كيف أفشلت أميركا الانقلاب على نواف سلام؟

كان تبرّؤ الجماعة السياسية لميليشيا “حزب الله” من التظاهرة الحاشدة يوم السبت الماضي، هو “كلمة السر” التي أفشلت محاولة الانقلاب على رئيس الحكومة نواف سلام. الكل على بيّنة، داخليًا وخارجيًا، بأن حشدًا من هذا القبيل لا يمكن أن يحصل بشكل عفوي، ولا سيما أنه كان مشفوعًا بدعوات من مؤثري ومنظري “الحزب”، بالتوازي مع التسريبات التي بدأت تترى عمّا يجري التحضير له من أعمال تطاول اقتحام السراي الكبير.
قبل ذلك، لم يكن البيان الصادر عن “حركة أمل” بكل ما احتواه تفصيلًا، حيث مثل إعلان تموضع واضح وصريح تحت كنف الحكومة الشرعية، جعل الحزب عاريًا من الغطاء الشيعي المطلق، وأنتج توازنًا مضادًا مهّد الطريق أمام إصدار إعلان فشل الانقلاب، بالتزامن مع إعلان الرئيس سلام تأجيل زيارته إلى أميركا. بمعزل عن الجدل المفتعل حول سبب التأجيل وأنه أميركي المصدر، الأصل أن واشنطن لم تخصّ رئيس الحكومة بهذه الزيارة إلا لتثبيت دعمها له. فيما التأجيل يمثّل إعلان مواجهة مع “الحزب” يشتمل على عدم ترك أي هامش فراغ أمامه لتنفيذ الانقلاب.
ذلك أن واشنطن هي من أنشأت طاولة التفاوض بين بيروت وتل أبيب لتثبيت سحب الورقة اللبنانية من يد إيران. كما أنها هي من تمنح الرئيس سلام وحكومته درعًا واقيًة، حيث تدخلت ومارست ضغوطًا شديدة أفضت إلى انتشار الجيش والقوى الأمنية في شوارع العاصمة بيروت بشكل جدي بعيد عن الاستعراض الصوري، خصوصًا أن ثمة معلومات متداولة تشير إلى أن قيادتَي الجيش وقوى الأمن لا تتجاوبان مع اتصالات رئيس الحكومة.
يقول النائب وضاح الصادق، المقرّب من الرئيس سلام، في تغريدة عبر منصة أكس “المحاولة الانقلابية الفاشلة ليست المحاولة الأولى، لكنها الأوضح والأقسى. الدولة العميقة تحاول إعادة السيطرة على كل مفاصل الدولة من خلال إعادة السلطة القديمة”. ويصف ذلك بـ “الحسابات الخاطئة” في توصيف دقيق. ذلك أن “الحزب” ما انفكّ عن محاولة إسقاط رئيس الحكومة الذي لعب دور رأس الحربة في تجريده من المشروعية التي كان يتظلّل بها، وفي تثبيت حضور الدولة عبر مواقف صلبة وشجاعة.
لم يتهيّب الرئيس سلام المسؤولية وحساسية المرحلة، ولا الضغوط الهائلة لـ “الحزب” وحلفائه، المعلنين والمستترين، إذ لم يغيّر خطابه، ولم ينكفئ إلى معزله في السراي، بل اندفع إلى الإمام عبر مواقف تقفل المساحات أمام الصفقات التي تعيد تدوير ثنائية “المافيا – الميليشيا”. واستند إلى غطاء أميركي يزداد صلابة تبدّت المؤشرات عليه في عدة مواضع.
فحينما بدأ سدنة الميليشيا، مثل محمود قماطي ووفيق صفا وغيرهما، يلوحون بإسقاط الحكومة، وافتعال “7 أيار” جديد وإشكالات داخلية، سرّبت واشنطن عبر “رويترز” معلومات عن طلبها من دمشق التدخل في لبنان. وبالتوازي مع الاتصالات اللبنانية – السورية لإنقاذ “معبر المصنع”، طلبت أميركا وجود مراقبين سوريين.
هذا الطلب ليس ببعيد عن الضغوط لإنشاء “جهاز أمن المعابر”، ويرتبط بتفكيك نفوذ “الحزب” عبر شبكاته داخل بنية الأجهزة الأمنية، وكذلك بما كشفت عنه بعض الشخصيات السياسية من معلومات عن هيمنته وأنشطته على الطريق الفاصل بين المراكز الحدودية اللبنانية – السورية، وفق معادلة أميركية ضدية لحماية الرئيس سلام “الشرع مقابل الحزب”.
بينما تتجسد “الحسابات الخاطئة” التي تحدث عنها النائب وضاح الصادق، في القناعة الناشئة في الأوساط السياسية على وقع الدعاية الإيرانية المضللة حول المفاوضات. عمليًا ما يتفاوض عليه الملالي وحرسه الثوري هو رقبة النظام، وكيفية اندماجه في النظام الدولي، مع إجباره على التخلي عن ورقة أذرعه. وبالأمس قال ترامب إن ما سيحصل لإيران شبيه بفنزويلا. بمعنى أن العمل هو على الاتفاق مع شخصية من داخل النظام، وهناك مؤشرات تدور حول قاليباف. قبل ذلك أعطيت الفرصة لعلي لاريجاني الذي أخطأ الحساب وحاول خداع أميركا فأعطت إسرائيل الإذن بشطبه. من المؤشرات التي ينبغي التركيز عليها هو تزامن انتخاب رئيس جمهورية جديد للعراق مع المفاوضات في إسلام أباد، بما يحمله من تنازل إيراني، بانتظار موقعة رئاسة الحكومة.
أما في لبنان، فيدفع نظام الملالي “حزب الله” نحو إسقاط الرئيس نواف سلام، بل وحتى اغتياله إن أمكن، ليس لتنصيب حكومة أخرى، بل لإحداث فوضى تتيح لإيران فرض لبنان كورقة على طاولة التفاوض مع أميركا، على قاعدة التحوّل السياسي والتخلي عن المنظومة الميليشياوية، مقابل مكتسبات هائلة في بنية السلطة، وهذا ما يبدو مرفوضًا.
يعشق نظام الملالي وأذرعه اللعب على طريقة نادي ريال مدريد، الذي يوظف مهارات لاعبيه لإحداث فوضى تتيح تسجيل أهداف وفرض معادلات معينة. لكنه لا يشبه الفريق الملكي، فهو وحزبه وميليشياته ليسوا أكثر من فريق متحجر الفكر، يواجه تحديات وجودية بإرثه التخريبي وأساليب تجاوزتها الأحداث، ليغدو أقرب إلى تلك الظواهر الكروية التي صعد نجمها لسنوات ثم اندثر تمامًا.
كيف أفشلت أميركا الانقلاب على نواف سلام؟

كان تبرّؤ الجماعة السياسية لميليشيا “حزب الله” من التظاهرة الحاشدة يوم السبت الماضي، هو “كلمة السر” التي أفشلت محاولة الانقلاب على رئيس الحكومة نواف سلام. الكل على بيّنة، داخليًا وخارجيًا، بأن حشدًا من هذا القبيل لا يمكن أن يحصل بشكل عفوي، ولا سيما أنه كان مشفوعًا بدعوات من مؤثري ومنظري “الحزب”، بالتوازي مع التسريبات التي بدأت تترى عمّا يجري التحضير له من أعمال تطاول اقتحام السراي الكبير.
قبل ذلك، لم يكن البيان الصادر عن “حركة أمل” بكل ما احتواه تفصيلًا، حيث مثل إعلان تموضع واضح وصريح تحت كنف الحكومة الشرعية، جعل الحزب عاريًا من الغطاء الشيعي المطلق، وأنتج توازنًا مضادًا مهّد الطريق أمام إصدار إعلان فشل الانقلاب، بالتزامن مع إعلان الرئيس سلام تأجيل زيارته إلى أميركا. بمعزل عن الجدل المفتعل حول سبب التأجيل وأنه أميركي المصدر، الأصل أن واشنطن لم تخصّ رئيس الحكومة بهذه الزيارة إلا لتثبيت دعمها له. فيما التأجيل يمثّل إعلان مواجهة مع “الحزب” يشتمل على عدم ترك أي هامش فراغ أمامه لتنفيذ الانقلاب.
ذلك أن واشنطن هي من أنشأت طاولة التفاوض بين بيروت وتل أبيب لتثبيت سحب الورقة اللبنانية من يد إيران. كما أنها هي من تمنح الرئيس سلام وحكومته درعًا واقيًة، حيث تدخلت ومارست ضغوطًا شديدة أفضت إلى انتشار الجيش والقوى الأمنية في شوارع العاصمة بيروت بشكل جدي بعيد عن الاستعراض الصوري، خصوصًا أن ثمة معلومات متداولة تشير إلى أن قيادتَي الجيش وقوى الأمن لا تتجاوبان مع اتصالات رئيس الحكومة.
يقول النائب وضاح الصادق، المقرّب من الرئيس سلام، في تغريدة عبر منصة أكس “المحاولة الانقلابية الفاشلة ليست المحاولة الأولى، لكنها الأوضح والأقسى. الدولة العميقة تحاول إعادة السيطرة على كل مفاصل الدولة من خلال إعادة السلطة القديمة”. ويصف ذلك بـ “الحسابات الخاطئة” في توصيف دقيق. ذلك أن “الحزب” ما انفكّ عن محاولة إسقاط رئيس الحكومة الذي لعب دور رأس الحربة في تجريده من المشروعية التي كان يتظلّل بها، وفي تثبيت حضور الدولة عبر مواقف صلبة وشجاعة.
لم يتهيّب الرئيس سلام المسؤولية وحساسية المرحلة، ولا الضغوط الهائلة لـ “الحزب” وحلفائه، المعلنين والمستترين، إذ لم يغيّر خطابه، ولم ينكفئ إلى معزله في السراي، بل اندفع إلى الإمام عبر مواقف تقفل المساحات أمام الصفقات التي تعيد تدوير ثنائية “المافيا – الميليشيا”. واستند إلى غطاء أميركي يزداد صلابة تبدّت المؤشرات عليه في عدة مواضع.
فحينما بدأ سدنة الميليشيا، مثل محمود قماطي ووفيق صفا وغيرهما، يلوحون بإسقاط الحكومة، وافتعال “7 أيار” جديد وإشكالات داخلية، سرّبت واشنطن عبر “رويترز” معلومات عن طلبها من دمشق التدخل في لبنان. وبالتوازي مع الاتصالات اللبنانية – السورية لإنقاذ “معبر المصنع”، طلبت أميركا وجود مراقبين سوريين.
هذا الطلب ليس ببعيد عن الضغوط لإنشاء “جهاز أمن المعابر”، ويرتبط بتفكيك نفوذ “الحزب” عبر شبكاته داخل بنية الأجهزة الأمنية، وكذلك بما كشفت عنه بعض الشخصيات السياسية من معلومات عن هيمنته وأنشطته على الطريق الفاصل بين المراكز الحدودية اللبنانية – السورية، وفق معادلة أميركية ضدية لحماية الرئيس سلام “الشرع مقابل الحزب”.
بينما تتجسد “الحسابات الخاطئة” التي تحدث عنها النائب وضاح الصادق، في القناعة الناشئة في الأوساط السياسية على وقع الدعاية الإيرانية المضللة حول المفاوضات. عمليًا ما يتفاوض عليه الملالي وحرسه الثوري هو رقبة النظام، وكيفية اندماجه في النظام الدولي، مع إجباره على التخلي عن ورقة أذرعه. وبالأمس قال ترامب إن ما سيحصل لإيران شبيه بفنزويلا. بمعنى أن العمل هو على الاتفاق مع شخصية من داخل النظام، وهناك مؤشرات تدور حول قاليباف. قبل ذلك أعطيت الفرصة لعلي لاريجاني الذي أخطأ الحساب وحاول خداع أميركا فأعطت إسرائيل الإذن بشطبه. من المؤشرات التي ينبغي التركيز عليها هو تزامن انتخاب رئيس جمهورية جديد للعراق مع المفاوضات في إسلام أباد، بما يحمله من تنازل إيراني، بانتظار موقعة رئاسة الحكومة.
أما في لبنان، فيدفع نظام الملالي “حزب الله” نحو إسقاط الرئيس نواف سلام، بل وحتى اغتياله إن أمكن، ليس لتنصيب حكومة أخرى، بل لإحداث فوضى تتيح لإيران فرض لبنان كورقة على طاولة التفاوض مع أميركا، على قاعدة التحوّل السياسي والتخلي عن المنظومة الميليشياوية، مقابل مكتسبات هائلة في بنية السلطة، وهذا ما يبدو مرفوضًا.
يعشق نظام الملالي وأذرعه اللعب على طريقة نادي ريال مدريد، الذي يوظف مهارات لاعبيه لإحداث فوضى تتيح تسجيل أهداف وفرض معادلات معينة. لكنه لا يشبه الفريق الملكي، فهو وحزبه وميليشياته ليسوا أكثر من فريق متحجر الفكر، يواجه تحديات وجودية بإرثه التخريبي وأساليب تجاوزتها الأحداث، ليغدو أقرب إلى تلك الظواهر الكروية التي صعد نجمها لسنوات ثم اندثر تمامًا.









