إسرائيل لبري: امضِ

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
9 نيسان 2026

صبّت إسرائيل جحيمها على العاصمة بيروت ودائرة جغرافية واسعة، كما كان متوقعًا وفق سيل المؤشرات والرسائل الدولية والإسرائيلية، بتركيز قوة وبطش الآلة العسكرية للدولة العبرية على الجبهة اللبنانية فور حصول أي هدنة أو اتفاق على الساحة الإيرانية، وتحوّل لبنان من جبهة موازية إلى جبهة رئيسية، خصوصًا أنها تمنح نتنياهو القدرة على فرض نفسه شريكًا في أي تسوية بين واشنطن وطهران.

الأسوأ من ذلك، أن إسرائيل تمكّنت مرة جديدة من مفاجأة ميليشيا “حزب الله”، ومن يقف خلفها. فبينما بدأت الأخيرة بالترويج للانتصار المزعوم، وراح مؤثروها يحضون الناس على الرجوع إلى بلداتهم ومناطقهم، وعلى الرغم من التحذيرات الرسمية المتكررة من الوضعية الملتبسة، كانت الحكومة الإسرائيلية تضع اللمسات الأخيرة على موجة هجمات موسعة ومدمرة، تجاوزت 100 غارة في غضون 10 دقائق، ما تسبب بوقوع عدد كبير جدًا من الضحايا، وحدوث إرباك هائل على كافة المستويات.

لا ريب أن هذا الجحيم الإسرائيلي المصبوب يرمي إلى فرض واقع جديد، يشتمل على وضع السلطة اللبنانية تحت ضغط هائل، وجلبها إلى طاولة المفاوضات عارية من أي قدرة على المناورة. بيد أن ثمة خيطًا إسرائيليًا رفيعًا يبدو مرتبطًا مباشرة بالرئيس نبيه بري، حيث يصعب فصل تركيز الإعلام الإسرئيلي وبعض مراكز الأبحاث في الأيام الأخيرة الضوء على “حركة أمل” ورئيسها، عن بعض الضربات، ولا سيما في محيط “عين التينة”، والتي تمسي مكمّلة للرسالة المتوخاة إلى رئيس البرلمان بالذات. وكأن إسرائيل تبتغي القول لبري: امضِ.

وبينما يحاول صناع القرار إجراء اتصالات خارجية، ويبدون تمسكهم بالتفاوض كحلٍ وحيد متاح، فإن موقف لبنان يغدو أكثر حرجًا، إذ بالكاد تمكّن من إنقاذ “معبر المصنع”، بما يشكل من “شريان أبهر”، وربما لا يدوم الأمر. ذلك أن الشرط الشارط أميركيًا لفتح كوّة في جدار الأزمة هو موافقة الرئيس بري على منح المبادرة اللبنانية التفاوضية الغطاء الشيعي اللازم.

ومهما كان حجم الخسائر البشرية والجغرافية، فإن شروط التفاوض اليوم أفضل من الغد، والغد أفضل من بعده، في ضوء ما يحوزه نتنياهو من غطاء أميركي غير مسبوق. وهنا تجدر ملاحظة عدم صدور مواقف من القوى الدولية والعربية لتدعيم الموقف اللبناني، في ظل عدم استعداد أي جهة لتغطية ميليشيا “حزب الله”، خصوصًا في ظل استمرار الاستهداف الإيراني لدول الخليج العربي.

لا شكّ أن الرئيس بري يتعرض لضغوط إيرانية هائلة، غير أن السؤال المطروح إلى متى سيستمر على موقفه الراهن؟

فعلى الرغم من حرص رئيس الجمهورية على التأكيد على العلاقة القوية معه لما فيه مصلحة البلاد في هذه المرحلة المصيرية، إلا أن المعلومات تبيّن أن العلاقة بين “بعبدا” و “عين التينة” سيئة. والاتصال الذي أجراه سيدها برئيس البلاد للمعايدة بعيد الفصح لم يتجاوز الأطر البروتوكولية، وحينما قال الرئيس جوزاف عون لبري “خلينا نشوفك” رد الأخير “منشوف”.

بمعزل عن دور زعيم “حركة أمل” ومواقفه خلال المراحل السابقة، ثمة مسؤوليات وطنية وشيعية ملقاة على عاتقه. فهو بالتأكيد يرفض البقاء مكتوف اليدين إزاء النوازل التي تترى، ولا يرضى بأن يختم حياته السياسية بنكبة شيعية تتجلى يومًا بعد آخر. كلفة الصمت اليوم أعلى بكثير من كلفة التحرك. والتوقيع المطلوب منه راهنًا يبدو أخف وطأة من التوقيع على الاستسلام الكامل في ما بعد، وبشروط مذلة.

فهو يعرف تمامًا أن هناك قرارًا دوليًا كبيرًا بتفكيك منظومة “حزب الله”، وأن الورقة الوحيدة المتاحة أمام الدولة حتى اللحظة هي الحاجة إليها في تنفيذ هذا القرار، وسط معطيات قيد التداول في أورقة القرار حول حلول أخرى، تبدأ بـ “الفصل السابع” وقوة متعددة الجنسيات، والدور السوري، ولا تنتهي بإطلاق يد إسرائيل لبلوغ الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعلبك – الهرمل.

في موازاة ما تشتمل عليه هذه السيناريوات من تفكيك للجغرافيا وتفريغ للسيادة، وتفجير أزمات ديموغرافية يصعب توقع وحصر مداها. في حين أن الارتباط والتماهي مع نظام الملالي لن ينتج حلولًا أفضل. فالمسألة الإيرانية لم تنتهِ بعد.

لطالما برع الرئيس بري في السير وسط المعادلات وفرض نفسه كحاجة للجميع، وتحويل الخسائر السياسية إلى انتصارات، كما يفعل أي سياسي متمرس. واليوم تضع إسرائيل بدعم أميركي مفتاح كرة النار في يده: توقيع على خسائر يمكن تدويرها سياسيًا في ما بعد؟ أم على النكبة؟

إسرائيل لبري: امضِ

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
9 نيسان 2026

صبّت إسرائيل جحيمها على العاصمة بيروت ودائرة جغرافية واسعة، كما كان متوقعًا وفق سيل المؤشرات والرسائل الدولية والإسرائيلية، بتركيز قوة وبطش الآلة العسكرية للدولة العبرية على الجبهة اللبنانية فور حصول أي هدنة أو اتفاق على الساحة الإيرانية، وتحوّل لبنان من جبهة موازية إلى جبهة رئيسية، خصوصًا أنها تمنح نتنياهو القدرة على فرض نفسه شريكًا في أي تسوية بين واشنطن وطهران.

الأسوأ من ذلك، أن إسرائيل تمكّنت مرة جديدة من مفاجأة ميليشيا “حزب الله”، ومن يقف خلفها. فبينما بدأت الأخيرة بالترويج للانتصار المزعوم، وراح مؤثروها يحضون الناس على الرجوع إلى بلداتهم ومناطقهم، وعلى الرغم من التحذيرات الرسمية المتكررة من الوضعية الملتبسة، كانت الحكومة الإسرائيلية تضع اللمسات الأخيرة على موجة هجمات موسعة ومدمرة، تجاوزت 100 غارة في غضون 10 دقائق، ما تسبب بوقوع عدد كبير جدًا من الضحايا، وحدوث إرباك هائل على كافة المستويات.

لا ريب أن هذا الجحيم الإسرائيلي المصبوب يرمي إلى فرض واقع جديد، يشتمل على وضع السلطة اللبنانية تحت ضغط هائل، وجلبها إلى طاولة المفاوضات عارية من أي قدرة على المناورة. بيد أن ثمة خيطًا إسرائيليًا رفيعًا يبدو مرتبطًا مباشرة بالرئيس نبيه بري، حيث يصعب فصل تركيز الإعلام الإسرئيلي وبعض مراكز الأبحاث في الأيام الأخيرة الضوء على “حركة أمل” ورئيسها، عن بعض الضربات، ولا سيما في محيط “عين التينة”، والتي تمسي مكمّلة للرسالة المتوخاة إلى رئيس البرلمان بالذات. وكأن إسرائيل تبتغي القول لبري: امضِ.

وبينما يحاول صناع القرار إجراء اتصالات خارجية، ويبدون تمسكهم بالتفاوض كحلٍ وحيد متاح، فإن موقف لبنان يغدو أكثر حرجًا، إذ بالكاد تمكّن من إنقاذ “معبر المصنع”، بما يشكل من “شريان أبهر”، وربما لا يدوم الأمر. ذلك أن الشرط الشارط أميركيًا لفتح كوّة في جدار الأزمة هو موافقة الرئيس بري على منح المبادرة اللبنانية التفاوضية الغطاء الشيعي اللازم.

ومهما كان حجم الخسائر البشرية والجغرافية، فإن شروط التفاوض اليوم أفضل من الغد، والغد أفضل من بعده، في ضوء ما يحوزه نتنياهو من غطاء أميركي غير مسبوق. وهنا تجدر ملاحظة عدم صدور مواقف من القوى الدولية والعربية لتدعيم الموقف اللبناني، في ظل عدم استعداد أي جهة لتغطية ميليشيا “حزب الله”، خصوصًا في ظل استمرار الاستهداف الإيراني لدول الخليج العربي.

لا شكّ أن الرئيس بري يتعرض لضغوط إيرانية هائلة، غير أن السؤال المطروح إلى متى سيستمر على موقفه الراهن؟

فعلى الرغم من حرص رئيس الجمهورية على التأكيد على العلاقة القوية معه لما فيه مصلحة البلاد في هذه المرحلة المصيرية، إلا أن المعلومات تبيّن أن العلاقة بين “بعبدا” و “عين التينة” سيئة. والاتصال الذي أجراه سيدها برئيس البلاد للمعايدة بعيد الفصح لم يتجاوز الأطر البروتوكولية، وحينما قال الرئيس جوزاف عون لبري “خلينا نشوفك” رد الأخير “منشوف”.

بمعزل عن دور زعيم “حركة أمل” ومواقفه خلال المراحل السابقة، ثمة مسؤوليات وطنية وشيعية ملقاة على عاتقه. فهو بالتأكيد يرفض البقاء مكتوف اليدين إزاء النوازل التي تترى، ولا يرضى بأن يختم حياته السياسية بنكبة شيعية تتجلى يومًا بعد آخر. كلفة الصمت اليوم أعلى بكثير من كلفة التحرك. والتوقيع المطلوب منه راهنًا يبدو أخف وطأة من التوقيع على الاستسلام الكامل في ما بعد، وبشروط مذلة.

فهو يعرف تمامًا أن هناك قرارًا دوليًا كبيرًا بتفكيك منظومة “حزب الله”، وأن الورقة الوحيدة المتاحة أمام الدولة حتى اللحظة هي الحاجة إليها في تنفيذ هذا القرار، وسط معطيات قيد التداول في أورقة القرار حول حلول أخرى، تبدأ بـ “الفصل السابع” وقوة متعددة الجنسيات، والدور السوري، ولا تنتهي بإطلاق يد إسرائيل لبلوغ الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعلبك – الهرمل.

في موازاة ما تشتمل عليه هذه السيناريوات من تفكيك للجغرافيا وتفريغ للسيادة، وتفجير أزمات ديموغرافية يصعب توقع وحصر مداها. في حين أن الارتباط والتماهي مع نظام الملالي لن ينتج حلولًا أفضل. فالمسألة الإيرانية لم تنتهِ بعد.

لطالما برع الرئيس بري في السير وسط المعادلات وفرض نفسه كحاجة للجميع، وتحويل الخسائر السياسية إلى انتصارات، كما يفعل أي سياسي متمرس. واليوم تضع إسرائيل بدعم أميركي مفتاح كرة النار في يده: توقيع على خسائر يمكن تدويرها سياسيًا في ما بعد؟ أم على النكبة؟

مزيد من الأخبار