القصّة الكاملة: كيف أقنع نتنياهو ترامب بدخول الحرب؟

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
10 نيسان 2026

كانت نقطة التحوّل خلال اجتماع محدود وسرّيّ جدّاً في البيت الأبيض في 11 شباط، قدّم فيه رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو للرئيس الأميركيّ عرضاً مفصّلاً يدعو إلى شنّ هجوم عسكريّ مشترك بين الولايات المتّحدة وإسرائيل ضدّ إيران.

 

بحسب مراسلَين لصحيفة “نيويورك تايمز” في البيت الأبيض وضعا تقارير وأجريا مقابلات ستكون في كتاب مشترك سيصدر قريباً بعنوان “تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطوريّة لدونالد ترامب”، عُقد الاجتماع في غرفة العمليّات بالبيت الأبيض التي نادراً ما تُستخدم لعقد اجتماعات شخصيّة مع القادة الأجانب. لم يجلس ترامب في موقعه المعتاد على رأس طاولة الاجتماعات، بل على أحد جانبيها مواجهاً شاشات كبيرة مثبتة على الجدار. وجلس نتنياهو مقابل الرئيس مباشرة، وخلفه شاشة كبيرة ظهر عليها مدير الموساد ديفيد برنيع، إلى جانب بعض القادة العسكريّين الإسرائيليّين، فبدوا وكأنّهم فريق عسكريّ يحيط بقائده في زمن الحرب.

من الجانب الأميركيّ، كان الحضور “محدوداً عمداً لتجنّب التسريبات”، وضمّ كبيرة موظّفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ووزيرَي الخارجيّة والدفاع ماركو روبيو وبيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، ومدير وكالة الاستخبارات المركزيّة جون راتكليف. حضر أيضاً جاريد كوشنر، صهر الرئيس، وستيف ويتكوف، المبعوث الخاصّ لترامب، الذي كان يتفاوض مع الإيرانيّين. غاب عنه نائب الرئيس جي دي فانس لوجوده في أذربيجان، بينما لم يكن وزراء آخرون بارزون في الحكومة على علم بانعقاده.

وفقاً لتقرير المراسلَين، أكّد العرض الذي قدّمه نتنياهو خلال الاجتماع أنّ إيران في وضع ضعيف، وأنّ ضربة أميركيّة إسرائيليّة مشتركة حاسمة قد تؤدّي إلى نصر شبه مؤكّد. قال نتنياهو إنّ البرنامج الصاروخيّ الإيرانيّ يمكن تدميره خلال أسابيع، وإنّ النظام سيضعف إلى حدّ يمنعه من تعطيل طرق النفط العالميّة الرئيسة مثل مضيق هرمز، واحتمال ردّ إيران بضرب مصالح أميركيّة سيكون محدوداً. أشار أيضاً إلى معلومات لجهاز الموساد عن إمكانيّة اندلاع احتجاجات داخليّة تؤدّي إلى تغيير النظام، وخاصّة إذا دعمتها عمليّات استخباريّة إسرائيليّة وتحرّكات من مقاتلين أكراد إيرانيّين عبر الحدود من العراق لفتح جبهة برّيّة في الشمال الغربيّ، وهو ما يزيد الضغط على قوّات النظام ويُسرّع انهياره. لتعزيز هذه الرؤية، استخدم نتنياهو مقاطع فيديو لإظهار بدائل قياديّة محتملة بعد سقوط النظام، أبرزها رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران.

كانت الرسالة واضحة: حملة عسكريّة مشتركة يمكن أن تُسقط القيادة الإيرانيّة وتعيد تشكيل البلاد.

عبّر ترامب عن إعجابه بالخطط العسكريّة وبالقدرات التي عرضها نتنياهو، وأكّد أنّه يرى ضرورة التحرّك الآن قبل أن تتمكّن إيران من تعزيز قدراتها النوويّة والصاروخيّة، واعتبر أنّ المخاطر الناتجة عن عدم التحرّك أكبر من المخاطر المرتبطة بالضربة نفسها، مؤكّداً ثقته بأنّ الحرب ستكون خاطفة وسريعة.

في اليوم التالي، عُقد اجتماع آخر في غرفة العمليّات بحضور المسؤولين الأميركيّين فقط لعرض تقويمات الاستخبارات الأميركيّة لخطّة نتنياهو. قسّموا أهداف خطّة نتنياهو إلى أربعة: الأوّل قطع الرأس، أي قتل المرشد الأعلى. ثانياً شلّ قدرة إيران على إظهار القوّة وتهديد جيرانها. ثالثاً إشعال الانتفاضة الشعبيّة داخل إيران. الرابع كان تغيير النظام، مع تنصيب زعيم علمانيّ ليحكم البلاد. خلصوا إلى أنّ الهدفين الأوّلين قابلان للتحقيق بالاستخبارات الأميركيّة والقوّة العسكريّة، لكنّ الهدفين الثالث والرابع منفصلان عن الواقع.

وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزيّة السيناريوات المتعلّقة بتغيير النظام بأنّها “هزليّة”، فيما وصف روبيو الأهداف بأنّها عبارة عن “هراء”. أعرب فانس، الذي عاد من أذربيجان، أيضاً عن شكوك قويّة في احتمال تغيير النظام. أمّا الجنرال كين فأجاب على سؤال ترامب له عن رأيه بالقول: “حسب تجربتي، هذا هو أسلوب العمل المعتاد للإسرائيليّين. إنّهم يبالغون في عرض الأمور، وخططهم ليست دائماً متطوّرة بشكل جيّد. هم يعلمون أنّهم بحاجة إلينا، ولهذا يضغطون بشدّة”.

كانت لدى الجنرال كين مخاوف جدّيّة بشأن الحرب مع إيران، وكان قلقاً من أن تستنزف حملة كبيرة ضدّ إيران بشكل كبير مخزونات الأسلحة الأميركيّة، بما في ذلك الصواريخ الاعتراضيّة، التي تقلّصت إمداداتها بعد سنوات من الدعم لأوكرانيا وإسرائيل. أشار إلى الصعوبة الهائلة في تأمين مضيق هرمز ومخاطر إغلاق إيران له. رفض ترامب هذا الاحتمال على افتراض أنّ النظام سيستسلم قبل أن يصل إلى ذلك، وأنّ الحرب ستكون سريعة جدّاً. بدا أنّه مهتم بتحقيق الهدفين الأول والثاني: اغتيال المرشد الأعلى وكبار قادة إيران، وتفكيك الجيش الإيراني. قال إنّ تغيير النظام سيكون “مشكلتهم”. ولم يكن واضحاً ما إذا كان يقصد الإسرائيليّين أم الشعب الإيرانيّ.

فانس أكثر المعارضين

داخل الإدارة الداخليّة لترامب، كانت الآراء منقسمة: دعم وزير الدفاع بيت هيغسيث العمل العسكريّ بقوّة، معتبراً أنّ المواجهة مع إيران حتميّة. أمّا روبيو فكان أكثر حذراً، مفضّلاً استمرار الضغط الاقتصاديّ، لكنّه لم يعارض القرار في النهاية. وكذلك رئيسة موظّفي البيت الأبيض سوزي وايلز، على الرغم من قلقها من العواقب السياسيّة والاقتصاديّة.

كان نائب الرئيس جي دي فانس أبرز المعارضين، معتبراً أنّ حرباً واسعة النطاق ستستنزف الموارد الأميركيّة وقد تؤدّي إلى فوضى إقليميّة وخسائر بشريّة كبيرة، وقد تهدّد التحالفات السياسيّة الداخليّة وتضرّ بصدقيّة الإدارة، وخصوصاً قبل الانتخابات النصفيّة. قال إنّ الحرب ضدّ نظام يتمتّع بإرادة هائلة للبقاء قد تجعل الولايات المتّحدة في وضع أسوأ بكثير في ما يتعلّق بخوض الصراعات لعدّة سنوات، إذ “لا يمكن لأيّ قدر من البصيرة العسكريّة أن يقيس حقّاً ما ستفعله إيران ردّاً على ذلك عندما يكون بقاء النظام على المحكّ. يمكن للحرب أن تسير بسهولة في اتّجاهات غير متوقّعة. هناك فرصة ضئيلة لبناء إيران مسالمة في أعقاب ذلك”.

أشار فانس إلى المخاطر الاستراتيجيّة المتعلّقة بمضيق هرمز والردّ الإيرانيّ المحتمل. لقد امتلكت إيران الأفضليّة عندما يتعلّق الأمر بمضيق هرمز. إذا تمّ خنق هذا الممرّ المائيّ الضيّق الذي يحمل كميّات هائلة من النفط والغاز الطبيعيّ، سوف تكون العواقب الداخليّة في الولايات المتّحدة وخيمة، بدءاً بارتفاع أسعار البنزين. لكن على الرغم من معارضته، أدرك فانس أنّ ترامب قد يمضي قدماً، فحاول التأثير على الاستراتيجية عبر الدعوة إلى ضربات محدودة أو استخدام قوّة ساحقة لتحقيق أهداف سريعة.

على الرغم من التحذيرات، ظلّ ترامب مهتمّاً بتحقيق الأهداف العسكريّة الأساسيّة، خاصّة القضاء على القيادة الإيرانيّة وإضعاف الجيش. من بين جميع تحدّيات السياسة الخارجيّة التي واجهها ترامب عبر ولايتين رئاسيّتين، كانت إيران حالة مختلفة. لقد اعتبرها خصماً خطِراً على نحو استثنائيّ، وكان مستعدّاً لتحمّل مخاطر كبيرة من أجل إعاقة قدرة النظام على خوض الحروب أو امتلاك سلاح نوويّ. انسجم طرح نتنياهو مع رغبة ترامب في تفكيك النظام الدينيّ في إيران، إذ يمكن أن يصبح أوّل رئيس ينجح في تحقيق تغيير النظام في إيران، إلى جانب دافع إضافيّ يتمثّل في أنّ إيران كانت قد خطّطت لاغتيال ترامب انتقاماً لمقتل الجنرال قاسم سليماني في 2020، الذي اعتُبر في الولايات المتّحدة قوّة دافعة وراء حملة إيرانيّة من الإرهاب الدوليّ. كانت هناك قوّة دفع إضافيّة تعزّز ثقة ترامب بالقدرات العسكريّة الأميركيّة، وخاصّة بعد نجاح اعتقال الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو في مقرّه دون سقوط أيّ جنديّ، فتعزّز شعوره بأنّ الجيش قادر على تنفيذ عمليّات كبيرة ومعقّدة بنجاح.

في الأيّام التي سبقت العمليّة، ظهرت معلومات استخباريّة جديدة سرّعت من وتيرة القرار. إذ علم المسؤولون الأميركيّون والإسرائيليّون أنّ المرشد الأعلى الإيرانيّ وكبار المسؤولين سيجتمعون في موقع واحد، وهو ما يشكّل فرصة نادرة لتوجيه ضربة مباشرة للقيادة. في الأسبوع نفسه استمرّت الجهود الدبلوماسيّة. أجرى جاريد كوشنر وستيف ويتكوف محادثات مع إيران، واختبرا إمكانيّة التوصّل إلى اتّفاق بشأن البرنامج النوويّ، وقدّما عرضاً لتوفير وقود نوويّ مجّانيّ، لكنّ إيران رفضت ذلك معتبرةً إيّاه انتقاصاً من سيادتها. أشار المبعوثان إلى أنّ التوصّل إلى اتّفاق قد يكون ممكناً، لكنّه سيستغرق وقتاً طويلاً، وهو ما منح الإدارة الأميركيّة مزيداً من الوقت لتقويم الخيارات.

لكن كان ترامب، بحسب عدد من مستشاريه، قد حسم أمره فعليّاً قبل أسابيع، لكنّه لم يكن قد قرّر بعد التوقيت الدقيق، فحثّه نتنياهو على التحرّك بسرعة.

أعتقد أنّنا بحاجة إلى القيام بذلك

انعقد الاجتماع النهائيّ في غرفة العمليّات في 26 شباط، بحضور الرئيس ونائبه وفريقه الضيّق من كبار المسؤولين، إلى درجة أنّ اثنين من الذين كان سيتعيّن عليهما التعامل مع أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالميّة، وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الطاقة كريس رايت، تمّ استبعادهما، وكذلك تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنيّة.

استعرض هيغسيث وخبراء الجيش خطّة الضربات العسكريّة، ودعا إلى اتّخاذ إجراءات فوريّة، مؤكّداً الجدوى العسكريّة. أوضح الجنرال كين المخاطر وما ستعنيه الحملة بالنسبة لنفاد الذخائر، وكان موقفه هو أنّه إذا أمر ترامب بالعمليّة، فإنّ الجيش سوف ينفّذها.

أوضح روبيو أنّ تغيير النظام لا ينبغي أن يكون هو الهدف، لكنّ تدمير قدرات إيران الصاروخيّة أمر ممكن التحقيق. بينما كرّر فانس المخاطر المحتملة، مشيراً إلى أنّ الحرب قد تؤدّي إلى فوضى وإلى تراجع الدعم الشعبيّ، لكنّه تعهّد بدعم الرئيس إذا واصل الأمر.

بينما أخبرت وايلز ترامب أنّه إذا شعر أنّه بحاجة إلى المضيّ قدماً من أجل الأمن القوميّ الأميركيّ، فعليه المضيّ قدماً، ركّز راتكليف على تحليل المعلومات الاستخباريّة عن وضع القيادة الإيرانيّة، مشيراً إلى أنّه على الرغم من أنّ التغيير الكامل للنظام غير مرجّح، إلّا أنّ القضاء على القيادة الإيرانيّة أمر ممكن. بينما أكّد مستشار البيت الأبيض وارينغتون أنّ العمليّة كانت مسموحة قانوناً، مستشهداً بالإجراءات الإيرانيّة السابقة ضدّ الأفراد الأميركيّين، حذّر مدير الاتّصالات ستيفن تشيونغ من التداعيات السياسيّة، مشيراً إلى أنّ ترامب ترشّح لمنصب الرئاسة معارضاً مزيداً من الحروب.

 

في النهاية، أذعن الجميع للرئيس. رأوه، كما يخلص تقرير “نيويورك تايمز”، يتّخذ قرارات جريئة، ويتحمّل مخاطر لا يمكن تصوّرها، ويخرج منها منتصراً. لم يكن أحد ليقف في طريقه الآن. قال للحاضرين: “أعتقد أنّنا بحاجة إلى القيام بذلك”. أضاف أنّه يجب التأكّد من أنّ إيران لا تمتلك سلاحاً نوويّاً، وأنّها لا تستطيع إطلاق الصواريخ على إسرائيل أو في أنحاء المنطقة. أخبر الجنرال كين ترامب أنّه لا يحتاج إلى إعطاء الموافقة حتّى الساعة الرابعة مساءً من اليوم التالي.

لكن على متن الطائرة الرئاسيّة في اليوم التالي، قبل 22 دقيقة من الموعد النهائيّ الذي حدّده كين، أرسل ترامب الأمر التالي: “تمّت الموافقة على عمليّة “الغضب الملحميّ”. لا إلغاء. حظّاً موفّقاً”.

القصّة الكاملة: كيف أقنع نتنياهو ترامب بدخول الحرب؟

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
10 نيسان 2026

كانت نقطة التحوّل خلال اجتماع محدود وسرّيّ جدّاً في البيت الأبيض في 11 شباط، قدّم فيه رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو للرئيس الأميركيّ عرضاً مفصّلاً يدعو إلى شنّ هجوم عسكريّ مشترك بين الولايات المتّحدة وإسرائيل ضدّ إيران.

 

بحسب مراسلَين لصحيفة “نيويورك تايمز” في البيت الأبيض وضعا تقارير وأجريا مقابلات ستكون في كتاب مشترك سيصدر قريباً بعنوان “تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطوريّة لدونالد ترامب”، عُقد الاجتماع في غرفة العمليّات بالبيت الأبيض التي نادراً ما تُستخدم لعقد اجتماعات شخصيّة مع القادة الأجانب. لم يجلس ترامب في موقعه المعتاد على رأس طاولة الاجتماعات، بل على أحد جانبيها مواجهاً شاشات كبيرة مثبتة على الجدار. وجلس نتنياهو مقابل الرئيس مباشرة، وخلفه شاشة كبيرة ظهر عليها مدير الموساد ديفيد برنيع، إلى جانب بعض القادة العسكريّين الإسرائيليّين، فبدوا وكأنّهم فريق عسكريّ يحيط بقائده في زمن الحرب.

من الجانب الأميركيّ، كان الحضور “محدوداً عمداً لتجنّب التسريبات”، وضمّ كبيرة موظّفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ووزيرَي الخارجيّة والدفاع ماركو روبيو وبيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، ومدير وكالة الاستخبارات المركزيّة جون راتكليف. حضر أيضاً جاريد كوشنر، صهر الرئيس، وستيف ويتكوف، المبعوث الخاصّ لترامب، الذي كان يتفاوض مع الإيرانيّين. غاب عنه نائب الرئيس جي دي فانس لوجوده في أذربيجان، بينما لم يكن وزراء آخرون بارزون في الحكومة على علم بانعقاده.

وفقاً لتقرير المراسلَين، أكّد العرض الذي قدّمه نتنياهو خلال الاجتماع أنّ إيران في وضع ضعيف، وأنّ ضربة أميركيّة إسرائيليّة مشتركة حاسمة قد تؤدّي إلى نصر شبه مؤكّد. قال نتنياهو إنّ البرنامج الصاروخيّ الإيرانيّ يمكن تدميره خلال أسابيع، وإنّ النظام سيضعف إلى حدّ يمنعه من تعطيل طرق النفط العالميّة الرئيسة مثل مضيق هرمز، واحتمال ردّ إيران بضرب مصالح أميركيّة سيكون محدوداً. أشار أيضاً إلى معلومات لجهاز الموساد عن إمكانيّة اندلاع احتجاجات داخليّة تؤدّي إلى تغيير النظام، وخاصّة إذا دعمتها عمليّات استخباريّة إسرائيليّة وتحرّكات من مقاتلين أكراد إيرانيّين عبر الحدود من العراق لفتح جبهة برّيّة في الشمال الغربيّ، وهو ما يزيد الضغط على قوّات النظام ويُسرّع انهياره. لتعزيز هذه الرؤية، استخدم نتنياهو مقاطع فيديو لإظهار بدائل قياديّة محتملة بعد سقوط النظام، أبرزها رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران.

كانت الرسالة واضحة: حملة عسكريّة مشتركة يمكن أن تُسقط القيادة الإيرانيّة وتعيد تشكيل البلاد.

عبّر ترامب عن إعجابه بالخطط العسكريّة وبالقدرات التي عرضها نتنياهو، وأكّد أنّه يرى ضرورة التحرّك الآن قبل أن تتمكّن إيران من تعزيز قدراتها النوويّة والصاروخيّة، واعتبر أنّ المخاطر الناتجة عن عدم التحرّك أكبر من المخاطر المرتبطة بالضربة نفسها، مؤكّداً ثقته بأنّ الحرب ستكون خاطفة وسريعة.

في اليوم التالي، عُقد اجتماع آخر في غرفة العمليّات بحضور المسؤولين الأميركيّين فقط لعرض تقويمات الاستخبارات الأميركيّة لخطّة نتنياهو. قسّموا أهداف خطّة نتنياهو إلى أربعة: الأوّل قطع الرأس، أي قتل المرشد الأعلى. ثانياً شلّ قدرة إيران على إظهار القوّة وتهديد جيرانها. ثالثاً إشعال الانتفاضة الشعبيّة داخل إيران. الرابع كان تغيير النظام، مع تنصيب زعيم علمانيّ ليحكم البلاد. خلصوا إلى أنّ الهدفين الأوّلين قابلان للتحقيق بالاستخبارات الأميركيّة والقوّة العسكريّة، لكنّ الهدفين الثالث والرابع منفصلان عن الواقع.

وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزيّة السيناريوات المتعلّقة بتغيير النظام بأنّها “هزليّة”، فيما وصف روبيو الأهداف بأنّها عبارة عن “هراء”. أعرب فانس، الذي عاد من أذربيجان، أيضاً عن شكوك قويّة في احتمال تغيير النظام. أمّا الجنرال كين فأجاب على سؤال ترامب له عن رأيه بالقول: “حسب تجربتي، هذا هو أسلوب العمل المعتاد للإسرائيليّين. إنّهم يبالغون في عرض الأمور، وخططهم ليست دائماً متطوّرة بشكل جيّد. هم يعلمون أنّهم بحاجة إلينا، ولهذا يضغطون بشدّة”.

كانت لدى الجنرال كين مخاوف جدّيّة بشأن الحرب مع إيران، وكان قلقاً من أن تستنزف حملة كبيرة ضدّ إيران بشكل كبير مخزونات الأسلحة الأميركيّة، بما في ذلك الصواريخ الاعتراضيّة، التي تقلّصت إمداداتها بعد سنوات من الدعم لأوكرانيا وإسرائيل. أشار إلى الصعوبة الهائلة في تأمين مضيق هرمز ومخاطر إغلاق إيران له. رفض ترامب هذا الاحتمال على افتراض أنّ النظام سيستسلم قبل أن يصل إلى ذلك، وأنّ الحرب ستكون سريعة جدّاً. بدا أنّه مهتم بتحقيق الهدفين الأول والثاني: اغتيال المرشد الأعلى وكبار قادة إيران، وتفكيك الجيش الإيراني. قال إنّ تغيير النظام سيكون “مشكلتهم”. ولم يكن واضحاً ما إذا كان يقصد الإسرائيليّين أم الشعب الإيرانيّ.

فانس أكثر المعارضين

داخل الإدارة الداخليّة لترامب، كانت الآراء منقسمة: دعم وزير الدفاع بيت هيغسيث العمل العسكريّ بقوّة، معتبراً أنّ المواجهة مع إيران حتميّة. أمّا روبيو فكان أكثر حذراً، مفضّلاً استمرار الضغط الاقتصاديّ، لكنّه لم يعارض القرار في النهاية. وكذلك رئيسة موظّفي البيت الأبيض سوزي وايلز، على الرغم من قلقها من العواقب السياسيّة والاقتصاديّة.

كان نائب الرئيس جي دي فانس أبرز المعارضين، معتبراً أنّ حرباً واسعة النطاق ستستنزف الموارد الأميركيّة وقد تؤدّي إلى فوضى إقليميّة وخسائر بشريّة كبيرة، وقد تهدّد التحالفات السياسيّة الداخليّة وتضرّ بصدقيّة الإدارة، وخصوصاً قبل الانتخابات النصفيّة. قال إنّ الحرب ضدّ نظام يتمتّع بإرادة هائلة للبقاء قد تجعل الولايات المتّحدة في وضع أسوأ بكثير في ما يتعلّق بخوض الصراعات لعدّة سنوات، إذ “لا يمكن لأيّ قدر من البصيرة العسكريّة أن يقيس حقّاً ما ستفعله إيران ردّاً على ذلك عندما يكون بقاء النظام على المحكّ. يمكن للحرب أن تسير بسهولة في اتّجاهات غير متوقّعة. هناك فرصة ضئيلة لبناء إيران مسالمة في أعقاب ذلك”.

أشار فانس إلى المخاطر الاستراتيجيّة المتعلّقة بمضيق هرمز والردّ الإيرانيّ المحتمل. لقد امتلكت إيران الأفضليّة عندما يتعلّق الأمر بمضيق هرمز. إذا تمّ خنق هذا الممرّ المائيّ الضيّق الذي يحمل كميّات هائلة من النفط والغاز الطبيعيّ، سوف تكون العواقب الداخليّة في الولايات المتّحدة وخيمة، بدءاً بارتفاع أسعار البنزين. لكن على الرغم من معارضته، أدرك فانس أنّ ترامب قد يمضي قدماً، فحاول التأثير على الاستراتيجية عبر الدعوة إلى ضربات محدودة أو استخدام قوّة ساحقة لتحقيق أهداف سريعة.

على الرغم من التحذيرات، ظلّ ترامب مهتمّاً بتحقيق الأهداف العسكريّة الأساسيّة، خاصّة القضاء على القيادة الإيرانيّة وإضعاف الجيش. من بين جميع تحدّيات السياسة الخارجيّة التي واجهها ترامب عبر ولايتين رئاسيّتين، كانت إيران حالة مختلفة. لقد اعتبرها خصماً خطِراً على نحو استثنائيّ، وكان مستعدّاً لتحمّل مخاطر كبيرة من أجل إعاقة قدرة النظام على خوض الحروب أو امتلاك سلاح نوويّ. انسجم طرح نتنياهو مع رغبة ترامب في تفكيك النظام الدينيّ في إيران، إذ يمكن أن يصبح أوّل رئيس ينجح في تحقيق تغيير النظام في إيران، إلى جانب دافع إضافيّ يتمثّل في أنّ إيران كانت قد خطّطت لاغتيال ترامب انتقاماً لمقتل الجنرال قاسم سليماني في 2020، الذي اعتُبر في الولايات المتّحدة قوّة دافعة وراء حملة إيرانيّة من الإرهاب الدوليّ. كانت هناك قوّة دفع إضافيّة تعزّز ثقة ترامب بالقدرات العسكريّة الأميركيّة، وخاصّة بعد نجاح اعتقال الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو في مقرّه دون سقوط أيّ جنديّ، فتعزّز شعوره بأنّ الجيش قادر على تنفيذ عمليّات كبيرة ومعقّدة بنجاح.

في الأيّام التي سبقت العمليّة، ظهرت معلومات استخباريّة جديدة سرّعت من وتيرة القرار. إذ علم المسؤولون الأميركيّون والإسرائيليّون أنّ المرشد الأعلى الإيرانيّ وكبار المسؤولين سيجتمعون في موقع واحد، وهو ما يشكّل فرصة نادرة لتوجيه ضربة مباشرة للقيادة. في الأسبوع نفسه استمرّت الجهود الدبلوماسيّة. أجرى جاريد كوشنر وستيف ويتكوف محادثات مع إيران، واختبرا إمكانيّة التوصّل إلى اتّفاق بشأن البرنامج النوويّ، وقدّما عرضاً لتوفير وقود نوويّ مجّانيّ، لكنّ إيران رفضت ذلك معتبرةً إيّاه انتقاصاً من سيادتها. أشار المبعوثان إلى أنّ التوصّل إلى اتّفاق قد يكون ممكناً، لكنّه سيستغرق وقتاً طويلاً، وهو ما منح الإدارة الأميركيّة مزيداً من الوقت لتقويم الخيارات.

لكن كان ترامب، بحسب عدد من مستشاريه، قد حسم أمره فعليّاً قبل أسابيع، لكنّه لم يكن قد قرّر بعد التوقيت الدقيق، فحثّه نتنياهو على التحرّك بسرعة.

أعتقد أنّنا بحاجة إلى القيام بذلك

انعقد الاجتماع النهائيّ في غرفة العمليّات في 26 شباط، بحضور الرئيس ونائبه وفريقه الضيّق من كبار المسؤولين، إلى درجة أنّ اثنين من الذين كان سيتعيّن عليهما التعامل مع أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالميّة، وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الطاقة كريس رايت، تمّ استبعادهما، وكذلك تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنيّة.

استعرض هيغسيث وخبراء الجيش خطّة الضربات العسكريّة، ودعا إلى اتّخاذ إجراءات فوريّة، مؤكّداً الجدوى العسكريّة. أوضح الجنرال كين المخاطر وما ستعنيه الحملة بالنسبة لنفاد الذخائر، وكان موقفه هو أنّه إذا أمر ترامب بالعمليّة، فإنّ الجيش سوف ينفّذها.

أوضح روبيو أنّ تغيير النظام لا ينبغي أن يكون هو الهدف، لكنّ تدمير قدرات إيران الصاروخيّة أمر ممكن التحقيق. بينما كرّر فانس المخاطر المحتملة، مشيراً إلى أنّ الحرب قد تؤدّي إلى فوضى وإلى تراجع الدعم الشعبيّ، لكنّه تعهّد بدعم الرئيس إذا واصل الأمر.

بينما أخبرت وايلز ترامب أنّه إذا شعر أنّه بحاجة إلى المضيّ قدماً من أجل الأمن القوميّ الأميركيّ، فعليه المضيّ قدماً، ركّز راتكليف على تحليل المعلومات الاستخباريّة عن وضع القيادة الإيرانيّة، مشيراً إلى أنّه على الرغم من أنّ التغيير الكامل للنظام غير مرجّح، إلّا أنّ القضاء على القيادة الإيرانيّة أمر ممكن. بينما أكّد مستشار البيت الأبيض وارينغتون أنّ العمليّة كانت مسموحة قانوناً، مستشهداً بالإجراءات الإيرانيّة السابقة ضدّ الأفراد الأميركيّين، حذّر مدير الاتّصالات ستيفن تشيونغ من التداعيات السياسيّة، مشيراً إلى أنّ ترامب ترشّح لمنصب الرئاسة معارضاً مزيداً من الحروب.

 

في النهاية، أذعن الجميع للرئيس. رأوه، كما يخلص تقرير “نيويورك تايمز”، يتّخذ قرارات جريئة، ويتحمّل مخاطر لا يمكن تصوّرها، ويخرج منها منتصراً. لم يكن أحد ليقف في طريقه الآن. قال للحاضرين: “أعتقد أنّنا بحاجة إلى القيام بذلك”. أضاف أنّه يجب التأكّد من أنّ إيران لا تمتلك سلاحاً نوويّاً، وأنّها لا تستطيع إطلاق الصواريخ على إسرائيل أو في أنحاء المنطقة. أخبر الجنرال كين ترامب أنّه لا يحتاج إلى إعطاء الموافقة حتّى الساعة الرابعة مساءً من اليوم التالي.

لكن على متن الطائرة الرئاسيّة في اليوم التالي، قبل 22 دقيقة من الموعد النهائيّ الذي حدّده كين، أرسل ترامب الأمر التالي: “تمّت الموافقة على عمليّة “الغضب الملحميّ”. لا إلغاء. حظّاً موفّقاً”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار