“الحزب” و”حماس” وسوسيولوجيا الانتحار

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
16 نيسان 2026

الكثير من كوادر وعناصر الحزب، الذين دمّرت الحرب منازلهم وقتلت عائلاتهم، باتوا يرغبون في الانعتاق ووقف المغامرة، لكنّهم أسرى الواقع الذي يجعل من “التفكير” خيانة.

 

سيتوقّف التاريخ طويلًا أمام ظاهرة سيكولوجية غريبة، تُدرّسها المعاهد والجامعات مستقبلًا، لا كفصل في العلوم السياسية، بل كحالة مستعصية في علم النفس الجمعي وسوسيولوجيا العقائد. هي ظاهرة الجماعات التي اختارت طواعيّة طريق “الانتحار التلقائي”، حيث تنغلق الحواس، وينزلق الوعي نحو المحرقة، لا بدافع الضرورة، بل ربّما بدافع “التلذّذ” بفكرة أن الانتحار أو الاندحار هو ذروة الانتصار.

للإيضاح، ومنعًا لأي تفسيرات متسرعة، هذا التقويم لا يعني التنكّر لمبدأ المقاومات كحقّ طبيعي للشعوب. لكن تاريخ المقاومات في العصر الحديث، من فيتنام إلى الجزائر، كان يحكمه منطق البراغماتية الثورية حيث التضحية تتمّ من أجل الرّخاء، أي يُبذل الدم لاستعادة الأرض وبناء الدولة. وحتّى منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى الرغم من انخراطها في وحل الحرب اللبنانية خلال مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرَيْن الكبيرَيْن في القرن الفائت، فكّرت في لحظة الحقيقة، واستخدمت أقرب قارب للنّجاة توافر لها، وأدركت من خلال اتفاقات أوسلو ومدريد أنّ التفاوض، على مرارته، هو الأداة الواقعية لترميم الشتات وضمان الاستقرار في أرض، ولو ضمن حدود منقوصة السيادة.

النموذج الفلسطيني الحالي، الذي تمثّله “حماس”، شكّل انقلابًا على منطق منظمة التحرير، وقرّر أن يرمي في البحر هذا الإرث البراغماتي الذي دفعت منظمة التحرير ثمنه باهظًا قبل أن تركن إليه. ووصل نموذج “حماس” الانتحاري إلى ذروته في عملية “طوفان الأقصى”. واليوم، لا يمكن لأيّ منطق عسكري أو استراتيجي أن يفسّر اندفاعة انتحارية كهذه، بإمكانات محدودة، ضدّ قوة نووية ومدعومة عالميًّا كإسرائيل، إلّا إذا كان أصحابه يعتبرون أنّ “الفعل” في ذاته هو الهدف، بصرف النظر عن النّتائج الكارثيّة التي أدّى إليها، أي تدمير غزّة وتهديد الضفّة. إنه الانفصال عن الواقع الذي يجعل الجماعة تعتقد أنّها يمكن أن تنتصر بمجرد إطلاق الحرب عشوائيًّا وأيًّا تكن التوازنات ونتائجها.

وعلى غرار “حماس”، ينخرط “حزب الله” في مغامرة الاحتراق المجاني. ففي البداية، هو دخل حريق غزّة تحت شعار “المساندة”، ورمى بنفسه وبيئته في أتون حرب استنزفت كل مقوّماته حتّى بلغت الضربة القاضية المعروفة. بعد ذلك، وعلى الرغم من أن حرب غزّة انتهت بهزيمة نكراء لـ”حماس”، بقي “الحزب” مصرًّا على الحرب في لبنان. والمُثير هو تدرّج الوضع الآتي:

عندما أشعل “الحزب” “حرب المساندة”، كانت إسرائيل تطلب عبر الوسطاء أن يُبعد عناصره 4 أو 5 كيلومترات فقط ويوقف النار. فلم يستجبْ.

ولكن، بعد أشهر من الاستنزاف، عندما انتهت حرب غزة، وقررت إسرائيل توجيه ضربات صاعقة إليه وإلى قيادته وكوادره وبيئته، اضطرّ إلى قبول وقف للنار يعترف فيه بنقاط تمركز لإسرائيل في الجنوب، ويمنحها امتيازات أمنية، ويتعهد بتسليم كل سلاحه.

وبعد أكثر من عام على الاتفاق، بقي “الحزب” يرفض تسليم السلاح. بل إنّه قرّر تفجير حرب جديدة، مساندةً لإيران هذه المرّة، ولم يستجب للنداءات التي تدعوه إلى وقفها. لقد كرّر السيناريو السّابق تمامًا. والنتيجة طبعًا أنّ إسرائيل توسّعت أكثر في الجنوب ودمّرت القرى الأمامية، وهي في صدد تفكيك بُنية “حزب الله” بالنار وبالمفاوضات في آن معًا.

لا منطق يمكن أن يفسّر هذا التهاوي، من نقطة كان فيها الإسرائيليّون خارج الجنوب، وكانت بيئة “الحزب” تعيش طبيعيًّا، مع بعض الازدهار هناك، وكان “الحزب” نفسه متماسكًا، فأبى إلّا استدعاء إسرائيل، ووصل إلى نقطة صار فيها هو وبيئته والجنوب في وضعيّة الدمار، والبلد في وضعية الضعف والإرباك.

الواضح أن إيران، التي تحتاج اليوم إلى “مصدّات للصدمات” في لبنان، من أجل إمرار صفقاتها الكبرى مع واشنطن، هي التي طلبت من “الحزب” أن يتحرك أيًّا كانت العواقب، وهي اليوم تُدير الميدان مباشرة. وبالتأكيد، الكثير من الكوادر والعناصر، الذين دمّرت الحرب منازلهم وقتلت عائلاتهم، باتوا يرغبون في الانعتاق ووقف المغامرة، لكنّهم أسرى الواقع الذي يجعل من “التفكير” خيانة. ولا أحد يُجيب عن السؤال: لماذا يصرّ “الحزب” على إكمال مسار الانتحار؟ هل تستحقّ مصالح إيران أن يُمسح الجنوب اللبناني عن الخريطة؟

في الواقع، الخروج من المأزق اللبناني لا يبدأ بتسليم السلاح بل بـ”التسليم بالمنطق”. وهذا يحتاج إلى “ثورة عقل” داخل بيئة “الحزب”، والبيئة الشيعيّة عمومًا. ومن الحيويّ أن يتم ذلك سريعًا، وقبل أن يتحوّل الجنوب إلى أطلال سيدرسها الباحثون كنموذجٍ لبيئةٍ قرّرت أن تموت لتعيش “الإيديولوجيا” العابرة للحدود.

“الحزب” و”حماس” وسوسيولوجيا الانتحار

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
16 نيسان 2026

الكثير من كوادر وعناصر الحزب، الذين دمّرت الحرب منازلهم وقتلت عائلاتهم، باتوا يرغبون في الانعتاق ووقف المغامرة، لكنّهم أسرى الواقع الذي يجعل من “التفكير” خيانة.

 

سيتوقّف التاريخ طويلًا أمام ظاهرة سيكولوجية غريبة، تُدرّسها المعاهد والجامعات مستقبلًا، لا كفصل في العلوم السياسية، بل كحالة مستعصية في علم النفس الجمعي وسوسيولوجيا العقائد. هي ظاهرة الجماعات التي اختارت طواعيّة طريق “الانتحار التلقائي”، حيث تنغلق الحواس، وينزلق الوعي نحو المحرقة، لا بدافع الضرورة، بل ربّما بدافع “التلذّذ” بفكرة أن الانتحار أو الاندحار هو ذروة الانتصار.

للإيضاح، ومنعًا لأي تفسيرات متسرعة، هذا التقويم لا يعني التنكّر لمبدأ المقاومات كحقّ طبيعي للشعوب. لكن تاريخ المقاومات في العصر الحديث، من فيتنام إلى الجزائر، كان يحكمه منطق البراغماتية الثورية حيث التضحية تتمّ من أجل الرّخاء، أي يُبذل الدم لاستعادة الأرض وبناء الدولة. وحتّى منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى الرغم من انخراطها في وحل الحرب اللبنانية خلال مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرَيْن الكبيرَيْن في القرن الفائت، فكّرت في لحظة الحقيقة، واستخدمت أقرب قارب للنّجاة توافر لها، وأدركت من خلال اتفاقات أوسلو ومدريد أنّ التفاوض، على مرارته، هو الأداة الواقعية لترميم الشتات وضمان الاستقرار في أرض، ولو ضمن حدود منقوصة السيادة.

النموذج الفلسطيني الحالي، الذي تمثّله “حماس”، شكّل انقلابًا على منطق منظمة التحرير، وقرّر أن يرمي في البحر هذا الإرث البراغماتي الذي دفعت منظمة التحرير ثمنه باهظًا قبل أن تركن إليه. ووصل نموذج “حماس” الانتحاري إلى ذروته في عملية “طوفان الأقصى”. واليوم، لا يمكن لأيّ منطق عسكري أو استراتيجي أن يفسّر اندفاعة انتحارية كهذه، بإمكانات محدودة، ضدّ قوة نووية ومدعومة عالميًّا كإسرائيل، إلّا إذا كان أصحابه يعتبرون أنّ “الفعل” في ذاته هو الهدف، بصرف النظر عن النّتائج الكارثيّة التي أدّى إليها، أي تدمير غزّة وتهديد الضفّة. إنه الانفصال عن الواقع الذي يجعل الجماعة تعتقد أنّها يمكن أن تنتصر بمجرد إطلاق الحرب عشوائيًّا وأيًّا تكن التوازنات ونتائجها.

وعلى غرار “حماس”، ينخرط “حزب الله” في مغامرة الاحتراق المجاني. ففي البداية، هو دخل حريق غزّة تحت شعار “المساندة”، ورمى بنفسه وبيئته في أتون حرب استنزفت كل مقوّماته حتّى بلغت الضربة القاضية المعروفة. بعد ذلك، وعلى الرغم من أن حرب غزّة انتهت بهزيمة نكراء لـ”حماس”، بقي “الحزب” مصرًّا على الحرب في لبنان. والمُثير هو تدرّج الوضع الآتي:

عندما أشعل “الحزب” “حرب المساندة”، كانت إسرائيل تطلب عبر الوسطاء أن يُبعد عناصره 4 أو 5 كيلومترات فقط ويوقف النار. فلم يستجبْ.

ولكن، بعد أشهر من الاستنزاف، عندما انتهت حرب غزة، وقررت إسرائيل توجيه ضربات صاعقة إليه وإلى قيادته وكوادره وبيئته، اضطرّ إلى قبول وقف للنار يعترف فيه بنقاط تمركز لإسرائيل في الجنوب، ويمنحها امتيازات أمنية، ويتعهد بتسليم كل سلاحه.

وبعد أكثر من عام على الاتفاق، بقي “الحزب” يرفض تسليم السلاح. بل إنّه قرّر تفجير حرب جديدة، مساندةً لإيران هذه المرّة، ولم يستجب للنداءات التي تدعوه إلى وقفها. لقد كرّر السيناريو السّابق تمامًا. والنتيجة طبعًا أنّ إسرائيل توسّعت أكثر في الجنوب ودمّرت القرى الأمامية، وهي في صدد تفكيك بُنية “حزب الله” بالنار وبالمفاوضات في آن معًا.

لا منطق يمكن أن يفسّر هذا التهاوي، من نقطة كان فيها الإسرائيليّون خارج الجنوب، وكانت بيئة “الحزب” تعيش طبيعيًّا، مع بعض الازدهار هناك، وكان “الحزب” نفسه متماسكًا، فأبى إلّا استدعاء إسرائيل، ووصل إلى نقطة صار فيها هو وبيئته والجنوب في وضعيّة الدمار، والبلد في وضعية الضعف والإرباك.

الواضح أن إيران، التي تحتاج اليوم إلى “مصدّات للصدمات” في لبنان، من أجل إمرار صفقاتها الكبرى مع واشنطن، هي التي طلبت من “الحزب” أن يتحرك أيًّا كانت العواقب، وهي اليوم تُدير الميدان مباشرة. وبالتأكيد، الكثير من الكوادر والعناصر، الذين دمّرت الحرب منازلهم وقتلت عائلاتهم، باتوا يرغبون في الانعتاق ووقف المغامرة، لكنّهم أسرى الواقع الذي يجعل من “التفكير” خيانة. ولا أحد يُجيب عن السؤال: لماذا يصرّ “الحزب” على إكمال مسار الانتحار؟ هل تستحقّ مصالح إيران أن يُمسح الجنوب اللبناني عن الخريطة؟

في الواقع، الخروج من المأزق اللبناني لا يبدأ بتسليم السلاح بل بـ”التسليم بالمنطق”. وهذا يحتاج إلى “ثورة عقل” داخل بيئة “الحزب”، والبيئة الشيعيّة عمومًا. ومن الحيويّ أن يتم ذلك سريعًا، وقبل أن يتحوّل الجنوب إلى أطلال سيدرسها الباحثون كنموذجٍ لبيئةٍ قرّرت أن تموت لتعيش “الإيديولوجيا” العابرة للحدود.

مزيد من الأخبار