رميش والقرى المسيحية تطلب موفدًا بابويًا: نريد مظلّة معنوية

في لحظةٍ يتقدّم فيها القلق على ما عداه، اختار أهالي بلدة رميش الجنوبية أن ينقلوا هواجسهم من التداول المحلي إلى مستوى المرجعية الدولية الكنسية. وفدٌ من المجلس البلدي زار مقر السفارة البابوية، حيث سلّم رسالة إلى السفير البابوي في لبنان المونسينيور باولو بورجيا، تتضمن طلبًا واضحًا إلى الكرسي الرسولي: تعيين موفد بابوي مقيم في رميش، على أن يتخذ من البلدة مقراً دائمًا له لمتابعة أوضاع القرى المسيحية في الجنوب.
الرسالة، بحسب مصادر مطّلعة على مضمونها، لم تكتفِ بالشق السياسي الرمزي، بل حملت عرضًا عمليًا متكاملًا. إذ تعهّد الأهالي بتأمين الأرض والمقر، مؤكدين أن البنية الأساسية متوافرة، فيما أبدى عدد من أبناء البلدة استعدادهم لتقديم منازلهم أو أراضيهم لوضعها بتصرف الفاتيكان، في خطوة تعكس مستوى القلق الذي بلغ حدّ تحويل المبادرة إلى مشروع جاهز للتنفيذ فور صدور القرار.
ويؤكد رئيس بلدية رميش حنا العميل لـِ “المدن، أن الأمر لم يعد مطلبًا ظرفيًا، بل خيارًا إستراتيجيًا مرتبطًا ببقاء الناس في أرضهم. وقد كرّر هذا الموقف خلال زيارة السفير البابوي للبلدة، كما نقله وفد المجلس البلدي بشكل مباشر في مقر السفارة.
15 بلدة بين الحصار والبقاء
في خلفية هذا التحرك، قراءة واضحة للواقع الميداني والديموغرافي. من بنت جبيل إلى مرجعيون وصولًا إلى الزهراني، لا يتجاوز عدد القرى والبلدات المسيحية الصامدة نحو خمس عشرة بلدة، من رميش، عين إبل، دبل، القليعة، جديدة مرجعيون، إلى قرى الزهراني. هذه القرى، وفق توصيف مصادر كنسية ومحلية، تحوّلت إلى “جيوب ديموغرافية” معزولة نسبيًا، محاصرة في قلب المعارك الدائرة بين حزب الله وإسرائيل، تعيش تحت ضغط أمني دائم، وفي ظل غياب شبكة حماية رسمية فعالة، خصوصاً بعد أن أعاد الجيش اللبناني تموضع وحداته وانسحب إلى الخطوط الداخلية، تاركاً خلفه عدد من العناصر الذين يؤدون خدمات إجتماعية داخل تلك القرى والبلدات.
من جزين إلى رميش
لماذا يتطلع أبناء رميش كما عين إبل ودبل وغيرها من القرى المسيحية الصامدة إلى الفاتيكان ويؤمنون أنه يشكل خشبة خلاصهم؟ في الجواب على ذلك، يعرب أبناء هذه القرى عن شعور يتراوح بين التمسك بالأرض والخشية من تكرار سيناريوهات سابقة، لا سيما ما أعقب تهجير المسيحيين في حرب الجبل، كما لا ينسون تهجير شرق صيدا أو ساحل جزين، وصولًا إلى عزل قضاء جزين ذات الغالبية المسيحية. يومها، تدخّل البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1985، وأرسل المونسينيور Celestino Bouhegaz موفدًا بابويًا مقيمًا، في خطوة اعتُبرت عامل تثبيت أساسي منع استكمال تهجير أصحاب الارض.
هذا النموذج هو ما يستند إليه أهالي رميش ومعهم أبناء القرى والبلدات الصامدة في طلبهم الحالي. فهم لا يطالبون بحماية عسكرية، بل بحضور بابوي دائم يُشكّل “مظلّة معنوية دولية”، تكرّس فكرة أن هذه القرى تحت متابعة مباشرة من الفاتيكان، وهذا ما ينعكس، وفق تقديرهم، استقرارًا نفسيًا واجتماعيًا، ويشجّع على البقاء، بل وربما على عودة بعض العائلات التي غادرت خلال الفترة الماضية.
رسالة بلا جواب
في هذا السياق، تكشف مصادر متابعة أن جزءًا من الدوافع غير المعلنة لهذا الطلب يرتبط بمحاولة كسر الشعور بالعزلة والخوف من جعل تلك المنطقة خارج حدود الـ 10452 كلم مربع. إذ يشعر كثير من أبناء هذه المناطق بأنهم خارج أولويات الدولة، وأنهم يعيشون في منطقة تماس مفتوحة، وهذا ما يدفعهم إلى البحث عن مظلة خارجية ذات طابع روحي دولي، قادرة على إعادة إدراجهم ضمن خريطة الاهتمام.
على المستوى الكنسي، علمت “المدن” أن السفير البابوي نقل رسالة أبناء القرى الصامدة إلى البابا لاون الرابع عشر، كما نقل من البابا رسالة إلى الاهالي، مفادها أن الفاتيكان يتابع الوضع عن كثب، وأن المسيحيين في الجنوب غير متروكين، وأن هناك اهتمامًا مباشرًا ببقائهم في أرضهم. إلا أن الأهالي يرون أن هذه الرسائل، على أهميتها، تحتاج إلى ترجمة ميدانية، عبر وجود موفد دائم يُجسّد هذا الاهتمام على الأرض، وهم بالتالي لا يزالون بانتظار جواب الفاتيكان وقراره.
فالأوضاع الميدانية تزداد خطورة، وتلك القرى أصبحت معزولة، وكل محاولات فتح ممرات إنسانية إليها باءت بالفشل. فقد أُلغيت زيارة كانت مقررة إلى بلدة دبل، بعدما كان السفير البابوي يرافقه المطران الياس نصار ممثلًا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وصلا على رأس قافلة مساعدات إلى أطراف حداثا وانتظرا لساعات هناك، ومعهما إنتظر أهالي دبل المحاصرون، منذ ساعات الصباح، وهم بأمس الحاجة إلى الغذاء والدواء، والأهم إلى الشعور بأنهم غير متروكين. لكن القافلة عادت أدراجها بعد اشتداد القصف وإصابة عنصر فرنسي من قوات اليونيفيل إصابة طفيفة، ما يعكس مستوى المخاطر التي تحيط بهذه القرى.
في موازاة ذلك، يجري التحضير لزيارة يوم الاربعاء لرميش وعين إبل يقوم بها البطريرك الماروني والسفير البابوي. إلا أن مصادر بكركي أشارت لـِ “المدن” إلى أنَّ تثبيت الزيارة يبقى رهن التطورات الميدانية، خصوصًا بعد تعذر إكمال قافلة دبل طريقها.
بين واقع ميداني ضاغط، وذاكرة تاريخية حاضرة، ورهان على دور الفاتيكان، تبدو القرى المسيحية في الجنوب أمام مفترق حساس. فهل يترجم الاهتمام البابوي إلى خطوة عملية كما حصل في جزين قبل أربعة عقود؟ أم يبقى الحضور في إطار الرسائل، فيما يواصل الأهالي تمسّكهم بأرضهم على وقع القلق المفتوح؟
رميش والقرى المسيحية تطلب موفدًا بابويًا: نريد مظلّة معنوية

في لحظةٍ يتقدّم فيها القلق على ما عداه، اختار أهالي بلدة رميش الجنوبية أن ينقلوا هواجسهم من التداول المحلي إلى مستوى المرجعية الدولية الكنسية. وفدٌ من المجلس البلدي زار مقر السفارة البابوية، حيث سلّم رسالة إلى السفير البابوي في لبنان المونسينيور باولو بورجيا، تتضمن طلبًا واضحًا إلى الكرسي الرسولي: تعيين موفد بابوي مقيم في رميش، على أن يتخذ من البلدة مقراً دائمًا له لمتابعة أوضاع القرى المسيحية في الجنوب.
الرسالة، بحسب مصادر مطّلعة على مضمونها، لم تكتفِ بالشق السياسي الرمزي، بل حملت عرضًا عمليًا متكاملًا. إذ تعهّد الأهالي بتأمين الأرض والمقر، مؤكدين أن البنية الأساسية متوافرة، فيما أبدى عدد من أبناء البلدة استعدادهم لتقديم منازلهم أو أراضيهم لوضعها بتصرف الفاتيكان، في خطوة تعكس مستوى القلق الذي بلغ حدّ تحويل المبادرة إلى مشروع جاهز للتنفيذ فور صدور القرار.
ويؤكد رئيس بلدية رميش حنا العميل لـِ “المدن، أن الأمر لم يعد مطلبًا ظرفيًا، بل خيارًا إستراتيجيًا مرتبطًا ببقاء الناس في أرضهم. وقد كرّر هذا الموقف خلال زيارة السفير البابوي للبلدة، كما نقله وفد المجلس البلدي بشكل مباشر في مقر السفارة.
15 بلدة بين الحصار والبقاء
في خلفية هذا التحرك، قراءة واضحة للواقع الميداني والديموغرافي. من بنت جبيل إلى مرجعيون وصولًا إلى الزهراني، لا يتجاوز عدد القرى والبلدات المسيحية الصامدة نحو خمس عشرة بلدة، من رميش، عين إبل، دبل، القليعة، جديدة مرجعيون، إلى قرى الزهراني. هذه القرى، وفق توصيف مصادر كنسية ومحلية، تحوّلت إلى “جيوب ديموغرافية” معزولة نسبيًا، محاصرة في قلب المعارك الدائرة بين حزب الله وإسرائيل، تعيش تحت ضغط أمني دائم، وفي ظل غياب شبكة حماية رسمية فعالة، خصوصاً بعد أن أعاد الجيش اللبناني تموضع وحداته وانسحب إلى الخطوط الداخلية، تاركاً خلفه عدد من العناصر الذين يؤدون خدمات إجتماعية داخل تلك القرى والبلدات.
من جزين إلى رميش
لماذا يتطلع أبناء رميش كما عين إبل ودبل وغيرها من القرى المسيحية الصامدة إلى الفاتيكان ويؤمنون أنه يشكل خشبة خلاصهم؟ في الجواب على ذلك، يعرب أبناء هذه القرى عن شعور يتراوح بين التمسك بالأرض والخشية من تكرار سيناريوهات سابقة، لا سيما ما أعقب تهجير المسيحيين في حرب الجبل، كما لا ينسون تهجير شرق صيدا أو ساحل جزين، وصولًا إلى عزل قضاء جزين ذات الغالبية المسيحية. يومها، تدخّل البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1985، وأرسل المونسينيور Celestino Bouhegaz موفدًا بابويًا مقيمًا، في خطوة اعتُبرت عامل تثبيت أساسي منع استكمال تهجير أصحاب الارض.
هذا النموذج هو ما يستند إليه أهالي رميش ومعهم أبناء القرى والبلدات الصامدة في طلبهم الحالي. فهم لا يطالبون بحماية عسكرية، بل بحضور بابوي دائم يُشكّل “مظلّة معنوية دولية”، تكرّس فكرة أن هذه القرى تحت متابعة مباشرة من الفاتيكان، وهذا ما ينعكس، وفق تقديرهم، استقرارًا نفسيًا واجتماعيًا، ويشجّع على البقاء، بل وربما على عودة بعض العائلات التي غادرت خلال الفترة الماضية.
رسالة بلا جواب
في هذا السياق، تكشف مصادر متابعة أن جزءًا من الدوافع غير المعلنة لهذا الطلب يرتبط بمحاولة كسر الشعور بالعزلة والخوف من جعل تلك المنطقة خارج حدود الـ 10452 كلم مربع. إذ يشعر كثير من أبناء هذه المناطق بأنهم خارج أولويات الدولة، وأنهم يعيشون في منطقة تماس مفتوحة، وهذا ما يدفعهم إلى البحث عن مظلة خارجية ذات طابع روحي دولي، قادرة على إعادة إدراجهم ضمن خريطة الاهتمام.
على المستوى الكنسي، علمت “المدن” أن السفير البابوي نقل رسالة أبناء القرى الصامدة إلى البابا لاون الرابع عشر، كما نقل من البابا رسالة إلى الاهالي، مفادها أن الفاتيكان يتابع الوضع عن كثب، وأن المسيحيين في الجنوب غير متروكين، وأن هناك اهتمامًا مباشرًا ببقائهم في أرضهم. إلا أن الأهالي يرون أن هذه الرسائل، على أهميتها، تحتاج إلى ترجمة ميدانية، عبر وجود موفد دائم يُجسّد هذا الاهتمام على الأرض، وهم بالتالي لا يزالون بانتظار جواب الفاتيكان وقراره.
فالأوضاع الميدانية تزداد خطورة، وتلك القرى أصبحت معزولة، وكل محاولات فتح ممرات إنسانية إليها باءت بالفشل. فقد أُلغيت زيارة كانت مقررة إلى بلدة دبل، بعدما كان السفير البابوي يرافقه المطران الياس نصار ممثلًا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وصلا على رأس قافلة مساعدات إلى أطراف حداثا وانتظرا لساعات هناك، ومعهما إنتظر أهالي دبل المحاصرون، منذ ساعات الصباح، وهم بأمس الحاجة إلى الغذاء والدواء، والأهم إلى الشعور بأنهم غير متروكين. لكن القافلة عادت أدراجها بعد اشتداد القصف وإصابة عنصر فرنسي من قوات اليونيفيل إصابة طفيفة، ما يعكس مستوى المخاطر التي تحيط بهذه القرى.
في موازاة ذلك، يجري التحضير لزيارة يوم الاربعاء لرميش وعين إبل يقوم بها البطريرك الماروني والسفير البابوي. إلا أن مصادر بكركي أشارت لـِ “المدن” إلى أنَّ تثبيت الزيارة يبقى رهن التطورات الميدانية، خصوصًا بعد تعذر إكمال قافلة دبل طريقها.
بين واقع ميداني ضاغط، وذاكرة تاريخية حاضرة، ورهان على دور الفاتيكان، تبدو القرى المسيحية في الجنوب أمام مفترق حساس. فهل يترجم الاهتمام البابوي إلى خطوة عملية كما حصل في جزين قبل أربعة عقود؟ أم يبقى الحضور في إطار الرسائل، فيما يواصل الأهالي تمسّكهم بأرضهم على وقع القلق المفتوح؟










