جلسة المفاوضات: حل أم مشكلة؟

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
16 نيسان 2026

نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تضييق الخناق حول إيران. فبعد مفاوضات شاقة في إسلام أباد، خرج نائب الرئيس الأميركي، وحال الإنهاك بادية عليه، ليعلن فشل جولة الـ21 ساعة تفاوضية. صحيح أنّ الأسلوب الإيراني في التفاوض مشهود له بصعوبته، إلّا أنّه بدا بوضوح للجانب الأميركي تمسّك طهران بورقتين رابحتين بيدها. الأولى عنوانها مضيق هرمز، والثانية تتعلق بنفوذها الإقليمي وتحديداً في لبنان.

لذلك كان لا بدّ لإدارة ترامب من تعطيل هاتين الورقتين لدفع الموقف الإيراني في اتجاه المرونة. فكان قرار حصار مضيق هرمز ما قلب الموقف وجعل المحاصر (بكسر الصاد) محاصراً (برفع الصاد)، وإلى جانب ذلك إطلاق المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل، وبالتالي انتزاع ورقة لبنان من الحقيبة الإيرانية.

 

وكان متوقعاً أن لا تذعن إيران للهجوم الأميركي المعاكس. لذلك عمدت أولاً إلى إطلاق تهديدات متتالية بأنّ إبقاء الحصار على موانئها سيدفعها إلى إغلاق جميع الموانئ القريبة، بما معناه قصف موانئ الدول الخليجية، لكن تهديدها بقي بلا ترجمة عملية. وعمدت ثانياً إلى إبراز مخالبها في بيروت والتلويح بمحاصرة وإسقاط الحكومة، والتي تُعتبر حليفة لواشنطن والرياض. وهكذا انطلقت تحركات شعبية قرب السراي الحكومي وسط انتشار أعلام «حزب الله» وإيران، وإطلاق شعارات التخوين بحق رئيس الحكومة نواف سلام، الذي كان يستعد للسفر إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وحيث كان هذا الأخير يستعد لرعاية تدشين أول لقاء تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل. ولم تكتف الحشود بالتجمع في ساحة رياض الصلح فقط، بل جابت شوارع بيروت وبيدها العلم الإيراني، حيث المعقل التاريخي للطائفة السنّية. وسُجّلت بعض الإحتكاكات. وبدا المشهد خطيراً في العاصمة اللبنانية في ظل رسائل إيرانية متعددة، ومنها: التحذير الذي صدر عن مسؤولين إيرانيين والمتعلق بالإستقرار الأمني في لبنان، تصاعد أعداد الرشقات الصاروخية في اتجاه إسرائيل كماً ونوعاً والتي طاول بعضها عمق 150 كلم، وانفلات التحركات في شوارع بيروت بما يؤشر إلى احتمال تهديد السراي الحكومي. والرسائل الإيرانية كانت تعني بأنّها الطرف الأقوى في لبنان، وأنّها على قاب قوسين من قلب الوضع. وجاء الردّ عبر نشر قوى النخبة من الجيش وقوى الأمن الداخلي في العاصمة، ما يعني الإستعداد للمواجهة. لكن الردّ الأفعل جاء من السعودية. ويُحكى في الكواليس، أنّ الرئيس نبيه بري تلقّى اتصالاً عاجلاً من المملكة تضمّن كلاماً عالي السقف وتحذيراً من مغبة ما يجري الإعداد له. وترافق هذا الإتصال مع رسالة سعودية أخرى شديدة اللهجة إلى طهران نقلتها إسلام أباد. وفي الوقت نفسه صدر خبر من دمشق يتحدث عن إلقاء القبض على خلية تابعة لـ«حزب الله» كانت تحضّر لاستهداف كنيسة المريميين. وهذا الخبر يمهّد ويبرّر ضمناً لإمكانية التحرّك ضدّ قواعد «حزب الله» في لبنان. في بيروت أسهب الرئيس بري في شرح أسباب الإحتقان الحاصل، وأنّه يرفض أي عمل يؤدي إلى صدام داخلي، وأنّه أعطى مسؤولي حركة «أمل» تعليمات بتطويق أي محاولة تؤدي لانفلات الشارع. واقترح بري أن يُرجئ سلام زيارته لواشنطن لتنفيس الإحتقان الحاصل، وهذا ما حصل. ولاحقاً زار وفد من «حزب الله» ضمّ النائبين أمين شري وابراهيم الموسوي مكتب وزير الداخلية أحمد الحجار، وأعلنا عدم مسؤولية قيادة الحزب عمّا حصل في الشارع، وأكّدا حرص قيادة الحزب على الإستقرار الداخلي.

 

وإثر ما حصل، بدا لطهران أنّ استرجاع ورقتي مضيق هرمز وبيروت بكل «دسمهما» مسألة محفوفة بالمخاطر. فكانت العودة إلى قاعة التفاوض بواقعية أكبر، خصوصاً أنّ الصين تجاوبت مع الطلب الأميركي بعدم تزويد إيران الأسلحة كسبيل لتأمين فتح آمن وثابت لمضيق هرمز، وهو ما اعتبره ترامب خطوة ذكية من جانب الصين.

وجاءت «احتفالية» صورة الجلسة التفاوضية المباشرة الأولى بين لبنان وإسرائيل. لكن البيان الختامي جاء أبعد بكثير من التوقعات التي سبقت. والهدف تأكيد سحب الورقة اللبنانية من الحقيبة الإيرانية، ولو أنّ لبنان سيحضر، بطريقة أو بأخرى، في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية من زاوية وقف طهران سياسة الأذرع في المنطقة.

 

لكن التحدّي الحقيقي ليس بالحرب نفسها، بل بما سيحدث في اليوم التالي. فحتى لو انتهت وفق النتائج الحالية، فستترك خللاً كبيراً في توازن القوى، والذي عرفته المنطقة على مدى العقود الأربعة الماضية. صحيح أنّ النظام الديني الإيراني نجا من الموت، لكنه أصيب بتشوهات كبيرة مع غياب كثير من رجال الصف الأول وعلى رأسهم الشخصية التاريخية علي خامنئي. فمؤسسات الدولة ومنشآتها أصابها دمار هائل بلغ أكثر من 270 مليار دولار، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول سبل مواجهة تحدّيات اليوم التالي. وصحيح أنّ الحرب ساعدت في رصّ صفوف المواطنين خلف السلطة بعد تغليب الولاء القومي على الإنقسامات السياسية، لكن تحدّيات المستقبل كبيرة وقد تعيد فتح جروح الإنقسامات الداخلية بمقدار أكبر.

 

وهو ما قد يعني بقاء نظام ضعيف في ظل انتفاء وجود بديل مقنع له. وهذا سيجعل من سلوك النظام أكثر عدائية على مستوى المنطقة. وحتى لو حصلت لاحقاً فوضى داخلية متنقلة، فسيفتح ذلك باب تصدير الفوضى إلى الجوار الذي بات منسوب عدائه للنظام الإيراني أعلى من السابق.

 

لا شك أنّ انحسار النفوذ الإقليمي لإيران خصوصاً في المنطقة الممتدة حتى شاطئ البحر المتوسط سيؤدي إلى خلل في النظام الإقليمي القائم وسط نزاع تركي وإسرائيلي عن البديل. فلا شك أنّ الحرب أدّت إلى إعلان فشل الإستراتيجية الإيرانية التي كانت قائمة على تصدير الثورة وترسيخ جبهات خارج حدودها من خلال الوكلاء، لتصبح الجبهة الرئيسية في قلب إيران. وهنا يأتي السؤال حول تأثير ذلك على لبنان، الساحة التي احتضنت باكورة مشروع تصدير الثورة ليصبح لاحقاً مركز قيادة كامل هذا المحور مع الأمين العام التاريخي لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله.

 

ولا شك في أنّ أحد أبرز الأسئلة يتمحور ليس فقط عن مصير السلاح، بل خصوصاً عن المصير المالي والإقتصادي لهذه التركيبة الواسعة والمؤدلجة. فطهران، وأياً تكن بنود اتفاقها مع واشنطن، ستعمل جاهدة للحفاظ على ما أمكن من نفوذها الإقليمي بأقل كلفة ممكنة. و«حزب الله» مرشح لأن يتحول من قوة إقليمية هجومية إلى قوة محلية دفاعية، أي الإنتقال من قدرة تهديد خارجية إلى عائق داخلي. وهو ما يعني أنّ لبنان يدخل مرحلة إعادة صياغة توازنه الداخلي. ذلك أنّ فك الإرتباط البنيوي بين إيران و«حزب الله» سيطاول حكماً بنية التوازنات الداخلية. فنفوذ إيران في لبنان لم يكن يقتصر على البعد العسكري فقط، بل كان يمتد إلى شبكة سياسية واجتماعية عميقة تمّ بناؤها على مدى عقود. وهنا السؤال الأهم: هل حضّرت السلطة مشاريعها لتوفير بدائل داخلية وأخرى خارجية حقيقية؟ فالتجارب السابقة في لبنان تشير إلى أنّ الفراغ في لبنان غالباً ما كان يجري ملؤه بسرعة بقوى أكثر تنظيماً وقدرة على التمويل وليس أبداً من الدولة. مع التذكير هنا بسعي كل من إسرائيل وتركيا إلى ملء فراغ إيران في المنطقة.

 

ولذلك، لا تبدو الصورة التي أُخذت في واشنطن لانطلاق المسار التفاوضي اللبناني ـ الإسرائيلي كافية للركون إلى الوجهة اللبنانية الجديدة. ذلك أنّ فصل المفاوضات اللبنانية عن الإيرانية حصل في الصورة، لكن تطبيقه على أرض الواقع ليس بهذه السهولة. وقد تنفع الصورة لشراء بعض الوقت في انتظار الصفقة الأميركية ـ الإيرانية الكاملة. وما يفاقم من المشكلة، أنّ الحزب الجمهوري تتزايد معاناته الشعبية ما يهدّد بكلفة إنتخابية كبيرة، وعندها قد يتراجع اهتمام واشنطن بالمنطقة بكاملها، ويتمّ تركنا لإسرائيل.

 

في نهاية العام الماضي، أي قبل اندلاع الحرب ببضعة أسابيع، أجرت مؤسسة «الباروميتر العربي» استطلاعاً بالتعاون مع المجموعة الإستشارية للشرق الأوسط بمؤتمر ميونيخ للأمن، وشمل 1200 مواطن لبناني تمّ اختيارهم عشوائياً، وأظهر تحولاً مهمّاً لجهة استعداد اللبنانيين لوضع بعض الثقة في مؤسسات الدولة ومستقبل بلادهم. ولا بدّ أن تكون الحرب لاحقاً قد أدّت إلى انتكاسة كبرى في هذا التحول الإيجابي. لكن العودة إلى نتائجه تبقى مفيدة. فاللافت أولاً التقييم السلبي جداً للإقتصاد اللبناني. فهو حلّ في المرتبة الأخيرة بين دول عربية عدة، ونال 5% فقط، في حين نال المغرب 41% والعراق 38% وتونس 31% ومصر 28% والأردن 27% وحتى سوريا نالت 17% وفلسطين 8%. ولذلك اعتبر 25% من اللبنانيين المستطلعين، أنّ الوضع الإقتصادي هو التحدّي الأهم، وجاء الإستقرار الأمني في المرتبة الثانية مع 24% ثم الفساد المالي والإداري مع 21%. أما الموقف من مؤسسات الدولة، فنالت الحكومة 22% ومجلس النواب 27% والقضاء 27%، وهي نسب متدنية جداً من حيث القيمة المطلقة وبالمقارنة مع بلدان عربية أخرى. وتأتي مستويات الثقة بالدولة اللبنانية من بين الأدنى بين جميع البلدان التي شملها الإستطلاع، ولو أنّها تمثل تحسناً كبيراً عن نتائج عام 2024 حين كان الفراغ الرئاسي سيّد الساحة. والأخطر، ما تبين أنّ نسبة 28% من اللبنانيين ما زالوا يفكرون بالهجرة، ولو أنّها أفضل من نتائج إستطلاع العام الذي سبق. أما نظام الحكم المفضّل للبنان، فرأى 41% أنّ نظامهم الطائفي الحالي هو الأفضل، في مقابل 38% يفضّلون نظاماً مدنياً علمانياً، و17% يؤيدون نظاماً فدرالياً وفق التقسيم الطائفي، وحيث تتولّى الأقاليم إدارة نفسها بنفسها عبر سلطة محلية. والأهم رفض 49% منهم التغيير أو المس بالتوزيع الطائفي القائم حالياً، في مقابل 36% يريدون تغييره، و14% تأرجح جوابهم بربما.

 

وهذه الأرقام تركت انطباعاً بضعف قدرة الدولة اللبنانية على مواكبة مرحلة قد تشهد تغيرات كبرى على مستوى توازنات داخلية سادت وتجذرت في بنيانها وركائزها لزمن طويل. والأسوأ أنّ ورشة الإستعداد والتحضير لم تبدأ بعد، حتى على المستوى النظري.

جلسة المفاوضات: حل أم مشكلة؟

الكاتب: جوني منيّر | المصدر: الجمهورية
16 نيسان 2026

نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تضييق الخناق حول إيران. فبعد مفاوضات شاقة في إسلام أباد، خرج نائب الرئيس الأميركي، وحال الإنهاك بادية عليه، ليعلن فشل جولة الـ21 ساعة تفاوضية. صحيح أنّ الأسلوب الإيراني في التفاوض مشهود له بصعوبته، إلّا أنّه بدا بوضوح للجانب الأميركي تمسّك طهران بورقتين رابحتين بيدها. الأولى عنوانها مضيق هرمز، والثانية تتعلق بنفوذها الإقليمي وتحديداً في لبنان.

لذلك كان لا بدّ لإدارة ترامب من تعطيل هاتين الورقتين لدفع الموقف الإيراني في اتجاه المرونة. فكان قرار حصار مضيق هرمز ما قلب الموقف وجعل المحاصر (بكسر الصاد) محاصراً (برفع الصاد)، وإلى جانب ذلك إطلاق المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل، وبالتالي انتزاع ورقة لبنان من الحقيبة الإيرانية.

 

وكان متوقعاً أن لا تذعن إيران للهجوم الأميركي المعاكس. لذلك عمدت أولاً إلى إطلاق تهديدات متتالية بأنّ إبقاء الحصار على موانئها سيدفعها إلى إغلاق جميع الموانئ القريبة، بما معناه قصف موانئ الدول الخليجية، لكن تهديدها بقي بلا ترجمة عملية. وعمدت ثانياً إلى إبراز مخالبها في بيروت والتلويح بمحاصرة وإسقاط الحكومة، والتي تُعتبر حليفة لواشنطن والرياض. وهكذا انطلقت تحركات شعبية قرب السراي الحكومي وسط انتشار أعلام «حزب الله» وإيران، وإطلاق شعارات التخوين بحق رئيس الحكومة نواف سلام، الذي كان يستعد للسفر إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وحيث كان هذا الأخير يستعد لرعاية تدشين أول لقاء تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل. ولم تكتف الحشود بالتجمع في ساحة رياض الصلح فقط، بل جابت شوارع بيروت وبيدها العلم الإيراني، حيث المعقل التاريخي للطائفة السنّية. وسُجّلت بعض الإحتكاكات. وبدا المشهد خطيراً في العاصمة اللبنانية في ظل رسائل إيرانية متعددة، ومنها: التحذير الذي صدر عن مسؤولين إيرانيين والمتعلق بالإستقرار الأمني في لبنان، تصاعد أعداد الرشقات الصاروخية في اتجاه إسرائيل كماً ونوعاً والتي طاول بعضها عمق 150 كلم، وانفلات التحركات في شوارع بيروت بما يؤشر إلى احتمال تهديد السراي الحكومي. والرسائل الإيرانية كانت تعني بأنّها الطرف الأقوى في لبنان، وأنّها على قاب قوسين من قلب الوضع. وجاء الردّ عبر نشر قوى النخبة من الجيش وقوى الأمن الداخلي في العاصمة، ما يعني الإستعداد للمواجهة. لكن الردّ الأفعل جاء من السعودية. ويُحكى في الكواليس، أنّ الرئيس نبيه بري تلقّى اتصالاً عاجلاً من المملكة تضمّن كلاماً عالي السقف وتحذيراً من مغبة ما يجري الإعداد له. وترافق هذا الإتصال مع رسالة سعودية أخرى شديدة اللهجة إلى طهران نقلتها إسلام أباد. وفي الوقت نفسه صدر خبر من دمشق يتحدث عن إلقاء القبض على خلية تابعة لـ«حزب الله» كانت تحضّر لاستهداف كنيسة المريميين. وهذا الخبر يمهّد ويبرّر ضمناً لإمكانية التحرّك ضدّ قواعد «حزب الله» في لبنان. في بيروت أسهب الرئيس بري في شرح أسباب الإحتقان الحاصل، وأنّه يرفض أي عمل يؤدي إلى صدام داخلي، وأنّه أعطى مسؤولي حركة «أمل» تعليمات بتطويق أي محاولة تؤدي لانفلات الشارع. واقترح بري أن يُرجئ سلام زيارته لواشنطن لتنفيس الإحتقان الحاصل، وهذا ما حصل. ولاحقاً زار وفد من «حزب الله» ضمّ النائبين أمين شري وابراهيم الموسوي مكتب وزير الداخلية أحمد الحجار، وأعلنا عدم مسؤولية قيادة الحزب عمّا حصل في الشارع، وأكّدا حرص قيادة الحزب على الإستقرار الداخلي.

 

وإثر ما حصل، بدا لطهران أنّ استرجاع ورقتي مضيق هرمز وبيروت بكل «دسمهما» مسألة محفوفة بالمخاطر. فكانت العودة إلى قاعة التفاوض بواقعية أكبر، خصوصاً أنّ الصين تجاوبت مع الطلب الأميركي بعدم تزويد إيران الأسلحة كسبيل لتأمين فتح آمن وثابت لمضيق هرمز، وهو ما اعتبره ترامب خطوة ذكية من جانب الصين.

وجاءت «احتفالية» صورة الجلسة التفاوضية المباشرة الأولى بين لبنان وإسرائيل. لكن البيان الختامي جاء أبعد بكثير من التوقعات التي سبقت. والهدف تأكيد سحب الورقة اللبنانية من الحقيبة الإيرانية، ولو أنّ لبنان سيحضر، بطريقة أو بأخرى، في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية من زاوية وقف طهران سياسة الأذرع في المنطقة.

 

لكن التحدّي الحقيقي ليس بالحرب نفسها، بل بما سيحدث في اليوم التالي. فحتى لو انتهت وفق النتائج الحالية، فستترك خللاً كبيراً في توازن القوى، والذي عرفته المنطقة على مدى العقود الأربعة الماضية. صحيح أنّ النظام الديني الإيراني نجا من الموت، لكنه أصيب بتشوهات كبيرة مع غياب كثير من رجال الصف الأول وعلى رأسهم الشخصية التاريخية علي خامنئي. فمؤسسات الدولة ومنشآتها أصابها دمار هائل بلغ أكثر من 270 مليار دولار، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول سبل مواجهة تحدّيات اليوم التالي. وصحيح أنّ الحرب ساعدت في رصّ صفوف المواطنين خلف السلطة بعد تغليب الولاء القومي على الإنقسامات السياسية، لكن تحدّيات المستقبل كبيرة وقد تعيد فتح جروح الإنقسامات الداخلية بمقدار أكبر.

 

وهو ما قد يعني بقاء نظام ضعيف في ظل انتفاء وجود بديل مقنع له. وهذا سيجعل من سلوك النظام أكثر عدائية على مستوى المنطقة. وحتى لو حصلت لاحقاً فوضى داخلية متنقلة، فسيفتح ذلك باب تصدير الفوضى إلى الجوار الذي بات منسوب عدائه للنظام الإيراني أعلى من السابق.

 

لا شك أنّ انحسار النفوذ الإقليمي لإيران خصوصاً في المنطقة الممتدة حتى شاطئ البحر المتوسط سيؤدي إلى خلل في النظام الإقليمي القائم وسط نزاع تركي وإسرائيلي عن البديل. فلا شك أنّ الحرب أدّت إلى إعلان فشل الإستراتيجية الإيرانية التي كانت قائمة على تصدير الثورة وترسيخ جبهات خارج حدودها من خلال الوكلاء، لتصبح الجبهة الرئيسية في قلب إيران. وهنا يأتي السؤال حول تأثير ذلك على لبنان، الساحة التي احتضنت باكورة مشروع تصدير الثورة ليصبح لاحقاً مركز قيادة كامل هذا المحور مع الأمين العام التاريخي لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله.

 

ولا شك في أنّ أحد أبرز الأسئلة يتمحور ليس فقط عن مصير السلاح، بل خصوصاً عن المصير المالي والإقتصادي لهذه التركيبة الواسعة والمؤدلجة. فطهران، وأياً تكن بنود اتفاقها مع واشنطن، ستعمل جاهدة للحفاظ على ما أمكن من نفوذها الإقليمي بأقل كلفة ممكنة. و«حزب الله» مرشح لأن يتحول من قوة إقليمية هجومية إلى قوة محلية دفاعية، أي الإنتقال من قدرة تهديد خارجية إلى عائق داخلي. وهو ما يعني أنّ لبنان يدخل مرحلة إعادة صياغة توازنه الداخلي. ذلك أنّ فك الإرتباط البنيوي بين إيران و«حزب الله» سيطاول حكماً بنية التوازنات الداخلية. فنفوذ إيران في لبنان لم يكن يقتصر على البعد العسكري فقط، بل كان يمتد إلى شبكة سياسية واجتماعية عميقة تمّ بناؤها على مدى عقود. وهنا السؤال الأهم: هل حضّرت السلطة مشاريعها لتوفير بدائل داخلية وأخرى خارجية حقيقية؟ فالتجارب السابقة في لبنان تشير إلى أنّ الفراغ في لبنان غالباً ما كان يجري ملؤه بسرعة بقوى أكثر تنظيماً وقدرة على التمويل وليس أبداً من الدولة. مع التذكير هنا بسعي كل من إسرائيل وتركيا إلى ملء فراغ إيران في المنطقة.

 

ولذلك، لا تبدو الصورة التي أُخذت في واشنطن لانطلاق المسار التفاوضي اللبناني ـ الإسرائيلي كافية للركون إلى الوجهة اللبنانية الجديدة. ذلك أنّ فصل المفاوضات اللبنانية عن الإيرانية حصل في الصورة، لكن تطبيقه على أرض الواقع ليس بهذه السهولة. وقد تنفع الصورة لشراء بعض الوقت في انتظار الصفقة الأميركية ـ الإيرانية الكاملة. وما يفاقم من المشكلة، أنّ الحزب الجمهوري تتزايد معاناته الشعبية ما يهدّد بكلفة إنتخابية كبيرة، وعندها قد يتراجع اهتمام واشنطن بالمنطقة بكاملها، ويتمّ تركنا لإسرائيل.

 

في نهاية العام الماضي، أي قبل اندلاع الحرب ببضعة أسابيع، أجرت مؤسسة «الباروميتر العربي» استطلاعاً بالتعاون مع المجموعة الإستشارية للشرق الأوسط بمؤتمر ميونيخ للأمن، وشمل 1200 مواطن لبناني تمّ اختيارهم عشوائياً، وأظهر تحولاً مهمّاً لجهة استعداد اللبنانيين لوضع بعض الثقة في مؤسسات الدولة ومستقبل بلادهم. ولا بدّ أن تكون الحرب لاحقاً قد أدّت إلى انتكاسة كبرى في هذا التحول الإيجابي. لكن العودة إلى نتائجه تبقى مفيدة. فاللافت أولاً التقييم السلبي جداً للإقتصاد اللبناني. فهو حلّ في المرتبة الأخيرة بين دول عربية عدة، ونال 5% فقط، في حين نال المغرب 41% والعراق 38% وتونس 31% ومصر 28% والأردن 27% وحتى سوريا نالت 17% وفلسطين 8%. ولذلك اعتبر 25% من اللبنانيين المستطلعين، أنّ الوضع الإقتصادي هو التحدّي الأهم، وجاء الإستقرار الأمني في المرتبة الثانية مع 24% ثم الفساد المالي والإداري مع 21%. أما الموقف من مؤسسات الدولة، فنالت الحكومة 22% ومجلس النواب 27% والقضاء 27%، وهي نسب متدنية جداً من حيث القيمة المطلقة وبالمقارنة مع بلدان عربية أخرى. وتأتي مستويات الثقة بالدولة اللبنانية من بين الأدنى بين جميع البلدان التي شملها الإستطلاع، ولو أنّها تمثل تحسناً كبيراً عن نتائج عام 2024 حين كان الفراغ الرئاسي سيّد الساحة. والأخطر، ما تبين أنّ نسبة 28% من اللبنانيين ما زالوا يفكرون بالهجرة، ولو أنّها أفضل من نتائج إستطلاع العام الذي سبق. أما نظام الحكم المفضّل للبنان، فرأى 41% أنّ نظامهم الطائفي الحالي هو الأفضل، في مقابل 38% يفضّلون نظاماً مدنياً علمانياً، و17% يؤيدون نظاماً فدرالياً وفق التقسيم الطائفي، وحيث تتولّى الأقاليم إدارة نفسها بنفسها عبر سلطة محلية. والأهم رفض 49% منهم التغيير أو المس بالتوزيع الطائفي القائم حالياً، في مقابل 36% يريدون تغييره، و14% تأرجح جوابهم بربما.

 

وهذه الأرقام تركت انطباعاً بضعف قدرة الدولة اللبنانية على مواكبة مرحلة قد تشهد تغيرات كبرى على مستوى توازنات داخلية سادت وتجذرت في بنيانها وركائزها لزمن طويل. والأسوأ أنّ ورشة الإستعداد والتحضير لم تبدأ بعد، حتى على المستوى النظري.

مزيد من الأخبار