنيّة؟
من هنا، ستتمحور المرحلة التالية لوقف النار، إذا بدأت، حول إطلاق مسار لبنانيّ داخليّ – دوليّ تقوده الحكومة اللبنانيّة نظريّاً، لكن تحت ضغط وضمانات خارجيّة واضحة، ويبدأ بـ:
- انتشار فعليّ للجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة في مناطق التماسّ والجنوب.
- إخراج السلاح غير الشرعيّ من المعادلة العملانيّة جنوباً.
- إعادة فتح المجال لعودة السكّان تدريجاً.
- تهيئة الشروط السياسيّة والأمنيّة لبدء إعادة الإعمار.
عليه، لن يكون السؤال الحقيقيّ فقط: هل يتوقّف إطلاق النار؟ بل: أيّ لبنان سيولد بعده؟
وهل يكون وقف النار مدخلاً لاستعادة الدولة أم مرحلة انتقاليّة في إدارة أزمة مؤجّلة وحسب؟
لبنان أمام اختبار الدّولة
سيضع إمكان التوصّل إلى اتّفاق بين واشنطن وطهران الدولة اللبنانيّة أمام اختبار سياديّ حاسم: هل تملك القدرة على الانتقال من موقع المتلقّي للتفاهمات الخارجيّة إلى موقع الدولة التي تُمسك فعليّاً بأرضها وحدودها وقرارها الأمنيّ؟
لن تكون المرحلة المقبلة، إذا فُتحت، مرحلة وقف نار فقط، بل مرحلة إعادة تكوين السلطة الفعليّة للدولة في الجنوب. هذا يعني أنّ المطلوب من لبنان لن يقتصر على التكيّف مع اتّفاق إقليميّ، بل سيتجاوز ذلك إلى الدخول في مسار تفاوضيّ وسياديّ وأمنيّ متكامل يبدأ بوقف إطلاق النار، وقد يمتدّ لاحقاً إلى ترتيبات ميدانيّة وحدوديّة وانسحابات وضمانات متبادلة.
لكنّ هذا المسار يبقى مشروطاً بعاملين أساسيَّين:
- أوّلاً، وجود سلطة سياسيّة لبنانيّة قادرة ومسؤولة لا تكرّر أخطاء المرحلة السابقة، ولا تكتفي بإدارة التوازنات اللفظيّة فيما الوقائع الميدانيّة تُفرض من الخارج.
- ثانياً، وجود قرار فعليّ لدى “الحزب” بالانخراط في المسار الجديد، لا بوصفه مناورة ظرفيّة أو إعادة تموضع تكتيكيّ، بل باعتباره تحوّلاً حقيقيّاً في مقاربة العلاقة بين السلاح والدولة، وبين لبنان والمشروع الإيرانيّ الأوسع.
بين اتّفاق يُطبخ في الخارج واستحقاق يُفرض في الداخل، يقف لبنان مرّة جديدة أمام لحظة فاصلة: إمّا استثمار الفرصة لإعادة بناء الدولة… أو تضييعها مجدّداً.
قريباً: اتّفاق مع طهران ووقف إطلاق نار في لبنان؟

تتقاطع المؤشّرات الدبلوماسيّة عند فرضيّة لم تعد بعيدة: اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ شبه منجز يفتح الباب أمام وقف إطلاق نار في لبنان، ولو بشكل تدريجيّ ومدروس. خلف الكواليس، لا حديث عن تسوية جزئيّة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، بل عن سلّة شروط متكاملة قوامها نحو 15 بنداً أميركيّاً، مقابل حوافز ماليّة لإيران، وشروط إسرائيليّة على لبنان تمهّد لعودته إلى الحياة.
أثار تردّد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تساؤلات عن جدّيّة تهديداته، إلّا أنّ العارفين بأسلوبه يدركون أنّه لا يتحدّث من فراغ. من جهة، ساهم في ضبط إيقاع أسعار النفط بما يخدم مصالحه، ومن جهة أخرى أدار لعبة تفاوضيّة مع طهران قائمة على المراوغة والصبر، مقابل القدرة على توجيه ضربات مباشرة عند الحاجة.
تشير المعلومات اليوم إلى أنّ لحظة الحسم قد اقتربت. تشمل المطالب الأميركيّة تفكيك القدرات النوويّة الإيرانيّة القائمة، التزاماً لعدم السعي إلى امتلاك سلاح نوويّ، وقف تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانيّة، وتسليم مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% إلى الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، إضافة إلى تفكيك منشآت نطنز وأصفهان وفوردو، ومنح الوكالة صلاحيّات وصول غير مقيّدة.
أمّا البنود الإقليميّة فلا تقلّ أهميّة، إذ تطالب واشنطن بوقف دعم طهران لوكلائها في المنطقة، ووقف تمويلهم وتسليحهم، وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، علاوة على الحدّ من برنامج الصواريخ.
في المقابل، تُعرض على إيران حزمة مغرية تشمل رفعاً كاملاً للعقوبات الدوليّة، دعماً أميركيّاً لتطوير برنامج نوويّ مدنيّ، وإلغاء آليّة “سناب باك” التي أُدرجت في اتّفاق 2015 وتسمح بإعادة فرض عقوبات تلقائيّاً في حال خرق أو انتهاك إيران لشروط الاتّفاق، من دون الحاجة إلى تصويت في مجلس الأمن تفادياً لاحتمال استخدام الصين أو روسيا حقّ النقض “الفيتو”.
لكنّ العقدة الأساسيّة لا تكمن في النصوص، بل في آليّة التنفيذ، في ظلّ سعي كلّ طرف إلى تسجيل “انتصار” أمام جمهوره. ولتفادي ظهور إيران بمظهر المستسلم، تتحدّث المعطيات عن مخرج تدريجيّ يبدأ بخطوة أولى: فتح مضيق هرمز استجابة لطلب مباشر من ترامب، يليه استكمال التفاوض على باقي البنود.
بحسب مصادر دبلوماسيّة مواكبة، الاتّفاق “شبه منتهٍ”، لكنّ تنفيذه سيكون مرحليّاً لتفادي صدمات داخليّة لدى الطرفين.
وقف إطلاق نار في لبنان… ضمن معادلة جديدة؟
في المشهد اللبنانيّ، لم يعد السؤال فقط عن انعكاس الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ على لبنان، بل كيفيّة انعكاسه، وأيّ قواعد جديدة سيُبنى عليها وقف إطلاق النار.
تشير المعطيات المستجدّة إلى أنّ الموقف الإسرائيليّ نفسه لم يعد على حاله. بعدما كانت إسرائيل ترفض بالمبدأ ربط جبهة لبنان بمسار الحرب مع إيران، تبدو اليوم أكثر استعداداً للقبول بوقف إطلاق نار في لبنان ضمن سلّة أوسع انطلاقاً من أربعة معطيات جديدة:
- المعطى الأوّل هو المعطى الميدانيّ. تعتبر إسرائيل أنّها باتت بالنار والدمار والتجريف ومنع العودة قد وصلت عمليّاً إلى منطقة عازلة تراها مجدية أمنيّاً داخل العمق اللبنانيّ، وهي منطقة لا تتجاوز بتقديرها نحو ثلاثة كيلومترات على طول الشريط الحدوديّ. هذه هي نفسها تقريباً المنطقة التي كانت تسعى إلى فرضها، ولو بصيغ مختلفة، حتّى قبل تفاهم 27 تشرين الثاني 2024، لكنّها اليوم ترى أنّها باتت تملك وقائع ميدانيّة تتيح لها القبول بوقف النار من موقع مختلف، وإن اختلطت بهذا المعطى رغبة إسرائيل في تجنّب المزيد من الخسائر البشريّة.
- أمّا المعطى الثاني فهو أنّ ربط المسارين اللبنانيّ والإيرانيّ لم يعد يُقرأ إسرائيليّاً فقط تنازلاً سياسيّاً، بل ومعادلة ردع جديدة أكثر واقعيّة. بموجب هذا الربط، لن يعود تحريك جبهة لبنان يُقدَّم باعتباره فعلاً من أفعال “وكلاء” إيران في الإقليم، بل سيُنظر إليه على أنّه خرق مباشر للاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ نفسه، تتحمّل طهران مسؤوليّته المباشرة، ليس فقط سياسيّاً، بل أيضاً من زاوية الدور التنفيذيّ والعمليّاتيّ المرتبط بفيلق القدس تحديداً. هذا التحوّل، إذا ثبت، يمنح إسرائيل والولايات المتّحدة إطاراً أوضح لتحميل إيران مسؤوليّة أيّ انفجار جديد على الساحة اللبنانيّة.
- المعطى الثالث هو المعطى الدوليّ – التنفيذيّ، إذ لا يبدو أنّ أيّ وقف لإطلاق نار جدّيّ هذه المرّة يمكن أن يقوم على الصيغ السابقة أو على تفاهمات مكتوبة لا تجد طريقها إلى الأرض. ثمّة توجّه دوليّ متنامٍ نحو استكمال مسار سياسيّ – أمنيّ تنفيذيّ في لبنان يقوم على انتشار فعليّ وحقيقيّ للجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة على الأرض، لا على الخرائط، بأدوات تنفيذيّة واضحة، لا بصفة مراقب أو واجهة شكليّة لإجماع سياسيّ هشّ أو ملتبس وحسب. هذا يعني أنّ المجتمع الدوليّ لم يعد مهتمّاً فقط بإنتاج تفاهم سياسيّ، بل بخلق وقائع سياديّة تنفيذيّة قابلة للقياس والمراقبة والمحاسبة.
- أمّا المعطى الرابع فهو أنّ وقف النار لن يُفصل عن مسار تفاوضيّ لاحق يُراد له أن يبدأ بترتيبات ميدانيّة وأمنيّة، لكنّه مرشّح لأن يتدرّج نحو ملفّات أوسع تتّصل بالانسحاب، الحدود، الضمانات، وآليّات تثبيت سلطة الدولة اللبنانيّة جنوب الليطاني، بما يجعل وقف النار بداية مسار لا لحظة تهدئة مؤقّتة وحسب.
في هذا السياق، يصبح وقف إطلاق النار في لبنان جزءاً من بنية إقليميّة جديدة أكثر منه تدبيراً ميدانيّاً فقط، وهو ما يفسّر جزئيّاً ارتفاع منسوب الحديث عن أنّ لبنان قد يدخل قريباً في مرحلة مختلفة: لا سلام فيها بعد، لكن أيضاً لا حرب مفتوحة بالشكل السابق.
وقف النّار ليس نهاية الحرب
انطلاقاً من هذه المعطيات، ترجّح مصادر دبلوماسيّة أن تتّجه إسرائيل إلى القبول بوقف إطلاق نار في لبنان بعد توقيع الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ، لكنّ هذا القبول لن يكون تعبيراً عن تراجع مجّانيّ أو عن مقاربة إنسانيّة للوضع اللبنانيّ، بل نتيجة اقتناع إسرائيليّ بأن الشروط الميدانيّة والسياسيّة التي كانت تطلبها أصبحت، إلى حدّ كبير، متوافرة أو قابلة للاستكمال.
بالتالي لن يعني وقف إطلاق النار، إذا تحقّق، نهاية الحرب بالمعنى السياسيّ أو الأمنيّ الكامل، بل سيعني الانتقال من طور الحرب المفتوحة إلى طور جديد من الضبط المشدّد وإعادة ترتيب الوقائع على الأرض. المنطقة الحدوديّة الجنوبيّة مرشّحة لأن تبقى خاضعة لمعادلة أمنيّة دقيقة، مع تثبيت واقع ميدانيّ جديد يقوم على منطقة عازلة فعليّة بعمق يصل إلى نحو ثلاثة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانيّة ما لم ينجح المسار التفاوضيّ اللاحق في تعديل هذا الواقع أو تفكيكه تدريجاً.
في موازاة ذلك، سيأتي وقف النار مترافقاً مع بدء اختبار فعليّ لبند وقف الدعم الإيرانيّ للحلفاء الإقليميّين. في الحالة اللبنانيّة، لن يكون هذا البند نظريّاً أو دعائيّاً، بل سيتحوّل إلى اختبار تنفيذيّ مباشر: هل تتوقّف فعليّاً بنية الإسناد والتمويل والتسليح والتحريك العمليّاتيّ؟ وهل تتراجع الصلة التنفيذيّة بين الساحة اللبنانيّة والمنظومة الإيرانيّة العسكريّة – الأمنيّة؟
من هنا، ستتمحور المرحلة التالية لوقف النار، إذا بدأت، حول إطلاق مسار لبنانيّ داخليّ – دوليّ تقوده الحكومة اللبنانيّة نظريّاً، لكن تحت ضغط وضمانات خارجيّة واضحة، ويبدأ بـ:
- انتشار فعليّ للجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة في مناطق التماسّ والجنوب.
- إخراج السلاح غير الشرعيّ من المعادلة العملانيّة جنوباً.
- إعادة فتح المجال لعودة السكّان تدريجاً.
- تهيئة الشروط السياسيّة والأمنيّة لبدء إعادة الإعمار.
عليه، لن يكون السؤال الحقيقيّ فقط: هل يتوقّف إطلاق النار؟ بل: أيّ لبنان سيولد بعده؟
وهل يكون وقف النار مدخلاً لاستعادة الدولة أم مرحلة انتقاليّة في إدارة أزمة مؤجّلة وحسب؟
لبنان أمام اختبار الدّولة
سيضع إمكان التوصّل إلى اتّفاق بين واشنطن وطهران الدولة اللبنانيّة أمام اختبار سياديّ حاسم: هل تملك القدرة على الانتقال من موقع المتلقّي للتفاهمات الخارجيّة إلى موقع الدولة التي تُمسك فعليّاً بأرضها وحدودها وقرارها الأمنيّ؟
لن تكون المرحلة المقبلة، إذا فُتحت، مرحلة وقف نار فقط، بل مرحلة إعادة تكوين السلطة الفعليّة للدولة في الجنوب. هذا يعني أنّ المطلوب من لبنان لن يقتصر على التكيّف مع اتّفاق إقليميّ، بل سيتجاوز ذلك إلى الدخول في مسار تفاوضيّ وسياديّ وأمنيّ متكامل يبدأ بوقف إطلاق النار، وقد يمتدّ لاحقاً إلى ترتيبات ميدانيّة وحدوديّة وانسحابات وضمانات متبادلة.
لكنّ هذا المسار يبقى مشروطاً بعاملين أساسيَّين:
- أوّلاً، وجود سلطة سياسيّة لبنانيّة قادرة ومسؤولة لا تكرّر أخطاء المرحلة السابقة، ولا تكتفي بإدارة التوازنات اللفظيّة فيما الوقائع الميدانيّة تُفرض من الخارج.
- ثانياً، وجود قرار فعليّ لدى “الحزب” بالانخراط في المسار الجديد، لا بوصفه مناورة ظرفيّة أو إعادة تموضع تكتيكيّ، بل باعتباره تحوّلاً حقيقيّاً في مقاربة العلاقة بين السلاح والدولة، وبين لبنان والمشروع الإيرانيّ الأوسع.
بين اتّفاق يُطبخ في الخارج واستحقاق يُفرض في الداخل، يقف لبنان مرّة جديدة أمام لحظة فاصلة: إمّا استثمار الفرصة لإعادة بناء الدولة… أو تضييعها مجدّداً.









