ما قصة وثائق تسهيل المرور التي وجدت في حقيبة عراقجي؟

الكاتب: دنيز رحمة فخري | المصدر: اندبندنت عربية
9 نيسان 2026

واقعة إدخال وزير خارجية ايران عباس عراقجي خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان في يناير (كانون الثاني) الماضي حقيبة دبلوماسية تحوي عدداً كبيراً من وثائق “تسهيل مرور”، تكتسب أبعاداً استثنائية ولا سيما في ضوء جملة من التطورات المتشابكة تصب في اتجاه تأكيد تدخل ايران في شؤون لبنان وتسليح ودعم “حزب الله”، خلافاً لقرار حكومة الرئيس نواف سلام بحظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، ورفضها جرّ لبنان إلى حرب لم يخترها، وانتشار الحرس الثوري على الأراضي اللبنانية.

في عالم الدبلوماسية لا شيء يحدث بالصدفة، فكل وثيقة تُحمل وكلُ جواز يُبرز وكل حقيبة تُفتح أمام ضابط الجوازات، وإنما هي رسائل مكتوبة بلغة صامتة يفهمها فقط المتخصصون، ولهذا فإن حيازة وزير خارجية دولة لدى زيارته دولة أخرى حقيبة دبلوماسية تحوي عدداً كبيراً من وثائق المرور الدولية المعروفة بـ (Laissez-Passer) يتخطى

بكثير حدود السفر العادي ليدخل في دهاليز أعمق وأخطر، فواقعة إدخال وزير خارجية ايران عباس عراقجي خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان في يناير (كانون الثاني) الماضي حقيبة دبلوماسية تحوي عدداً كبيراً من وثائق “تسهيل المرور”، تكتسب أبعاداً استثنائية ولا سيما في ضوء جملة من التطورات المتشابكة التي تصب في اتجاه تأكيد تدخل ايران في شؤون لبنان، وتسليح ودعم “حزب الله”، خلافاً لقرار حكومة الرئيس نواف سلام بحظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، ورفضها جرّ لبنان إلى حرب لم يخترها، وانتشار الحرس الثوري على الأراضي اللبنانية، وهو ما أكدته عمليات الاغتيال الإسرائيلية التي طاولت شخصيات إيرانية في لبنان خلال الحرب الحالية.

من نانسن إلى وثيقة الأمم المتحدة

بطاقات “تسهيل المرور” التي تعرف عالمياً بعبارة  (Laissez-Passser) الفرنسية والتي تعني حرفياً ” دعه يمر”، هي وثيقة سفر رسمية تصدرها حكومة أو منظمة دولية تتيح لحاملها عبور الحدود حين يتعذر عليه الاعتماد على جواز سفره الوطني أو يكون غير كاف، ولا يوجد تاريخ واحد دقيق لصدور “أول بطاقة تسهيل مرور” بشكلها المعروف اليوم، لأن فكرة تسهيل المرور وجدت منذ زمن وتطورت تدريجياً عبر التاريخ؟

لكن بعض التقارير ترصد أن بدايات تعرّف التاريخ الحديث على هذه الوثيقة كان في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914-1918) حين وُلدت من رحم أزمة إنسانية حادة، فحين جرّد الاتحاد السوفياتي السابق ملايين الروس من جنسيتهم وجد هؤلاء أنفسهم عالقين بين الحدود بلا هوية تُثبت وجودهم ولا وثيقة تُتيح لهم التنقل، وأمام هذا الواقع المأسوي ابتكر النروجي فريدتيوف نانسن عام 1922، بصفته المفوض السامي للاجئين في عصبة الأمم، وثيقة باتت تُعرف بـ “جواز نانسن”، وقد اعترفت بها أكثر من 50 دولة فأتاحت لنحو 450 ألف شخص من فاقدي الجنسية استعادة حق التنقل وإعادة بناء حياتهم من جديد، ومن بينهم مبدعون كبار مثل الموسيقار إيغور سترافينسكي والفنان مارك شاغال.

ومع قيام الأمم المتحدة عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقل هذا الإرث الإنساني إلى إطار مؤسسي أكثر انضباطاً وتنظيماً، فبموجب المادة السابعة من “اتفاق امتيازات وحصانات الأمم المتحدة” لعام 1946، باتت المنظمة الدولية تصدر وثيقة مرور خاصة بموظفيها، بغلاف أزرق للموظفين العاديين، وأحمر لكبار المسؤولين من مستوى المدير الثاني فما فوق، ولا تُمنح هذه الوثيقة إلا لتغطية سفر رسمي تموله المنظمة، وتبقى سارية المفعول مدة أقصاها خمسة أعوام.​​

من يستخدم هذه الوثيقة؟

في إطارها الطبيعي والمشروع تُصدر وثيقة المرور لموظفي منظمات دولية عريقة مثل “منظمة الصحة العالمية” و”الوكالة الدولية للطاقة الذرية” و”صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” و”منظمة التجارة العالمية”، وكذلك يصدر الاتحاد الأوروبي نسخة خاصة لموظفيه معتمدة في أكثر من 100 دولة، بهدف تسهيل تنقلهم ومرورهم والقيام بمهماتهم، أما القاسم المشترك في كل هذه الحالات فهو أن الشخص الحامل للوثيقة يؤدي مهمة دولية رسمية، وهويته مسجلة في أنظمة معتمدة وتنقلاته خاضعة للرقابة المؤسسية.

غير أن للوثيقة وجهاً آخر برز تاريخياً في سياقات استثنائية، ففي مطلع الخمسينيات وبعد قيام دولة إسرائيل عام 1948،  أسقطت الحكومة العراقية الجنسية عن المواطنين اليهود البالغ عددهم 120 ألفاً وأجازت لهم المغادرة في مقابل التخلي عن جنسيتهم، وحينها لجأت إلى وثيقة المرور التي تسمح لهم بمغادرة الأراضي العراقية من دون العودة لها، إذ لم يعد بمقدورها إصدار جوازات سفر وطنية لهم، وبعدها بعقود، وتحديداً مع انتشار فيروس كورونا عام 2019، وظّفت القنصليات الفرنسية هذه الوثيقة لمن يحق لهم السفر لأسباب إنسانية ضمن قيود التنقل الصارمة، والجامع بين كل الحالات الضرورة الاستثنائية لا التخطيط الممنهج.

وهناك مثال آخر على استخدام وثيقة “تسهيل المرور”، فكانت مسألة الإفراج عن اللبناني جورج عبدالله قبل أشهر بعدما أمضى عقوداً في السجون الفرنسية، فقد غادر فرنسا ببطاقة تسهيل مرور لأنه لم يكن يمتلك جواز سفر لبناني صالح يسمح له بعبور الحدود بين الدول وصولاً إلى الأراضي اللبنانية.

حقيبة عراقجي الدبلوماسية: ثلاثة تفسيرات

في الثامن من يناير الماضي حطّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رحاله في بيروت ضمن زيارة لم يكن عنوانها وحده مثار استغراب، فالهدف المُعلن للزيارة كان تعزيز العلاقات الاقتصادية مع لبنان وبناء شراكات جديدة معه، في حين كانت شوارع طهران تشهد في الوقت ذاته احتجاجات شعبية واسعة على تردي الأوضاع الاقتصادية والمالية داخل البلاد، مما جعل هذا التوقيت لافتاً بحد ذاته، غير أن ما فجّر الشكوك حول الغاية الحقيقية من هذه الزيارة لم يكن توقيتها وحسب، بل ما كشفته مصادر أمنية عن اتخاذ قرار بفتح حقيبة دبلوماسية كانت بحوزة عراقجي، بعدما تبين، وفق معلومات خاصة حصلت عليها “اندبندنت عربية”، أنه لم يسجلها وفق الإجراءات المعمول بها للحقائب الدبلوماسية التي تستوجب تسجيلاً مسبقاً يعفيها من التدقيق، وحين فُتحت الحقيبة عُثر بداخلها على عدد كبير من وثائق تسهيل المرور، فأثار هذا الاكتشاف تساؤلات جوهرية عمن كان عراقجي ينوي توزيع هذه الوثائق عليهم، وما الغرض من حملها بهذه الكميات، وقد رصد محللون وخبراء في الشأن الإيراني ثلاثة تفسيرات محتملة، يزداد كل منها خطورة على الآخر.

في التفسير الأول يرى المحللون أن طهران سعت من خلال إدخال هذه الوثائق لبيروت إلى التملص من العقوبات الدولية المفروضة على عدد من مسؤوليها وعناصرها المدرجين على قوائم تحظر تنقلاتهم وتُجمد أصولهم، وبطاقة تسهيل المرور بطبيعتها لا تُشير إلى جنسية حاملها مما يصعب التعرف إليه عند المعابر الحدودية، ويُضعف فاعلية منظومات المراقبة الدولية.

أما الاحتمال الثاني فيذهب إلى أن الوثائق كانت مُعدّة للتوزيع على أفراد موجودين أصلاً في لبنان بهدف منحهم حرية التنقل تحت هويات لا تكشف انتماءاتهم الحقيقية، وإذا كان هؤلاء الأفراد ينتمون إلى “حزب الله” أو الحرس الثوري الإيراني فإن المشهد يكشف عن بنية تحتية منظمة للتنقل السري، مبنية على وثائق تحمل مظهراً قانونياً وتُخفي في طياتها أهدافاً غير مشروعة.

والتفسير الثالث فيدور حول سؤال جوهري طرحه متابعون في الكواليس، وهو “هل هذه الوثائق غير أصيلة؟ أي ليست صادرة عن منظمات دولية؟ أم صادرة عن الخارجية الإيرانية ولكنها تستعمل في غير مكانها؟”، وإذا ثبت أحد هذين الاحتمالين وجرى تصديق هذه الوثائق في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، فهذا يعني أن جهة ما نجحت في اختراق المنظومة الرسمية اللبنانية لختم وثائق المرور الدولية وتوظيفها لخدمة أجندات خفية.

ويشار هنا إلى أنه وعلى رغم نشر تقارير صحافية عدة، ومن ضمنها في “اندبندنت عربية”، تتحدث عن قضية الحقيبة التي كانت تحوي بطاقات تسهيل مرور بحوزة الوزير عراقجي قبل أشهر، لكن الأجهزة الأمنية اللبنانية أو الجهات المعينة لم تصدر أي بيان نفي أو توضيح، ولا حتى وزارة الخارجية الإيرانية.

حين تتحول وثيقة المرور إلى أداة نفوذ

يؤكد مصدر دبلوماسي أن من حق كل دولة عبر وزارة خارجيتها إصدار وثائق تسهيل المرور، وكثيراً ما تكون لهذه الوثائق دواع أمنية وتختلف إلى حد ما عن تلك التي تصدر عن المنظمات الأممية، وعلى مبدأ المعاملة بالمثل فإن دور لبنان وأجهزته الأمنية يقتصر على التحقق من رسمية هذه الوثيقة وصدورها عن سلطة معترف بها، من دون أن يكون بمقدورهم رفضها أو منع حاملها من دخول الأراضي اللبنانية والتنقل فيها، غير أن ثمة حداً فاصلاً لا يمكن تجاوزه، إذ يحظر “اتفاق فيينا” عام 1961 للعلاقات الدبلوماسية على البعثات الأجنبية التدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة تدخلاً صريحاً لا لبس فيه، ومن ثم فإن توزيع وثائق تسهيل المرور سراً على مواطنين أو شخصيات في جماعات مسلحة داخل تلك الدولة يشكل خرقاً جلياً لهذا المبدأ لا يحتمل التأويل.

وفي هذا السياق لا يمكن فصل هذا الموضوع عن السجل الإيراني الموثق في توظيف الغطاء الدبلوماسي لأغراض تتخطى حدود العمل الدبلوماسي المشروع، فقد كشفت تجارب سابقة عدة أن طهران لجأت إلى تسجيل عناصر من الحرس الثوري الإيراني بصفات دبلوماسية، في مخالفة صريحة لروح “اتفاق فيينا” ومبدأ حسن النية الذي يقوم عليه العمل الدبلوماسي، وهو ما يجعل أي وثيقة مرور صادرة عن الجانب الإيراني محل شك مشروع، ولا سيما حين يتعلق الأمر بأفراد لا تنطبق عليهم معايير العمل الدبلوماسي الحقيقي، بل يحملون صفته ذريعة للتحرك بحرية خارج نطاق الرقابة القانونية، ومن هنا فإن الإشكال اللبناني لا يكمن فقط في طبيعة وثيقة المرور ذاتها بل في هوية الجهة المُصدرة وسجلّها في استخدام الامتيازات الدبلوماسية ستاراً لتمرير أجندات أمنية واستخباراتية داخل دول المنطقة.

ما قصة وثائق تسهيل المرور التي وجدت في حقيبة عراقجي؟

الكاتب: دنيز رحمة فخري | المصدر: اندبندنت عربية
9 نيسان 2026

واقعة إدخال وزير خارجية ايران عباس عراقجي خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان في يناير (كانون الثاني) الماضي حقيبة دبلوماسية تحوي عدداً كبيراً من وثائق “تسهيل مرور”، تكتسب أبعاداً استثنائية ولا سيما في ضوء جملة من التطورات المتشابكة تصب في اتجاه تأكيد تدخل ايران في شؤون لبنان وتسليح ودعم “حزب الله”، خلافاً لقرار حكومة الرئيس نواف سلام بحظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، ورفضها جرّ لبنان إلى حرب لم يخترها، وانتشار الحرس الثوري على الأراضي اللبنانية.

في عالم الدبلوماسية لا شيء يحدث بالصدفة، فكل وثيقة تُحمل وكلُ جواز يُبرز وكل حقيبة تُفتح أمام ضابط الجوازات، وإنما هي رسائل مكتوبة بلغة صامتة يفهمها فقط المتخصصون، ولهذا فإن حيازة وزير خارجية دولة لدى زيارته دولة أخرى حقيبة دبلوماسية تحوي عدداً كبيراً من وثائق المرور الدولية المعروفة بـ (Laissez-Passer) يتخطى

بكثير حدود السفر العادي ليدخل في دهاليز أعمق وأخطر، فواقعة إدخال وزير خارجية ايران عباس عراقجي خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان في يناير (كانون الثاني) الماضي حقيبة دبلوماسية تحوي عدداً كبيراً من وثائق “تسهيل المرور”، تكتسب أبعاداً استثنائية ولا سيما في ضوء جملة من التطورات المتشابكة التي تصب في اتجاه تأكيد تدخل ايران في شؤون لبنان، وتسليح ودعم “حزب الله”، خلافاً لقرار حكومة الرئيس نواف سلام بحظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، ورفضها جرّ لبنان إلى حرب لم يخترها، وانتشار الحرس الثوري على الأراضي اللبنانية، وهو ما أكدته عمليات الاغتيال الإسرائيلية التي طاولت شخصيات إيرانية في لبنان خلال الحرب الحالية.

من نانسن إلى وثيقة الأمم المتحدة

بطاقات “تسهيل المرور” التي تعرف عالمياً بعبارة  (Laissez-Passser) الفرنسية والتي تعني حرفياً ” دعه يمر”، هي وثيقة سفر رسمية تصدرها حكومة أو منظمة دولية تتيح لحاملها عبور الحدود حين يتعذر عليه الاعتماد على جواز سفره الوطني أو يكون غير كاف، ولا يوجد تاريخ واحد دقيق لصدور “أول بطاقة تسهيل مرور” بشكلها المعروف اليوم، لأن فكرة تسهيل المرور وجدت منذ زمن وتطورت تدريجياً عبر التاريخ؟

لكن بعض التقارير ترصد أن بدايات تعرّف التاريخ الحديث على هذه الوثيقة كان في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914-1918) حين وُلدت من رحم أزمة إنسانية حادة، فحين جرّد الاتحاد السوفياتي السابق ملايين الروس من جنسيتهم وجد هؤلاء أنفسهم عالقين بين الحدود بلا هوية تُثبت وجودهم ولا وثيقة تُتيح لهم التنقل، وأمام هذا الواقع المأسوي ابتكر النروجي فريدتيوف نانسن عام 1922، بصفته المفوض السامي للاجئين في عصبة الأمم، وثيقة باتت تُعرف بـ “جواز نانسن”، وقد اعترفت بها أكثر من 50 دولة فأتاحت لنحو 450 ألف شخص من فاقدي الجنسية استعادة حق التنقل وإعادة بناء حياتهم من جديد، ومن بينهم مبدعون كبار مثل الموسيقار إيغور سترافينسكي والفنان مارك شاغال.

ومع قيام الأمم المتحدة عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقل هذا الإرث الإنساني إلى إطار مؤسسي أكثر انضباطاً وتنظيماً، فبموجب المادة السابعة من “اتفاق امتيازات وحصانات الأمم المتحدة” لعام 1946، باتت المنظمة الدولية تصدر وثيقة مرور خاصة بموظفيها، بغلاف أزرق للموظفين العاديين، وأحمر لكبار المسؤولين من مستوى المدير الثاني فما فوق، ولا تُمنح هذه الوثيقة إلا لتغطية سفر رسمي تموله المنظمة، وتبقى سارية المفعول مدة أقصاها خمسة أعوام.​​

من يستخدم هذه الوثيقة؟

في إطارها الطبيعي والمشروع تُصدر وثيقة المرور لموظفي منظمات دولية عريقة مثل “منظمة الصحة العالمية” و”الوكالة الدولية للطاقة الذرية” و”صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” و”منظمة التجارة العالمية”، وكذلك يصدر الاتحاد الأوروبي نسخة خاصة لموظفيه معتمدة في أكثر من 100 دولة، بهدف تسهيل تنقلهم ومرورهم والقيام بمهماتهم، أما القاسم المشترك في كل هذه الحالات فهو أن الشخص الحامل للوثيقة يؤدي مهمة دولية رسمية، وهويته مسجلة في أنظمة معتمدة وتنقلاته خاضعة للرقابة المؤسسية.

غير أن للوثيقة وجهاً آخر برز تاريخياً في سياقات استثنائية، ففي مطلع الخمسينيات وبعد قيام دولة إسرائيل عام 1948،  أسقطت الحكومة العراقية الجنسية عن المواطنين اليهود البالغ عددهم 120 ألفاً وأجازت لهم المغادرة في مقابل التخلي عن جنسيتهم، وحينها لجأت إلى وثيقة المرور التي تسمح لهم بمغادرة الأراضي العراقية من دون العودة لها، إذ لم يعد بمقدورها إصدار جوازات سفر وطنية لهم، وبعدها بعقود، وتحديداً مع انتشار فيروس كورونا عام 2019، وظّفت القنصليات الفرنسية هذه الوثيقة لمن يحق لهم السفر لأسباب إنسانية ضمن قيود التنقل الصارمة، والجامع بين كل الحالات الضرورة الاستثنائية لا التخطيط الممنهج.

وهناك مثال آخر على استخدام وثيقة “تسهيل المرور”، فكانت مسألة الإفراج عن اللبناني جورج عبدالله قبل أشهر بعدما أمضى عقوداً في السجون الفرنسية، فقد غادر فرنسا ببطاقة تسهيل مرور لأنه لم يكن يمتلك جواز سفر لبناني صالح يسمح له بعبور الحدود بين الدول وصولاً إلى الأراضي اللبنانية.

حقيبة عراقجي الدبلوماسية: ثلاثة تفسيرات

في الثامن من يناير الماضي حطّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رحاله في بيروت ضمن زيارة لم يكن عنوانها وحده مثار استغراب، فالهدف المُعلن للزيارة كان تعزيز العلاقات الاقتصادية مع لبنان وبناء شراكات جديدة معه، في حين كانت شوارع طهران تشهد في الوقت ذاته احتجاجات شعبية واسعة على تردي الأوضاع الاقتصادية والمالية داخل البلاد، مما جعل هذا التوقيت لافتاً بحد ذاته، غير أن ما فجّر الشكوك حول الغاية الحقيقية من هذه الزيارة لم يكن توقيتها وحسب، بل ما كشفته مصادر أمنية عن اتخاذ قرار بفتح حقيبة دبلوماسية كانت بحوزة عراقجي، بعدما تبين، وفق معلومات خاصة حصلت عليها “اندبندنت عربية”، أنه لم يسجلها وفق الإجراءات المعمول بها للحقائب الدبلوماسية التي تستوجب تسجيلاً مسبقاً يعفيها من التدقيق، وحين فُتحت الحقيبة عُثر بداخلها على عدد كبير من وثائق تسهيل المرور، فأثار هذا الاكتشاف تساؤلات جوهرية عمن كان عراقجي ينوي توزيع هذه الوثائق عليهم، وما الغرض من حملها بهذه الكميات، وقد رصد محللون وخبراء في الشأن الإيراني ثلاثة تفسيرات محتملة، يزداد كل منها خطورة على الآخر.

في التفسير الأول يرى المحللون أن طهران سعت من خلال إدخال هذه الوثائق لبيروت إلى التملص من العقوبات الدولية المفروضة على عدد من مسؤوليها وعناصرها المدرجين على قوائم تحظر تنقلاتهم وتُجمد أصولهم، وبطاقة تسهيل المرور بطبيعتها لا تُشير إلى جنسية حاملها مما يصعب التعرف إليه عند المعابر الحدودية، ويُضعف فاعلية منظومات المراقبة الدولية.

أما الاحتمال الثاني فيذهب إلى أن الوثائق كانت مُعدّة للتوزيع على أفراد موجودين أصلاً في لبنان بهدف منحهم حرية التنقل تحت هويات لا تكشف انتماءاتهم الحقيقية، وإذا كان هؤلاء الأفراد ينتمون إلى “حزب الله” أو الحرس الثوري الإيراني فإن المشهد يكشف عن بنية تحتية منظمة للتنقل السري، مبنية على وثائق تحمل مظهراً قانونياً وتُخفي في طياتها أهدافاً غير مشروعة.

والتفسير الثالث فيدور حول سؤال جوهري طرحه متابعون في الكواليس، وهو “هل هذه الوثائق غير أصيلة؟ أي ليست صادرة عن منظمات دولية؟ أم صادرة عن الخارجية الإيرانية ولكنها تستعمل في غير مكانها؟”، وإذا ثبت أحد هذين الاحتمالين وجرى تصديق هذه الوثائق في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، فهذا يعني أن جهة ما نجحت في اختراق المنظومة الرسمية اللبنانية لختم وثائق المرور الدولية وتوظيفها لخدمة أجندات خفية.

ويشار هنا إلى أنه وعلى رغم نشر تقارير صحافية عدة، ومن ضمنها في “اندبندنت عربية”، تتحدث عن قضية الحقيبة التي كانت تحوي بطاقات تسهيل مرور بحوزة الوزير عراقجي قبل أشهر، لكن الأجهزة الأمنية اللبنانية أو الجهات المعينة لم تصدر أي بيان نفي أو توضيح، ولا حتى وزارة الخارجية الإيرانية.

حين تتحول وثيقة المرور إلى أداة نفوذ

يؤكد مصدر دبلوماسي أن من حق كل دولة عبر وزارة خارجيتها إصدار وثائق تسهيل المرور، وكثيراً ما تكون لهذه الوثائق دواع أمنية وتختلف إلى حد ما عن تلك التي تصدر عن المنظمات الأممية، وعلى مبدأ المعاملة بالمثل فإن دور لبنان وأجهزته الأمنية يقتصر على التحقق من رسمية هذه الوثيقة وصدورها عن سلطة معترف بها، من دون أن يكون بمقدورهم رفضها أو منع حاملها من دخول الأراضي اللبنانية والتنقل فيها، غير أن ثمة حداً فاصلاً لا يمكن تجاوزه، إذ يحظر “اتفاق فيينا” عام 1961 للعلاقات الدبلوماسية على البعثات الأجنبية التدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة تدخلاً صريحاً لا لبس فيه، ومن ثم فإن توزيع وثائق تسهيل المرور سراً على مواطنين أو شخصيات في جماعات مسلحة داخل تلك الدولة يشكل خرقاً جلياً لهذا المبدأ لا يحتمل التأويل.

وفي هذا السياق لا يمكن فصل هذا الموضوع عن السجل الإيراني الموثق في توظيف الغطاء الدبلوماسي لأغراض تتخطى حدود العمل الدبلوماسي المشروع، فقد كشفت تجارب سابقة عدة أن طهران لجأت إلى تسجيل عناصر من الحرس الثوري الإيراني بصفات دبلوماسية، في مخالفة صريحة لروح “اتفاق فيينا” ومبدأ حسن النية الذي يقوم عليه العمل الدبلوماسي، وهو ما يجعل أي وثيقة مرور صادرة عن الجانب الإيراني محل شك مشروع، ولا سيما حين يتعلق الأمر بأفراد لا تنطبق عليهم معايير العمل الدبلوماسي الحقيقي، بل يحملون صفته ذريعة للتحرك بحرية خارج نطاق الرقابة القانونية، ومن هنا فإن الإشكال اللبناني لا يكمن فقط في طبيعة وثيقة المرور ذاتها بل في هوية الجهة المُصدرة وسجلّها في استخدام الامتيازات الدبلوماسية ستاراً لتمرير أجندات أمنية واستخباراتية داخل دول المنطقة.

مزيد من الأخبار