لبنان بين نار الحرب وفرصة التفاوض

الكاتب: جو رحال | المصدر: نداء الوطن
11 نيسان 2026

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف لبنان عند تقاطع صراعات تتجاوز حدوده، حيث تتحوّل أراضيه إلى مساحة تفاعل بين مشروع الدولة الساعية إلى تثبيت سيادتها، ومنطق الساحات المفتوحة المرتبط بمحاور إقليمية تقودها إيران في مواجهة إسرائيل، بإدارة غير مباشرة من الولايات المتحدة.

منذ اندلاع المواجهات على الجبهة الجنوبية على وقع حرب غزة، بدا واضحًا أن لبنان لم يكن صاحب قرار الحرب، بل أحد ميادينها. إلا أن التحوّل الأبرز اليوم يتمثّل في محاولة رسمية لإعادة الإمساك بالقرار الوطني، عبر تحرّك دبلوماسي نشط يهدف إلى منع توسّع الحرب، وفي الوقت نفسه فرض حضور الدولة كمرجعية سياسية وأمنية.

وفي تطوّر لافت يعكس انتقال هذا المسار من مستوى الاتصالات إلى مرحلة أكثر تقدّمًا، أعلن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية، استنادًا إلى مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، إطلاق مسار تفاوضي يقوم على العمل الدبلوماسي بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار والانتقال إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

وبحسب البيان، وبعد سلسلة اتصالات دولية وعربية أجراها الرئيس عون في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية، قررت الإدارة الأميركية تكليف وزارة الخارجية الأميركية بدور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، في خطوة تعكس انتقال واشنطن من موقع إدارة التصعيد إلى محاولة ضبطه عبر مسار تفاوضي مباشر.

وفي هذا الإطار، جرى أول اتصال مباشر من نوعه بين الجانبين، حيث تواصلت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض مع السفير الإسرائيلي في واشنطن يحئيل ليتر، بمشاركة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الموجود في واشنطن. وتم خلال الاتصال التوافق على عقد اجتماع أول يوم الثلثاء المقبل في مقر وزارة الخارجية الأميركية، لبحث إعلان وقف إطلاق النار وتحديد موعد انطلاق المفاوضات برعاية أميركية.

هذا التطور يشكّل تحوّلًا نوعيًا في مسار الأزمة، إذ ينقل لبنان من موقع المتلقي لتداعيات المواجهة إلى موقع الطرف المنخرط، ولو بشكل غير مباشر، في رسم مسار الخروج منها. كما يفتح الباب أمام إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وربما الانتقال إلى تفاهمات أوسع إذا ما توافرت الإرادة الدولية والإقليمية.

في موازاة ذلك، تشهد بيروت حركة اتصالات مكثّفة مع عواصم القرار، لا سيما واشنطن وباريس والدوحة، في مسعى مزدوج: احتواء التصعيد من جهة، وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى. ويبرز هنا دور الجيش اللبناني كركيزة أساسية في أي معادلة استقرار، مدعومًا بتوجّه دولي لتعزيز قدراته ضمن شروط مرتبطة بضبط الحدود ومنع توسّع المواجهة.

في المقابل، يفرض انخراط “حزب الله” في معادلة “وحدة الساحات” واقعًا معقّدًا، حيث يرتبط القرار العسكري بحسابات إقليمية تتجاوز الداخل اللبناني، خصوصًا في ظل التنسيق مع إيران وتداخل الجبهة اللبنانية مع مسار الحرب في غزة. ما يجعل أي مسار تفاوضي عرضة لاختبارات ميدانية دقيقة.

على الضفة الأخرى، تعتمد إسرائيل سياسة “الردع المضبوط”، عبر ضربات موضعية تهدف إلى استنزاف قدرات “حزب الله” دون الذهاب إلى حرب شاملة، حتى الآن. إلا أن هذا التوازن يبقى هشًا، وقابلًا للانفجار في أي لحظة، خصوصًا مع غياب تفاهمات واضحة حول قواعد الاشتباك.

أما الولايات المتحدة، فتبدو اليوم أمام اختبار دقيق: هل تنجح في تحويل دورها من إدارة الأزمة إلى رعايتها نحو تسوية، أم يبقى المسار التفاوضي مجرّد أداة لاحتواء التصعيد دون معالجة جذوره؟

في الخلاصة، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية:

إما أن ينجح في استثمار هذه المبادرة لتحويلها إلى مدخل فعلي لاستعادة قراره السيادي وتعزيز موقع الدولة،

أو أن تبقى هذه الخطوة مجرّد محطة عابرة في مسار طويل من إدارة الأزمات دون حلّها.

لبنان بين نار الحرب وفرصة التفاوض

الكاتب: جو رحال | المصدر: نداء الوطن
11 نيسان 2026

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف لبنان عند تقاطع صراعات تتجاوز حدوده، حيث تتحوّل أراضيه إلى مساحة تفاعل بين مشروع الدولة الساعية إلى تثبيت سيادتها، ومنطق الساحات المفتوحة المرتبط بمحاور إقليمية تقودها إيران في مواجهة إسرائيل، بإدارة غير مباشرة من الولايات المتحدة.

منذ اندلاع المواجهات على الجبهة الجنوبية على وقع حرب غزة، بدا واضحًا أن لبنان لم يكن صاحب قرار الحرب، بل أحد ميادينها. إلا أن التحوّل الأبرز اليوم يتمثّل في محاولة رسمية لإعادة الإمساك بالقرار الوطني، عبر تحرّك دبلوماسي نشط يهدف إلى منع توسّع الحرب، وفي الوقت نفسه فرض حضور الدولة كمرجعية سياسية وأمنية.

وفي تطوّر لافت يعكس انتقال هذا المسار من مستوى الاتصالات إلى مرحلة أكثر تقدّمًا، أعلن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية، استنادًا إلى مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، إطلاق مسار تفاوضي يقوم على العمل الدبلوماسي بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار والانتقال إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

وبحسب البيان، وبعد سلسلة اتصالات دولية وعربية أجراها الرئيس عون في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية، قررت الإدارة الأميركية تكليف وزارة الخارجية الأميركية بدور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، في خطوة تعكس انتقال واشنطن من موقع إدارة التصعيد إلى محاولة ضبطه عبر مسار تفاوضي مباشر.

وفي هذا الإطار، جرى أول اتصال مباشر من نوعه بين الجانبين، حيث تواصلت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض مع السفير الإسرائيلي في واشنطن يحئيل ليتر، بمشاركة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الموجود في واشنطن. وتم خلال الاتصال التوافق على عقد اجتماع أول يوم الثلثاء المقبل في مقر وزارة الخارجية الأميركية، لبحث إعلان وقف إطلاق النار وتحديد موعد انطلاق المفاوضات برعاية أميركية.

هذا التطور يشكّل تحوّلًا نوعيًا في مسار الأزمة، إذ ينقل لبنان من موقع المتلقي لتداعيات المواجهة إلى موقع الطرف المنخرط، ولو بشكل غير مباشر، في رسم مسار الخروج منها. كما يفتح الباب أمام إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وربما الانتقال إلى تفاهمات أوسع إذا ما توافرت الإرادة الدولية والإقليمية.

في موازاة ذلك، تشهد بيروت حركة اتصالات مكثّفة مع عواصم القرار، لا سيما واشنطن وباريس والدوحة، في مسعى مزدوج: احتواء التصعيد من جهة، وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى. ويبرز هنا دور الجيش اللبناني كركيزة أساسية في أي معادلة استقرار، مدعومًا بتوجّه دولي لتعزيز قدراته ضمن شروط مرتبطة بضبط الحدود ومنع توسّع المواجهة.

في المقابل، يفرض انخراط “حزب الله” في معادلة “وحدة الساحات” واقعًا معقّدًا، حيث يرتبط القرار العسكري بحسابات إقليمية تتجاوز الداخل اللبناني، خصوصًا في ظل التنسيق مع إيران وتداخل الجبهة اللبنانية مع مسار الحرب في غزة. ما يجعل أي مسار تفاوضي عرضة لاختبارات ميدانية دقيقة.

على الضفة الأخرى، تعتمد إسرائيل سياسة “الردع المضبوط”، عبر ضربات موضعية تهدف إلى استنزاف قدرات “حزب الله” دون الذهاب إلى حرب شاملة، حتى الآن. إلا أن هذا التوازن يبقى هشًا، وقابلًا للانفجار في أي لحظة، خصوصًا مع غياب تفاهمات واضحة حول قواعد الاشتباك.

أما الولايات المتحدة، فتبدو اليوم أمام اختبار دقيق: هل تنجح في تحويل دورها من إدارة الأزمة إلى رعايتها نحو تسوية، أم يبقى المسار التفاوضي مجرّد أداة لاحتواء التصعيد دون معالجة جذوره؟

في الخلاصة، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية:

إما أن ينجح في استثمار هذه المبادرة لتحويلها إلى مدخل فعلي لاستعادة قراره السيادي وتعزيز موقع الدولة،

أو أن تبقى هذه الخطوة مجرّد محطة عابرة في مسار طويل من إدارة الأزمات دون حلّها.

مزيد من الأخبار