في جنازة مشتركة… عون يدفن اتفاقي القاهرة والدوحة

بالتزامن مع انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل من خلال الاجتماع بين سفيري البلدين في أميركا، بحضور ورعاية وزير خارجيتها ماركو روبيو ومستشار الأمن القومي، وسفيرها في بيروت ميشال عيسى، شنت الآلة الإعلامية لميليشيا “حزب الله” حملة تخوينية مكثفة على رئيس الجمهورية، وخرجت جماعتها السياسية بمواقف ترفض فيها الاعتراف بالعملية التفاوضية وبمخرجاتها، مع السعي لتضليل الجماهير من خلال الإيحاء بأن الدولة اللبنانية ترقص فوق دماء أبنائها.
ومع ذلك، ليست هي المرة الأولى التي تحصل فيها اجتماعات بين لبنان وإسرائيل. بمعزل عن “اتفاق خروج القوات الإسرائيلية من لبنان” المكنى بـ “17 أيار” والتاريخ المحرّف الذي ألبسها، كان لبنان حاضرًا في “مفاوضات مدريد” وبلقاءات مباشرة. كما أن “تفاهم نيسان 1996” انبثقت منه لجنة مراقبة تجتمع دوريًا تضم لبنان وإسرائيل وأميركا، إلى جانب فرنسا وسوريا.
كذلك شهدت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية اجتماعات بين ممثلين عن بيروت وتل أبيب برعاية واشنطن، وتمخض عنها اعتراف لبناني صريح ممهور بختم “حزب الله” بدولة إسرائيل، عزز الاعتراف الناشئ عن المحطتين السابقتين. يضاف إلى ذلك أن مواقف رئيس الجمهورية منذ انتخابه أكد فيها على المفاوضات كحل وحيد متاح. في خطابه من أرض الجنوب عشية الاستقلال، قال الرئيس جوزاف عون إن الدولة جاهزة للتفاوض برعاية أممية، أو أميركية، أو دولية مشتركة.
هذه المواقف كان “حزب الله” على علم بمدى جديتها، سواء عبر اجتماعاته المباشرة مع رئيس الجمهورية، أو عبر رسائل الموفدين، حيث لم توفر بعبدا جهدًا لإقناع “الحزب” بالاندماج بهذا المسار، مع إبداء كل أشكال التعاون معه لإنزاله عن شجرة الرهانات القاتلة، وضمان طريق آمن لكبريائه المهشم، رغم تأثير ذلك على رصيد العهد. وكل خطوة في هذا المسار حرصت بعبدا على تأمين أوسع تغطية داخلية لها لضمان نجاحها، بما في ذلك المفاوضات التي انطلقت في واشنطن، والتي مهد لها رئيس الجمهورية باتصالات ولقاءات مع مختلف القوى السياسية.
بيد أن رفض “حزب الله” نابع من إصراره على جعل لبنان ورقة تفاوضية في يد نظام الملالي. لذلك لم يتورع عن الزجّ به في الحرب الأميركية – الإيرانية تحت عنوان الثأر لخامنئي. والصواريخ الستة التي أطلقها على إسرائيل أصابت العهد والدولة في آن، وجعلت موقفهما بالغ التعقيد. كان بإمكان بعبدا اتباع الطريقة الكلاسيكية المعروفة في منطقتنا بالتفاوض سرًا مع “الشيطان الأكبر” و “ربيبته”، حسب الرواية القومجية التي طورتها الممانعة، في موازاة الإكثار من الخطب الرنانة والرطن بمصطلحات تنشأت عليها أجيال تكرّعت الهزائم حتى أمست غذاءها اليومي الذي تغلفه باختراع مفاهيم جديدة لانتصارات خيالية.
غير أن رئيس الجمهورية كان صريحًا وواقعيًا، وأثبت منذ انتخابه بأنه دخل بعبدا ليس لبناء شعبية بل لتعزيز حضور الدولة. وليس أصعب على رجل الدولة المسؤول من الوقوف عاجزًا أو متفرجًا أمام النزيف اليومي لمواطنيه. ومن باب التذكير فإن الموفد الأميركي توم براك سبق أن قال من منبر بعبدا بالذات بأن على لبنان وإسرائيل التكلم مع بعضهما لحل مشاكلهما في رسالة واضحة وصريحة. والحيز الضئيل الذي كان متاحًا للمناورة قوّضته صواريخ “الحزب” الستة.
ما كان أمام الرئيس جوزاف عون من خيار سوى الدفع بمبادرته التفاوضية مع تغير الشروط وكلفتها. فرجل الدولة هو من يتخذ القرارات الصعبة والمصيرية بميزان الدولة لا بميزان الشعبويات الفارغة لأن هدفه حماية شعبه، بما في ذلك من يخونونه اليوم. وتمكن عبر اتصالاته التي لم تهدأ منذ عشية 2 آذار من إنتاج مظلة دعم عربية ركيزتها المحورية السعودية، ودولية تتبدى مؤشراتها بالإعلان المشترك الصادر عن 17 دولة، بينها فرنسا وبريطانيا، تلاقت مع إرادة واشنطن بتحويل لبنان من ورقة في البازار إلى شريك في تقرير مصيره.
الفارق بين المفاوضات الراهنة بين لبنان وإسرائيل وما سلف في حقب سابقة، والذي يمنحها بعدًا تاريخيًا، يكمن في أن لبنان يفاوض للمرة الأولى برأسه محررًا من وصايات كانت تجعله لاعبًا ثانويًا. يمكن القول إن رئيس الجمهورية بخطوته الشجاعة دفن “اتفاق القاهرة” و “اتفاق الدوحة” في جنازة مشتركة. وهنا “مربط الفرس” الذي يجعل “حزب الله” يئزّ غضبًا ومن خلفه نظام الملالي.
فـ “اتفاق القاهرة” الذي أبطله المجلس النيابي عام 1986، بالتوازي مع “17 أيار”، لم تمت مفاعيله، حيث استحوذ على إرثه حافظ الأسد وجيّر مشروعيته لحساب “حزب الله”، بما جعل لبنان أسير حالة نزيف مستدامة، فشهد في عصر “جمهورية الطائف” 5 حروب مع إسرائيل، بمعدل حرب كل 6 سنوات، وما بينها هدن مظللة بـ “غزوة 7 أيار” التي فرض من خلالها “حزب الله” حصوله على حق الفيتو على النظام السياسي وقرار الدولة، وبالدخول الاحتلالي إلى سوريا.
ما من دولة تحارب إلى الأبد فكيف الحال بلبنان الذي يرزح تحت وطأة أزمات مركبة مفتاح حلها الأساسي هو الاستقرار والخروج من سياسة المحاور التي دفعنا ثمنها غاليًا جدًا؟ يكفي أن 83 سنة منذ الاستقلال حتى اليوم تخللتها 57 سنة من العيش في جحيم معادلات اتفاق القاهرة وإرثه الكارثي.
في جنازة مشتركة… عون يدفن اتفاقي القاهرة والدوحة

بالتزامن مع انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل من خلال الاجتماع بين سفيري البلدين في أميركا، بحضور ورعاية وزير خارجيتها ماركو روبيو ومستشار الأمن القومي، وسفيرها في بيروت ميشال عيسى، شنت الآلة الإعلامية لميليشيا “حزب الله” حملة تخوينية مكثفة على رئيس الجمهورية، وخرجت جماعتها السياسية بمواقف ترفض فيها الاعتراف بالعملية التفاوضية وبمخرجاتها، مع السعي لتضليل الجماهير من خلال الإيحاء بأن الدولة اللبنانية ترقص فوق دماء أبنائها.
ومع ذلك، ليست هي المرة الأولى التي تحصل فيها اجتماعات بين لبنان وإسرائيل. بمعزل عن “اتفاق خروج القوات الإسرائيلية من لبنان” المكنى بـ “17 أيار” والتاريخ المحرّف الذي ألبسها، كان لبنان حاضرًا في “مفاوضات مدريد” وبلقاءات مباشرة. كما أن “تفاهم نيسان 1996” انبثقت منه لجنة مراقبة تجتمع دوريًا تضم لبنان وإسرائيل وأميركا، إلى جانب فرنسا وسوريا.
كذلك شهدت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية اجتماعات بين ممثلين عن بيروت وتل أبيب برعاية واشنطن، وتمخض عنها اعتراف لبناني صريح ممهور بختم “حزب الله” بدولة إسرائيل، عزز الاعتراف الناشئ عن المحطتين السابقتين. يضاف إلى ذلك أن مواقف رئيس الجمهورية منذ انتخابه أكد فيها على المفاوضات كحل وحيد متاح. في خطابه من أرض الجنوب عشية الاستقلال، قال الرئيس جوزاف عون إن الدولة جاهزة للتفاوض برعاية أممية، أو أميركية، أو دولية مشتركة.
هذه المواقف كان “حزب الله” على علم بمدى جديتها، سواء عبر اجتماعاته المباشرة مع رئيس الجمهورية، أو عبر رسائل الموفدين، حيث لم توفر بعبدا جهدًا لإقناع “الحزب” بالاندماج بهذا المسار، مع إبداء كل أشكال التعاون معه لإنزاله عن شجرة الرهانات القاتلة، وضمان طريق آمن لكبريائه المهشم، رغم تأثير ذلك على رصيد العهد. وكل خطوة في هذا المسار حرصت بعبدا على تأمين أوسع تغطية داخلية لها لضمان نجاحها، بما في ذلك المفاوضات التي انطلقت في واشنطن، والتي مهد لها رئيس الجمهورية باتصالات ولقاءات مع مختلف القوى السياسية.
بيد أن رفض “حزب الله” نابع من إصراره على جعل لبنان ورقة تفاوضية في يد نظام الملالي. لذلك لم يتورع عن الزجّ به في الحرب الأميركية – الإيرانية تحت عنوان الثأر لخامنئي. والصواريخ الستة التي أطلقها على إسرائيل أصابت العهد والدولة في آن، وجعلت موقفهما بالغ التعقيد. كان بإمكان بعبدا اتباع الطريقة الكلاسيكية المعروفة في منطقتنا بالتفاوض سرًا مع “الشيطان الأكبر” و “ربيبته”، حسب الرواية القومجية التي طورتها الممانعة، في موازاة الإكثار من الخطب الرنانة والرطن بمصطلحات تنشأت عليها أجيال تكرّعت الهزائم حتى أمست غذاءها اليومي الذي تغلفه باختراع مفاهيم جديدة لانتصارات خيالية.
غير أن رئيس الجمهورية كان صريحًا وواقعيًا، وأثبت منذ انتخابه بأنه دخل بعبدا ليس لبناء شعبية بل لتعزيز حضور الدولة. وليس أصعب على رجل الدولة المسؤول من الوقوف عاجزًا أو متفرجًا أمام النزيف اليومي لمواطنيه. ومن باب التذكير فإن الموفد الأميركي توم براك سبق أن قال من منبر بعبدا بالذات بأن على لبنان وإسرائيل التكلم مع بعضهما لحل مشاكلهما في رسالة واضحة وصريحة. والحيز الضئيل الذي كان متاحًا للمناورة قوّضته صواريخ “الحزب” الستة.
ما كان أمام الرئيس جوزاف عون من خيار سوى الدفع بمبادرته التفاوضية مع تغير الشروط وكلفتها. فرجل الدولة هو من يتخذ القرارات الصعبة والمصيرية بميزان الدولة لا بميزان الشعبويات الفارغة لأن هدفه حماية شعبه، بما في ذلك من يخونونه اليوم. وتمكن عبر اتصالاته التي لم تهدأ منذ عشية 2 آذار من إنتاج مظلة دعم عربية ركيزتها المحورية السعودية، ودولية تتبدى مؤشراتها بالإعلان المشترك الصادر عن 17 دولة، بينها فرنسا وبريطانيا، تلاقت مع إرادة واشنطن بتحويل لبنان من ورقة في البازار إلى شريك في تقرير مصيره.
الفارق بين المفاوضات الراهنة بين لبنان وإسرائيل وما سلف في حقب سابقة، والذي يمنحها بعدًا تاريخيًا، يكمن في أن لبنان يفاوض للمرة الأولى برأسه محررًا من وصايات كانت تجعله لاعبًا ثانويًا. يمكن القول إن رئيس الجمهورية بخطوته الشجاعة دفن “اتفاق القاهرة” و “اتفاق الدوحة” في جنازة مشتركة. وهنا “مربط الفرس” الذي يجعل “حزب الله” يئزّ غضبًا ومن خلفه نظام الملالي.
فـ “اتفاق القاهرة” الذي أبطله المجلس النيابي عام 1986، بالتوازي مع “17 أيار”، لم تمت مفاعيله، حيث استحوذ على إرثه حافظ الأسد وجيّر مشروعيته لحساب “حزب الله”، بما جعل لبنان أسير حالة نزيف مستدامة، فشهد في عصر “جمهورية الطائف” 5 حروب مع إسرائيل، بمعدل حرب كل 6 سنوات، وما بينها هدن مظللة بـ “غزوة 7 أيار” التي فرض من خلالها “حزب الله” حصوله على حق الفيتو على النظام السياسي وقرار الدولة، وبالدخول الاحتلالي إلى سوريا.
ما من دولة تحارب إلى الأبد فكيف الحال بلبنان الذي يرزح تحت وطأة أزمات مركبة مفتاح حلها الأساسي هو الاستقرار والخروج من سياسة المحاور التي دفعنا ثمنها غاليًا جدًا؟ يكفي أن 83 سنة منذ الاستقلال حتى اليوم تخللتها 57 سنة من العيش في جحيم معادلات اتفاق القاهرة وإرثه الكارثي.







