من إسلام آباد إلى واشنطن: نواف سلام يجلس على كرسي الدولة..

الكاتب: جوزفين ديب | المصدر: اساس ميديا
12 نيسان 2026

لم يعد لبنان في موقع التفاوض على طاولة واحدة، بل أمام مشهد تتقاطع فيه طاولات إسلام آباد وواشنطن وتل أبيب، فيما الداخل يتحوّل ساحة صراع على من يملك حقّ الجلوس أصلاً إلى تلك الطاولات. بين اتّفاق واشنطن وطهران على إطلاق مسار تفاوضيّ في إسلام آباد، وسجال الداخل في وقف إطلاق النار، فُتحت قناة تفاوض لبنانيّة – إسرائيليّة عبر واشنطن، تحت ضغط دوليّ واضح لخفض التصعيد. لكنّ ما بين فتح الباب وعبوره ألغاماً سياسيّة تتقدّمها معركة المرجعيّة: من يفاوض؟ وبأيّ تفويض؟ وعلى أيّ ملفّ؟

 

تشير مصادر دبلوماسيّة إلى أنّ طهران دفعت في الساعات الأخيرة نحو خفض التصعيد في لبنان الذي هو جزء من شروطها لإدارة دقيقة لمناخ إسلام آباد. كان دخول دونالد ترامب على خطّ التهدئة بهدف منع انفلات ميدانيّ قد يربك التفاهمات قيد التشكّل أو يرفع كلفتها.

أصبح المطلوب، وفق هذه المصادر، تبريد الجبهات لا إطفاءها لتوفير بيئة تفاوضيّة أقلّ ضجيجاً في إدارة مرحليّة لا تعكس تحوّلاً استراتيجيّاً بل إعادة ضبط للإيقاع. نتج عن ذلك خفض التصعيد في بيروت واستمرار العمليّات العسكريّة في الجنوب.

في هذا السياق، جاء الإعلان الإسرائيليّ ثمّ اللبنانيّ لبدء مفاوضات مباشرة في واشنطن، عبر سفيرَي لبنان وإسرائيل، خطوةً يقول المدافعون عنها إنّها ستنجح على الأقلّ في كسر “تابو” سياسيّ أكثر ممّا ستدشّن مساراً تفاوضيّاً فعليّاً. مجرد حصول الاتصال المباشر بشكل علنيّ يشكّل بحدّ ذاته سابقة على الرغم من أنّ مصادر أميركيّة مطّلعة تؤكّد أنّها ما تزال في إطار تمهيديّ، فيما تُرسم الشروط الأساسيّة في أماكن أخرى: في تل أبيب حيث يُدار الضغط الميدانيّ، وفي إسلام آباد حيث تُطبخ التفاهمات الكبرى.

على الرغم من هذا التوازي، لا تبدو الطريق مفتوحة نحو تسوية قريبة. مبادرة بنيامين نتنياهو، وفق مصادر دبلوماسيّة، فولكلوريّة ترتبط بدعم موقف واشنطن أكثر ممّا تعكس استعداداً لتنازلات حقيقيّة في بيروت. من جهة، ستُبقي إسرائيل عمليّاتها ضمن سقوف مدروسة، مستندة إلى ما تعتبره إنجازاً ميدانيّاً، ومن جهة أخرى يفتقر الوفد اللبناني إلى تفويض شامل، ولا يبدو “الحزب” في وارد تسهيل مسار يُخرجه من معادلة التفاوض الإقليميّ الأوسع.

التّجاذب الدّاخليّ… من يملك لبنان فعليّاً؟

في الداخل، لا يقلّ الصراع حدّة عنه في الخارج، بل يعكسه بشكل مباشر. لا يضغط “الحزب” سياسيّاً باتّجاه إعادة النظر في مسار التفاوض الحكوميّ تحت شرط وقف إطلاق نار كامل فقط، بل في إطار أوسع يرتبط بمرجعيّة القرار وجعلها أقرب إلى إسلام آباد. بالتالي تدور المعركة الحقيقيّة بين مسارين:

– مسار يسعى إلى إبقاء ورقة لبنان ضمن السلّة الإيرانيّة على طاولة إسلام آباد التي تُدار ضمن التفاوض الإقليميّ الأشمل.

– مسار آخر يحاول تثبيت الدولة اللبنانيّة مرجعيّة تفاوضيّة، حتّى لو تداخلت نتائجها مع تفاهمات تُصاغ خارج الحدود.

 

ليس هذا بحدّ ذاته خلافاً تقنيّاً، بل صراع على جوهر السلطة: من يوقّع باسم لبنان؟ ومن يلتزم؟ ومن يملك القرار النهائيّ؟

هذا المسار يرافقه ضغط في الشارع وتوتّر سياسيّ عالي السقف. في المقابل، وبينما أعلن رئيس الحكومة أنّه ألغى زيارته لواشنطن لمتابعة الأوضاع الدقيقة في لبنان، أكّدت مصادر “الحزب” لـ”أساس” أن لا نيّة لديه لإسقاط الحكومة. تعلّق مصادر سياسيّة على موقف “الحزب” الرسميّ بالقول إنّ “الحزب” “يقرأ الواقع الحاليّ بوعي مختلف عن 2006، سواء من حيث التوازنات الداخليّة أو حجم الضغط الدوليّ، وهو ما يدفعه إلى محاولة ضبط سقف المواجهة السياسيّة ضمن الشروط السياسيّة المفروضة عليه”.

لبنان بين ثلاث عواصم… ومرجعيّة معلّقة

يتمثّل ما تغيّر فعليّاً، وفق معلومات “أساس” ومصادر دبلوماسيّة متقاطعة، في أمرين: كسر حاجز التفاوض المباشر ولو شكليّاً، وتوزّع ورقة لبنان بين ثلاث عواصم: إسلام آباد حيث يُدار المسار الإيرانيّ، تل أبيب حيث يُرسم الضغط الميدانيّ ولاحقاً السياسيّ، وبيروت حيث تُخاض معركة المرجعيّة السياسيّة. في قلب هذا التشابك، تبقى ورقة “الحزب” عنصراً مركزيّاً في التوازنات الإقليميّة.

حتّى الآن، ما يجري ليس تفاوضاً مكتملاً، بل اختبار موازين قوى بغطاء تفاوضيّ. إذا نضج المسار الأميركيّ – الإيرانيّ، فقد ينتقل الوضع من “الفولكلور” إلى مفاوضات فعليّة ذات جدول أعمال واضح ومفاوضين جدد، من الجنوب إلى الحدود وصولاً إلى سلاح “الحزب”، وفق قواعد جديدة تعيد تموضع الأطراف في المشهد الداخليّ.

في هذه المرحلة الانتقاليّة، لا يبدو البلد على طاولة التسويات… بل على طاولة تحديد من يجلس إلى الطاولة، ومن يوقّع الاتّفاق ووفق أيّ شروط.

 

حتّى الساعة، يبدو أنّ رئيس الحكومة نوّاف سلام يملك الكرسي الأكبر حول الطاولة، فيما يبقى ملفّ “الحزب” شأناً سيُطرح قريباً على طاولة التفاوض في إسلام آباد، ثمّ في واشنطن أو في قبرص أو في باريس، أو في أيّ عاصمة ستستقبل المفاوضات الفعليّة لا الشكليّة. قد يشبه عنوان هذا المسار عنوان “المضيق” الذي فتح مجدّداً أمام السفن الأميركيّة، تماماً كما أرادت واشنطن.

من إسلام آباد إلى واشنطن: نواف سلام يجلس على كرسي الدولة..

الكاتب: جوزفين ديب | المصدر: اساس ميديا
12 نيسان 2026

لم يعد لبنان في موقع التفاوض على طاولة واحدة، بل أمام مشهد تتقاطع فيه طاولات إسلام آباد وواشنطن وتل أبيب، فيما الداخل يتحوّل ساحة صراع على من يملك حقّ الجلوس أصلاً إلى تلك الطاولات. بين اتّفاق واشنطن وطهران على إطلاق مسار تفاوضيّ في إسلام آباد، وسجال الداخل في وقف إطلاق النار، فُتحت قناة تفاوض لبنانيّة – إسرائيليّة عبر واشنطن، تحت ضغط دوليّ واضح لخفض التصعيد. لكنّ ما بين فتح الباب وعبوره ألغاماً سياسيّة تتقدّمها معركة المرجعيّة: من يفاوض؟ وبأيّ تفويض؟ وعلى أيّ ملفّ؟

 

تشير مصادر دبلوماسيّة إلى أنّ طهران دفعت في الساعات الأخيرة نحو خفض التصعيد في لبنان الذي هو جزء من شروطها لإدارة دقيقة لمناخ إسلام آباد. كان دخول دونالد ترامب على خطّ التهدئة بهدف منع انفلات ميدانيّ قد يربك التفاهمات قيد التشكّل أو يرفع كلفتها.

أصبح المطلوب، وفق هذه المصادر، تبريد الجبهات لا إطفاءها لتوفير بيئة تفاوضيّة أقلّ ضجيجاً في إدارة مرحليّة لا تعكس تحوّلاً استراتيجيّاً بل إعادة ضبط للإيقاع. نتج عن ذلك خفض التصعيد في بيروت واستمرار العمليّات العسكريّة في الجنوب.

في هذا السياق، جاء الإعلان الإسرائيليّ ثمّ اللبنانيّ لبدء مفاوضات مباشرة في واشنطن، عبر سفيرَي لبنان وإسرائيل، خطوةً يقول المدافعون عنها إنّها ستنجح على الأقلّ في كسر “تابو” سياسيّ أكثر ممّا ستدشّن مساراً تفاوضيّاً فعليّاً. مجرد حصول الاتصال المباشر بشكل علنيّ يشكّل بحدّ ذاته سابقة على الرغم من أنّ مصادر أميركيّة مطّلعة تؤكّد أنّها ما تزال في إطار تمهيديّ، فيما تُرسم الشروط الأساسيّة في أماكن أخرى: في تل أبيب حيث يُدار الضغط الميدانيّ، وفي إسلام آباد حيث تُطبخ التفاهمات الكبرى.

على الرغم من هذا التوازي، لا تبدو الطريق مفتوحة نحو تسوية قريبة. مبادرة بنيامين نتنياهو، وفق مصادر دبلوماسيّة، فولكلوريّة ترتبط بدعم موقف واشنطن أكثر ممّا تعكس استعداداً لتنازلات حقيقيّة في بيروت. من جهة، ستُبقي إسرائيل عمليّاتها ضمن سقوف مدروسة، مستندة إلى ما تعتبره إنجازاً ميدانيّاً، ومن جهة أخرى يفتقر الوفد اللبناني إلى تفويض شامل، ولا يبدو “الحزب” في وارد تسهيل مسار يُخرجه من معادلة التفاوض الإقليميّ الأوسع.

التّجاذب الدّاخليّ… من يملك لبنان فعليّاً؟

في الداخل، لا يقلّ الصراع حدّة عنه في الخارج، بل يعكسه بشكل مباشر. لا يضغط “الحزب” سياسيّاً باتّجاه إعادة النظر في مسار التفاوض الحكوميّ تحت شرط وقف إطلاق نار كامل فقط، بل في إطار أوسع يرتبط بمرجعيّة القرار وجعلها أقرب إلى إسلام آباد. بالتالي تدور المعركة الحقيقيّة بين مسارين:

– مسار يسعى إلى إبقاء ورقة لبنان ضمن السلّة الإيرانيّة على طاولة إسلام آباد التي تُدار ضمن التفاوض الإقليميّ الأشمل.

– مسار آخر يحاول تثبيت الدولة اللبنانيّة مرجعيّة تفاوضيّة، حتّى لو تداخلت نتائجها مع تفاهمات تُصاغ خارج الحدود.

 

ليس هذا بحدّ ذاته خلافاً تقنيّاً، بل صراع على جوهر السلطة: من يوقّع باسم لبنان؟ ومن يلتزم؟ ومن يملك القرار النهائيّ؟

هذا المسار يرافقه ضغط في الشارع وتوتّر سياسيّ عالي السقف. في المقابل، وبينما أعلن رئيس الحكومة أنّه ألغى زيارته لواشنطن لمتابعة الأوضاع الدقيقة في لبنان، أكّدت مصادر “الحزب” لـ”أساس” أن لا نيّة لديه لإسقاط الحكومة. تعلّق مصادر سياسيّة على موقف “الحزب” الرسميّ بالقول إنّ “الحزب” “يقرأ الواقع الحاليّ بوعي مختلف عن 2006، سواء من حيث التوازنات الداخليّة أو حجم الضغط الدوليّ، وهو ما يدفعه إلى محاولة ضبط سقف المواجهة السياسيّة ضمن الشروط السياسيّة المفروضة عليه”.

لبنان بين ثلاث عواصم… ومرجعيّة معلّقة

يتمثّل ما تغيّر فعليّاً، وفق معلومات “أساس” ومصادر دبلوماسيّة متقاطعة، في أمرين: كسر حاجز التفاوض المباشر ولو شكليّاً، وتوزّع ورقة لبنان بين ثلاث عواصم: إسلام آباد حيث يُدار المسار الإيرانيّ، تل أبيب حيث يُرسم الضغط الميدانيّ ولاحقاً السياسيّ، وبيروت حيث تُخاض معركة المرجعيّة السياسيّة. في قلب هذا التشابك، تبقى ورقة “الحزب” عنصراً مركزيّاً في التوازنات الإقليميّة.

حتّى الآن، ما يجري ليس تفاوضاً مكتملاً، بل اختبار موازين قوى بغطاء تفاوضيّ. إذا نضج المسار الأميركيّ – الإيرانيّ، فقد ينتقل الوضع من “الفولكلور” إلى مفاوضات فعليّة ذات جدول أعمال واضح ومفاوضين جدد، من الجنوب إلى الحدود وصولاً إلى سلاح “الحزب”، وفق قواعد جديدة تعيد تموضع الأطراف في المشهد الداخليّ.

في هذه المرحلة الانتقاليّة، لا يبدو البلد على طاولة التسويات… بل على طاولة تحديد من يجلس إلى الطاولة، ومن يوقّع الاتّفاق ووفق أيّ شروط.

 

حتّى الساعة، يبدو أنّ رئيس الحكومة نوّاف سلام يملك الكرسي الأكبر حول الطاولة، فيما يبقى ملفّ “الحزب” شأناً سيُطرح قريباً على طاولة التفاوض في إسلام آباد، ثمّ في واشنطن أو في قبرص أو في باريس، أو في أيّ عاصمة ستستقبل المفاوضات الفعليّة لا الشكليّة. قد يشبه عنوان هذا المسار عنوان “المضيق” الذي فتح مجدّداً أمام السفن الأميركيّة، تماماً كما أرادت واشنطن.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار